خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ
٣٦
رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ
٣٧
لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٣٨
-النور

تفسير القرآن العظيم

لما ضرب الله تعالى مثل قلب المؤمن وما فيه من الهدى والعلم بالمصباح في الزجاجة الصافية المتوقد من زيت طيب، وذلك كالقنديل، ذكر محلها، وهي المساجد التي هي أحب البقاع إلى الله تعالى من الأرض، وهي بيوته التي يعبد فيها ويوحد، فقال تعالى: {فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ} أي: أمر الله تعالى بتعاهدها وتطهيرها من الدنس واللغو والأقوال والأفعال التي لا تليق فيها. كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية الكريمة: {فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ} قال: نهى الله سبحانه عن اللغو فيها، وكذا قال عكرمة وأبو صالح والضحاك ونافع بن جبير وأبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة وسفيان بن حسين، وغيرهم من العلماء المفسرين.

وقال قتادة: هي هذه المساجد، أمر الله سبحانه وتعالى ببنائها وأمر بعمارتها وتطهيرها. وقد ذكر لنا: أن كعباً كان يقول: مكتوب في التوراة: ألا إن بيوتي في الأرض المساجد، وإنه من توضأ فأحسن وضوءه، ثم زارني في بيتي، أكرمته، وحق على المزور كرامة الزائر. رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره. وقد وردت أحاديث كثيرة في بناء المساجد واحترامها وتوقيرها وتطييبها وتبخيرها، وذلك له محل مفرد يذكر فيه، وقد كتبت في ذلك جزءاً على حدة، و لله الحمد والمنة، ونحن بعون الله تعالى نذكر هاهنا طرفاً من ذلك إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان، فعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنها قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله، بنى الله له مثله في الجنة" أخرجاه في "الصحيحين".

وروى ابن ماجه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من بنى مسجداً يذكر فيه اسم الله، بنى الله له بيتاً في الجنة" وللنسائي عن عمرو بن عَبَسَة مثله، والأحاديث في هذاكثيرة جداً، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب. رواه أحمد وأهل السنن إلا النسائي، ولأحمد وأبي داود عن سمرة بن جندب نحوه، وقال البخاري: قال عمر: ابن للناس ما يكنهم، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس، وروى ابن ماجه عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم" وفي إسناده ضعف.

وروى أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أمرت بتشييد المساجد" قال ابن عباس: أزخرفها كما زخرفت اليهود والنصارى. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد" . رواه أحمد وأهل السنن إلا الترمذي. وعن بريدة: أن رجلاً أنشد في المسجد، فقال: من دعاإلى الجمل الأحمر، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له" رواه مسلم، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيع والابتياع، وعن تناشد الأشعار في المساجد. رواه أحمد وأهل السنن وقال الترمذي: حسن.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد، فقولوا: لا ردَّ الله عليك" رواه الترمذي، وقال: حسن غريب، وقد روى ابن ماجه وغيره من حديث ابن عمر مرفوعاً قال: "خصال لا تنبغي في المسجد: لا يتخذ طريقاً، ولا يشهر فيه سلاح، ولا ينبض فيه بقوس، ولا ينثر فيه نبل، ولا يمر فيه بلحم نيء، ولا يضرب فيه حد، ولا يقتص فيه أحد، ولا يتخذ سوقاً" وعن واثلة بن الأسقع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "جنبوا المساجد صبيانكم ومجانينكم، وشراءكم وبيعكم، وخصوماتكم ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها في الجمع" ورواه ابن ماجه أيضاً، وفي إسنادهما ضعف، أما أنه لا يتخذ طريقاً، فقد كره بعض العلماء المرور فيه إلا لحاجة إذا وجد مندوحة عنه، وفي الأثر: إن الملائكة لتتعجب من الرجل يمر بالمسجد لا يصلي فيه، وأما أنه لا يشهر فيه السلاح، ولا ينبض فيه بقوس، ولا ينثر فيه نبل، فلما يخشى من إصابة بعض الناس به؛ لكثرة المصلين فيه، ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر أحد بسهام، أن يقبض على نصالها؛ لئلا يؤذي أحداً، كما ثبت ذلك في الصحيح، وأما النهي عن المرور باللحم النيء فيه، فلما يخشى من تقاطر الدم منه؛ كما نهيت الحائض عن المرور فيه إذا خافت التلويث، وأما أنه لا يضرب فيه حد، أو يقتص، فلما يخشى من إيجاد النجاسة فيه من المضروب أو المقطوع، وأما أنه لا يتخذ سوقاً، فلما تقدم من النهي عن البيع والشراء فيه؛ فإنه إنما بني لذكر الله والصلاة فيه؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد: "إن المساجد لم تبن لهذا، إنما بنيت لذكر الله والصلاة فيها" ثم أمر بسجل من ماء، فأهريق على بوله. وفي الحديث الثاني: "جنبوا مساجدكم صبيانكم" وذلك لأنهم يلعبون فيه، ولا يناسبهم، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا رأى صبياناً يلعبون في المسجد، ضربهم بالمخفقة، وهي الدرة، وكان يفتش المسجد بعد العشاء، فلا يترك فيه أحداً "ومجانينكم" يعني: لأجل ضعف عقولهم، وسخر الناس بهم، فيؤدي إلى اللعب فيها، ولما يخشى من تقذيرهم المسجد ونحو ذلك، "وبيعكم وشراءكم" كما تقدم، "وخصوماتكم" يعني: التحاكم والحكم فيه، ولهذا نص كثير من العلماء على أن الحاكم لا ينتصب لفصل الأقضية في المسجد، بل يكون في موضع غيره؛ لما فيه من كثرة الحكومات والتشاجر والعياط الذي لا يناسبه، ولهذا قال بعده: "ورفع أصواتكم" .

وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا الجعيد بن عبد الرحمن قال: حدثني يزيد بن خَصَيفة عن السائب بن يزيد الكندي قال: كنت قائماً في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فائتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد، لأوجعتكما؛ ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال النسائي: حدثنا سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: سمع عمر صوت رجل في المسجد، فقال: أتدري أين أنت؟ وهذا أيضاً صحيح. وقوله: "وإقامة حدودكم وسل سيوفكم" تقدما. وقوله: "واتخذوا على أبوابها المطاهر" يعني: المراحيض التي يستعان بها على الوضوء وقضاء الحاجة. وقد كانت قريباً من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم آبار يستقون منها، فيشربون ويتطهرون ويتوضؤون، وغير ذلك.

وقوله: "وجمروها في الجمع" يعني: بخروها في أيام الجمع؛ لكثرة اجتماع الناس يومئذ، وقد قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبيد الله، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: أن عمر كان يجمر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كل جمعة. إسناده حسن لا بأس به، والله أعلم، وقد ثبت في "الصحيحين" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن وضوءه، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى، لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه،اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة" . وعند الدار قطني مرفوعاً: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" وفي السنن: "بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة" ويستحب لمن دخل المسجد أن يبدأ برجله اليمنى، وأن يقول كما ثبت في "صحيح البخاري" عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد يقول: "أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم" [قال: أقطُ؟ قال: نعم] قال: فإذا قال ذلك، قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم.

وروى مسلم بسنده عن أبي حميد أو أبي أسيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك فضلك" ورواه النسائي عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا دخل أحدكم المسجد، فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم" ورواه ابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما.

وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا ليث بن أبي سليم عن عبد الله بن حسن عن أمه فاطمة بنت حسين عن جدتها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد، صلى على محمد وسلم، ثم قال: "اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك" وإذا خرج صلى على محمد وسلم، ثم قال: "اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك" ورواه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وإسناده ليس بمتصل؛ لأن فاطمة بنت حسين الصغرى لم تدرك فاطمة الكبرى، فهذا الذي ذكرناه مع ما تركناه من الأحاديث الواردة في ذلك كله محاذرة الطول داخل في قوله تعالى: {فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ}.

وقوله: {وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} أي: اسم الله؛ كقوله { يَـٰبَنِىۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ } [الأعراف: 31] وقوله: { وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ } [الأعراف: 29] وقوله: { وَأَنَّ ٱلْمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ } [الجن: 18] الآية. وقوله تعالى: {وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} قال ابن عباس: يعني: فيها يتلى كتابه، وقوله تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلأَصَالِ} أي: في البكرات والعشيات. والآصال جمع أصيل، وهو آخر النهار. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كل تسبيح في القرآن هو الصلاة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني بالغدوّ: صلاة الغداة، ويعني بالآصال: صلاة العصر، وهما أول ما افترض الله من الصلاة، فأحب أن يذكرهما، وأن يذكر بهما عباده. وكذا قال الحسن والضحاك: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلأَصَالِ} يعني: الصلاة، ومن قرأ من القراء: {يُسَبَّحُ له فيها بالغدوِّ والأَصال} بفتح الباء من {يُسَبِّحُ} على أنه مبني لما لم يسم فاعله، وقف على قوله: {وَٱلأَصَالِ} وقفاً تاماً وابتدأ بقوله: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} وكأنه مفسر للفاعل المحذوف كما قال الشاعر:

لِيُبْكَ يزيدٌ ضارِعٌ لخُصومَةِومُخْتَبِطٌ مما تُطيح الطوائحُ

كأنه قال: من يبكيه؟ قال: هذا يبكيه، وكأنه قيل: من يسبح له فيها؟ قال: رجال. وأما على قراءة من قرأ: {يُسَبِّحُ} بكسر الباء، فجعله فعلاً، وفاعله {الرجال}، فلا يحسن الوقف إلا على الفاعل؛ لأنه تمام الكلام، فقوله تعالى: {رِجَالٌ} فيه إشعار بهممهم السامية، ونياتهم وعزائمهم العالية التي بها صاروا عماراً للمساجد التي هي بيوت الله في أرضه، ومواطن عبادته وشكره وتوحيده وتنزيهه كما قال تعالى: { مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ } [الأحزاب: 23] الآية، وأما النساء، فصلاتهن في بيوتهن أفضل لهن؛ لما رواه أبو داود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها" .

وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين، حدثني عمرو عن أبي السمح عن السائب مولى أم سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خير مساجد النساء قعر بيوتهن" وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا هارون، أخبرني عبد الله بن وهب، حدثنا داود بن قيس عن عبد الله بن سويد الأنصاري عن عمته أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي: أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك. قال: "قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي" قال: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيت من بيوتها وأظلمه، فكانت والله تصلي فيه حتى لقيت الله تعالى، لم يخرجوه. هذا ويجوز لها شهود جماعة الرجال بشرط أن لا تؤذي أحداً من الرجال بظهور زينة ولا ريح طيب، كما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" رواه البخاري ومسلم، ولأحمد وأبي داود: "وبيوتهن خير لهن" . وفي رواية: "وليخرجن وهن تفلات" أي: لا ريح لهن. وقد ثبت في "صحيح مسلم" عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا شهدت إحداكن المسجد، فلا تمس طيباً" . وفي "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان نساء المؤمنين يشهدن الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرجعن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس، وفي "الصحيحين" عنها أيضاً أنها قالت: لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء، لمنعهن من المساجد، كما منعت نساء بين إسرائيل.

وقوله تعالى: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} كقوله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } [المنافقون: 9] لآية. وقوله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ } [الجمعة: 9] الآية، يقول تعالى: لا تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها وملاذ بيعها وربحها عن ذكر ربهم الذي هو خالقهم ورازقهم، والذين يعلمون أن الذي عنده هو خير لهم، وأنفع مما بأيديهم؛ لأن ما عندهم ينفد، وما عند الله باق، ولهذا قال تعالى: {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـوٰةِ} أي: يقدمون طاعته ومراده ومحبته على مرادهم ومحبتهم، قال هشيم عن سيّار قال: حدثت عن ابن مسعود أنه رأى قوماً من أهل السوق حيث نودي للصلاة المكتوبة، تركوا بياعاتهم ونهضوا إلى الصلاة، فقال عبد الله بن مسعود: هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} الآية، وهكذا روى عمرو بن دينار القهرماني عن سالم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنه كان في السوق، فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم، ودخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيهم نزلت: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عبد الله بن بكر الصنعاني، حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عبد الله بن بجير، حدثنا أبو عبد ربه قال: قال أبو الدرداء رضي الله عنه: إني قمت على هذا الدرج أبايع عليه، أربح كل يوم ثلثمائة دينار، أشهد الصلاة في كل يوم في المسجد، أما إني لا أقول: إن ذلك ليس بحلال، ولكني أحب أن أكون من الذين قال الله فيهم: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} وقال عمرو بن دينار الأعور: كنت مع سالم بن عبد الله، ونحن نريد المسجد، فمررنا بسوق المدينة، وقد قاموا إلى الصلاة، وخمروا متاعهم، فنظر سالم إلى أمتعتهم ليس معها أحد، فتلا سالم هذه الآية: {رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} ثم قال: هم هؤلاء، وكذا قال سعيد بن أبي الحسن والضحاك: لا تلهيهم التجارة والبيع أن يأتوا الصلاة في وقتها. وقال مطر الورّاق: كانوا يبيعون ويشترون، ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء، وميزانه في يده، خفضه وأقبل إلى الصلاة.

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} يقول: عن الصلاة المكتوبة، وكذا قال مقاتل بن حيان والربيع بن أنس. وقال السدي: عن الصلاة في جماعة. وقال مقاتل بن حيان: لا يلهيهم ذلك عن حضور الصلاة، وأن يقيموها كما أمرهم الله، وأن يحافظوا على مواقيتها وما استحفظهم الله فيها. وقوله تعالى: {يَخَـٰفُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَـٰرُ} أي: يوم القيامة الذي تتقلب فيه القلوب والأبصار، أي: من شدّة الفزع وعظمة الأهوال، كقوله: { وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ } [غافر: 18] الآية.

وقوله { إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَـٰرُ } [إبراهيم: 42] وقال تعالى: { وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقَـٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ وَلَقَّـٰهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً } [الإنسان: 8 ــــ 12]. وقوله تعالى ههنا: {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} أي: هؤلاء من الذين يتقبل حسناتهم أحسن ما عملوا، ويتجاوز عن سيئاتهم. وقوله {وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ} أي: يتقبل منهم الحسن، ويضاعفه لهم، كما قال تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } [النساء: 40] الآية، وقال تعالى: { مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } [الأنعام: 160] الآية، وقال: { مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } [البقرة: 245] الآية، وقال: { وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ } [البقرة: 261] وقال ههنا: {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. وعن ابن مسعود أنه جيء بلبن، فعرضه على جلسائه واحداً واحداً، فكلهم لم يشربه؛ لأنه كان صائماً، فتناوله ابن مسعود فشربه؛ لأنه كان مفطراً، ثم تلا قوله: {يَخَـٰفُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَـٰرُ} رواه النسائي وابن أبي حاتم من حديث الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عنه.

وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا جمع الله الأوّلين والآخرين يوم القيامة جاء مناد، فنادى بصوت يسمع الخلائق: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، فيقومون وهم قليل، ثم يحاسب سائر الخلائق" وروى الطبراني من حديث بقية عن إسماعيل بن عبد الله الكندي عن الأعمش عن أبي وائل، عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} قال: أجورهم: يدخلهم الجنة، ويزيدهم من فضله: الشفاعة لمن وجبت له الشفاعة لمن صنع لهم المعروف في الدنيا.