خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
١٠
وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ
١١
فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ
١٢
لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ
١٣
قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ
١٤
فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ
١٥
وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ
١٦
لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ
١٧
بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ
١٨
وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ
١٩
يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ
٢٠
أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ
٢١
لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
٢٢
لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ
٢٣
أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ فَهُمْ مُّعْرِضُونَ
٢٤
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ
٢٥
-الأنبياء

فتح القدير

نبه عباده على عظيم نعمته عليهم بقوله: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَـٰباً } يعني القرآن {فِيهِ ذِكْرُكُمْ } صفة لـ {كتاباً}، والمراد بالذكر هنا: الشرف، أي فيه شرفكم كقوله: { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } [الزخرف: 44] وقيل: {فيه ذكركم} أي ذكر أمر دينكم، وأحكام شرعكم وما تصيرون إليه من ثواب أو عقاب. وقيل: فيه حديثكم، قاله مجاهد. وقيل: مكارم أخلاقكم ومحاسن أعمالكم. وقيل: فيه العمل بما فيه حياتكم. قاله سهل بن عبد الله. وقيل: فيه موعظتكم، والاستفهام في: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} للتوبيخ والتقريع، أي: أفلا تعقلون أن الأمر كذلك، أو لا تعقلون شيئاً من الأشياء التي من جملتها ما ذكر.

ثم أوعدهم وحذرهم ما جرى على الأمم المكذبة، فقال: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَـٰلِمَةً }: "كم" في محل نصب على أنها مفعول {قصمنا} وهي الخبرية المفيدة للتكثير. والقصم: كسر الشيء ودقه، يقال: قصمت ظهر فلان: إذا كسرته، واقتصمت سنه: إذا انكسرت، والمعنى هنا: الإهلاك والعذاب. وأما الفصم بالفاء فهو الصدع في الشيء من غير بينونة، وجملة: {كَانَتْ ظَـٰلِمَةً } في محل جرّ صفة لقرية، وفي الكلام مضاف محذوف، أي وكم قصمنا من أهل قرية كانوا ظالمين، أي كافرين بالله مكذبين بآياته، والظلم في الأصل: وضع الشيء في غير موضعه، وهم وضعوا الكفر في موضع الإيمان {وأنشأنا بعدها قوماً آخرين} أي أوجدنا وأحدثنا بعد إهلاك أهلها قوماً ليسوا منهم.

{فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا } أي أدركوا أو رأوا عذابنا، وقال الأخفش: خافوا وتوقعوا، أو البأس: العذاب الشديد {إِذَا هُمْ مّنْهَا يَرْكُضُونَ } الركض: الفرار والهرب والانهزام، وأصله: من ركض الرجل الدابة برجليه، يقال: ركض الفرس: إذا كدّه بساقيه، ثم كثر حتى قيل ركض الفرس إذا عدا، ومنه: "ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ " [صۤ: 42] والمعنى: أنهم يهربون منها راكضين دوابهم. فقيل لهم: {لاَ تَرْكُضُواْ } أي لا تهربوا. قيل: إن الملائكة نادتهم بذلك عند فرارهم. وقيل: إن القائل لهم ذلك هم من هنالك من المؤمنين استهزاء بهم وسخرية منهم {وَٱرْجِعُواْ إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ } أي إلى نعمكم التي كانت سبب بطركم وكفركم، والمترف المنعم، يقال: أترف فلان، أي وسع عليه في معاشه {وَمَسَـٰكِنِكُمْ } أي وارجعوا إلى مساكنكم التي كنتم تسكنونها وتفتخرون بها {لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } أي: تقصدون للسؤال والتشاور والتدبير في المهمات، وهذا على طريقة التهكم بهم والتوبيخ لهم. وقيل: المعنى: لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة فتخبرون به؛ وقيل: لعلكم تسألون أن تؤمنوا كما كنتم تسألون ذلك قبل نزول العذاب بكم. قال المفسرون وأهل الأخبار: إن المراد بهذه الآية: أهل حضور من اليمن، وكان الله سبحانه قد بعث إليهم نبياً اسمه شعيب بن مهدم، وقبره بجبل من جبال اليمن يقال له ضنن، وبينه وبين حضور نحو بريد، قالوا: وليس هو شعيباً صاحب مدين. قلت: وآثار القبر بجبل ضين موجودة، والعامة من أهل تلك الناحية يزعمون أنه قبر قدم بن قادم.

{قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ } أي قالوا لما قالت لهم الملائكة {لا تركضوا} يا ويلنا، أي: ياهلاكنا إنا كنا ظالمين لأنفسنا مستوجبين العذاب بما قدّمنا. فاعترفوا على أنفسهم بالظلم الموجب للعذاب. {فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ } أي ما زالت هذه الكلمة دعواهم أي: دعوتهم، والكلمة هي قولهم: {يا ويلنا} أي يدعون بها ويردّدونها {حَتَّىٰ جَعَلْنَـٰهُمْ حَصِيداً } أي بالسيوف كما يحصد الزرع بالمنجل، والحصيد هنا بمعنى المحصود، ومعنى {خَـٰمِدِينَ } أنهم ميتون من خمدت النار إذا طفئت، فشبه خمود الحياة بخمود النار، كما يقال لمن مات: قد طفىء.

{وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاء وَٱلاْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ } أي لم نخلقهما عبثاً ولا باطلاً، بل للتنبيه على أن لهما خالقاً قادراً يجب امتثال أمره. وفيه إشارة إجمالية إلى تكوين العالم، والمراد بما بينهما سائر المخلوقات الكائنة بين السماء والأرض على اختلاف أنواعها وتباين أجناسها {لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً } اللهو: ما يتلهى به. قيل: اللهو: الزوجة والولد. وقيل: الزوجة فقط. وقيل: الولد فقط. قال الجوهري: قد يكفي باللهو عن الجماع، يدل على ما قاله قول امرىء القيس:

ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي

ومنه قول الآخر:

وفيهنّ ملهى للصديق ومنظر

والجملة مستأنفة لتقرير مضمون ما قبلها، وجواب لقوله: {لاَّتَّخَذْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا } أي من عندنا ومن جهة قدرتنا لا من عندكم. قال المفسرون أي من الحور العين، وفي هذا رد على من قال بإضافة الصاحبة والولد إلى الله، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً. وقيل: أراد الردّ على من قال: الأصنام أو الملائكة بنات الله. وقال ابن قتيبة: الآية ردٌّ على النصارى. {إِن كُنَّا فَـٰعِلِينَ } قال الواحدي: قال المفسرون: ما كنا فاعلين. قال الفراء والمبرد والزجاج: يجوز "أن" تكون إن للنفي كما ذكره المفسرون، أي ما فعلنا ذلك ولم نتخذ صاحبة ولا ولداً؛ ويجوز أن تكون للشرط، أي إن كنا ممن يفعل ذلك لاتخذناه من لدنا. قال الفراء: وهذا أشبه الوجهين بمذهب العربية.

{بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ } هذا إضراب عن اتخاذ اللهو، أي دع ذلك الذي قالوا فإنه كذب وباطل، بل شأننا أن نرمي بالحق على الباطل {فَيَدْمَغُهُ } أي يقهره، وأصل الدمغ: شج الرأس حتى يبلغ الدماغ، ومنه الدامغة. قال الزجاج: المعنى: نذهبه ذهاب الصغار والإذلال، وذلك أن أصله إصابة الدماغ بالضرب. قيل أراد بالحق: الحجة، وبالباطل: شبههم. وقيل: الحق المواعظ، والباطل المعاصي. وقيل: الباطل: الشيطان. وقيل: كذبهم ووصفهم الله سبحانه بغير صفاته {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } أي: زائل ذاهب، وقيل: هالك تالف، والمعنى متقارب، و"إذا" هي الفجائية {وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } أي العذاب في الآخرة بسبب وصفكم لله بما لا يجوز عليه، وقيل: الويل: وادٍ في جهنم، وهو وعيد لقريش بأن لهم من العذاب مثل الذي لأولئك؛ ومن: هي التعليلية.

{وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} عبيداً وملكاً، وهو خالقهم ورازقهم ومالكهم، فكيف يجوز أن يكون له بعض مخلوقاته شريكاً يعبد كما يعبد، وهذه الجملة مقررة لما قبلها {وَمَنْ عِندَهُ } يعني: الملائكة، وفيه ردّ على القائلين بأن الملائكة بنات الله، وفي التعبير عنهم بكونهم {عنده} إشارة إلى تشريفهم وكرامتهم، وأنهم بمنزلة المقربين عند الملوك، ثم وصفهم بقوله: {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } أي لا يتعاظمون ولا يأنفون عن عبادة الله سبحانه والتذلل له {وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ } أي لا يعيون، مأخوذ من الحسير، وهو البعير المنقطع بالإعياء والتعب، يقال: حسر البعير يحسر حسوراً: أعيا وكلّ، واستحسر وتحسر: مثله وحسرته أنا حسراً، يتعدى ولا يتعدى. قال أبو زيد: لا يكلون، وقال ابن الأعرابي: لا يفشلون. قال الزجاج: معنى الآية أن هؤلاء الذين ذكرتم أنهم أولاد الله، عباد الله لا يأنفون عن عبادته ولا يتعظمون عنها كقوله: { إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } [الأعراف: 206]. وقيل: المعنى لا ينقطعون عن عبادته. وهذه المعاني متقاربة.

{يُسَبّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ } أي ينزهون الله سبحانه دائماً لا يضعفون عن ذلك ولا يسأمون. وقيل: يصلون الليل والنهار. قال الزجاج: مجرى التسبيح منهم كمجرى النفس منا لا يشغلنا عن النفس شيء، فكذلك تسبيحهم دائم، وهذه الجملة إما مستأنفة جواب سؤال مقدّر، أو في محل نصب على الحال {أَمِ ٱتَّخَذُواْ الِهَةً مّنَ ٱلأَرْضِ } قال المفضل: مقصود هذا الاستفهام: الجحد، أي لم يتخذوا آلهة تقدر على الإحياء، و"أم": هي المنقطعة، والهمزة لإنكار الوقوع. قال المبرد: إن "أم" هنا بمعنى هل، أي هل اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض يحيون الموتى، ولا تكون "أم" هنا بمعنى بل، لأن ذلك يوجب لهم إنشاء الموتى إلا أن تقدّر "أم" مع الاستفهام، فتكون "أم" المنقطعة، فيصح المعنى، و{من الأرض} متعلق باتخذوا، أو بمحذوف هو صفة لآلهة، ومعنى {هُمْ يُنشِرُونَ }: هم يبعثون الموتى، والجملة صفة لآلهة، وهذه الجملة هي التي يدور عليها الإنكار والتجهيل، لا نفس الاتخاذ، فإنه واقع منهم لا محالة. والمعنى: بل اتخذوا آلهة من الأرض هم خاصة مع حقارتهم ينشرون الموتى، وليس الأمر كذلك، فإن ما اتخذوها آلهة بمعزل عن ذلك. قرأ الجمهور: {ينشرون} بضم الياء وكسر الشين من أنشره أي: أحياه، وقرأ الحسن بفتح الياء، أي يحيون ولا يموتون.

ثم إنه سبحانه أقام البرهان على بطلان تعدّد الآلهة، فقال: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } أي: لو كان في السمٰوات والأرض آلهة معبودون غير الله لفسدتا، أي لبطلتا، يعني السمٰوات والأرض بما فيهما من المخلوقات، قال الكسائي وسيبويه والأخفش والزجاج وجمهور النحاة: إن "إلا" هنا ليست للاستثناء بل بمعنى غير صفة لآلهة، ولذلك ارتفع الاسم الذي بعدها وظهر فيه إعراب غير التي جاءت "إلا" بمعناها، ومنه قول الشاعر:

وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان

وقال الفراء: إن "إلا" هنا بمعنى سوى، والمعنى: لو كان فيهما آلهة سوى الله لفسدتا، ووجه الفساد أن كون مع الله إلٰهاً آخر يستلزم أن يكون كل واحد منهما قادراً على الاستبداد بالتصرف، فيقع عند ذلك التنازع والاختلاف ويحدث بسببه الفساد {فَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان، أي تنزّه عزّ وجلّ عما لا يليق به من ثبوت الشريك له، وفيه إرشاد للعباد أن ينزّهوا الربّ سبحانه عما لا يليق به. {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } هذه الجملة مستأنفة مبينة أنه سبحانه لقوّة سلطانه وعظيم جلاله لا يسأله أحد من خلقه عن شيء من قضائه وقدره {وَهُمْ } أي: العباد {يُسْـئَلُونَ } عما يفعلون أي: يسألهم الله عن ذلك لأنهم عبيده. وقيل: إن المعنى: أنه سبحانه لا يؤاخذ على أفعاله وهم يؤاخذون. قيل: والمراد بذلك أنه سبحانه بين لعباده أن من يسأل عن أعماله كالمسيح والملائكة لا يصلح لأن يكون إلٰهاً.

{أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً } أي بل اتخذوا، وفيه إضراب وانتقال من إظهار بطلان كونها آلهة بالبرهان السابق، إلى إظهار بطلان اتخاذها آلهة مع توبيخهم بطلب البرهان منهم، ولهذا قال: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ } على دعوى أنها آلهة، أو على جواز اتخاذ آلهة سوى الله، ولا سبيل لهم إلى شيء من ذلك، لا من عقل ولا نقل، لأن دليل العقل قد مرّ بيانه، وأما دليل النقل فقد أشار إليه بقوله: {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي} أي هذا الوحي الوارد في شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطع ذكر أمتي وذكر الأمم السالفة وقد أقمته عليكم وأوضحته لكم، فأقيموا أنتم برهانكم. وقيل: المعنى هذا القرآن وهذه الكتب التي أنزلت قبلي فانظروا: هل في واحد منها أن الله أمر باتخاذ إلٰه سواه. قال الزجاج: قيل لهم: هاتوا برهانكم بأن رسولاً من الرسل أنبأ أمته بأن لهم إلٰهاً غير الله، فهل في ذكر من معي وذكر من قبلي إلا توحيد الله؟ وقيل معنى الكلام: الوعيد والتهديد، أي افعلوا ما شئتم فعن قريب ينكشف الغطاء. وحكى أبو حاتم: أن يحيـى بن يعمر وطلحة بن مصرف قرآ: "هذا ذكر من معي وذكر من قبلي" بالتنوين وكسر الميم، وزعم أنه لا وجه لهذه القراءة. وقال الزجاج في توجيه هذه القراءة: إن المعنى: هذا ذكر مما أنزل إليّ ومما هو معي وذكر من قبلي. وقيل: ذكر كائن من قبلي، أي جئت بما جاءت به الأنبياء من قبلي. ثم لما توجهت الحجة عليهم ذمهم بالجهل بمواضع الحق فقال: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ } وهذا إضراب من جهته سبحانه وانتقال من تبكيتهم بمطالبتهم بالبرهان إلى بيان أنه لا يؤثر فيهم إقامة البرهان، لكونهم جاهلين للحق لا يميزون بينه وبين الباطل. وقرأ ابن محيصن والحسن: "الحق" بالرفع على معنى هذا الحق، أو هو الحق، وجملة: {فَهُمْ مُّعْرِضُونَ } تعليل لما قبله من كون أكثرهم لا يعلمون أي فهم لأجل هذا الجهل المستولي على أكثرهم معرضون عن قبول الحق مستمرّون على الإعراض عن التوحيد واتباع الرسول، فلا يتأملون حجة، ولا يتدبرون في برهان، ولا يتفكرون في دليل.

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ يُوحَى إِلَيْهِ } قرأ حفص وحمزة والكسائي: {نوحي} بالنون، وقرأ الباقون بالياء أي: نوحي إليه {أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ } وفي هذا تقرير لأمر التوحيد وتأكيد لما تقدّم من قوله: {هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ } وختم الآية بالأمر لعباده بعبادته، فقال: {فَٱعْبُدُونِ } فقد اتضح لكم دليل العقل، ودليل النقل وقامت عليكم حجة الله.

وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَـٰباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ } قال: شرفكم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: فيه حديثكم. وفي رواية عنه قال: فيه دينكم. وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: بعث الله نبياً من حمير يقال له: شعيب، فوثب إليه عبد فضربه بعصا، فسار إليهم بختنصر فقاتلتهم فقتلهم حتى لم يبق منهم شيء، وفيهم أنزل الله: {وَكَمْ قَصَمْنَا } إلى قوله: {خَـٰمِدِينَ }. وأخرج عبد الرزاق وعبد ابن حميد، وابن المنذر عن الكلبي في قوله: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ } قال: هي حضور بني أزد، وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: {وَٱرْجِعُواْ إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ } قال: ارجعوا إلى دوركم وأموالكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ } قال: هم أهل حضور كانوا قتلوا نبيهم، فأرسل الله عليهم بختنصر فقتلهم، وفي قوله: {فَجَعَلْنَـٰهُمْ حَصِيداً خَـٰمِدِينَ } قال: بالسيف ضرب الملائكة وجوههم حتى رجعوا إلى مساكنهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن وهب قال: حدّثني رجل من الجزريين قال: كان اليمن قريتان، يقال لإحداهما: حضور، وللأخرى قلابة، فبطروا وأترفوا حتى ما كانوا يغلقون أبوابهم، فلما أترفوا بعث الله إليهم نبياً فدعاهم فقتلوه، فألقى الله في قلب بختنصر أن يغزوهم، فجهز لهم جيشاً، فقاتلوهم فهزموا جيشه فرجعوا منهزمين إليه، فجهز إليهم جيشاً آخر أكثف من الأوّل، فهزموهم أيضاً؛ فلما رأى بختنصر ذلك غزاهم هو بنفسه، فقاتلوهم فهزمهم حتى خرجوا منها يركضون، فسمعوا منادياً يقول: {لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُواْ إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَـٰكِنِكُمْ } فرجعوا فسمعوا صوتاً منادياً يقول: يا لثارات النبي فقتلوا بالسيف، فهي التي قال الله: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ } إلى قوله: {خَـٰمِدِينَ } قلت: وقرى حضور معروفة الآن بينها وبين مدينة صنعاء نحو بريد في جهة الغرب منها. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {حَصِيداً خَـٰمِدِينَ }. قال: كخمود النار إذا طفئت.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: {لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً } قال: اللهو: الولد. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله: {لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً } قال: النساء. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ } يقول: لا يرجعون. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } قال: بعباده {وَهُمْ يُسْـئَلُونَ } قال: عن أعمالهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك نحوه. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس قال: ما في الأرض قوم أبغض إليّ من القدرية، وما ذاك إلا أنهم لا يعلمون قدرة الله، قال الله: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ }.