خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ
١
يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ
٢
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ
٣
كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ
٤
يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ
٥
ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٦
وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ
٧
-الحج

فتح القدير

لما انجرّ الكلام في خاتمة السورة المتقدمة إلى ذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها، بدأ سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها، حثاً على التقوى التي هي أنفع زاد فقال: {يَـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ } أي احذروا عقابه بفعل ما أمركم به من الواجبات وترك ما نهاكم عنه من المحرمات، ولفظ الناس يشمل جميع المكلفين من الموجودين ومن سيوجد على ما تقرر في موضعه، وقد قدّمنا طرفاً من تحقيق ذلك في سورة البقرة، وجملة: {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْء عَظِيمٌ } تعليل لما قبلها من الأمر بالتقوى، والزلزلة: شدّة الحركة، وأصلها من زلّ عن الموضع، أي زال عنه وتحرّك، وزلزل الله قدمه، أي: حركها، وتكرير الحرف يدل على تأكيد المعنى، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله، وهي على هذا، الزلزلة التي هي أحد أشراط الساعة التي تكون في الدنيا قبل يوم القيامة، هذا قول الجمهور. وقيل: إنها تكون في النصف من شهر رمضان، ومن بعدها طلوع الشمس من مغربها. وقيل: إن المصدر هنا مضاف إلى الظرف، وهو الساعة، إجراء له مجرى المفعول، أو بتقدير "في" كما في قوله: { بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } [سبأ: 33]. وهي المذكورة في قوله: { إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا } [الزلزلة: 1]. قيل: وفي التعبير عنها بالشيء إيذان بأن العقول قاصرة عن إدراك كنهها. {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ } انتصاب الظرف بما بعده، والضمير يرجع إلى الزلزلة، أي وقت رؤيتكم لها، تذهل: كل ذات رضاع عن رضيعها وتغفل عنه. قال قطرب: تذهل تشتغل، وأنشد قول الشاعر:

ضرب يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله

وقيل: تنسى. وقيل: تلهو. وقيل: تسلو، وهذه معانيها متقاربة. قال المبرّد: إن «ما» فيما أرضعت بمعنى المصدر أي تذهل عن الإرضاع، قال: وهذا يدل على أن هذه الزلزلة في الدنيا، إذ ليس بعد القيامة حمل وإرضاع، إلا أن يقال: من ماتت حاملاً فتضع حملها للهول، ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك، ويقال: هذا مثل كما يقال: { يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدٰنَ شِيباً } [المزمل: 17]. وقيل: يكون مع النفخة الأولى، قال: ويحتمل أن تكون الساعة عبارة عن أهوال يوم القيامة، كما في قوله: { مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ } [البقرة: 214]. ومعنى {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا }: أنها تلقي جنينها لغير تمام من شدّة الهول، كما أن المرضعة تترك ولدها بغير رضاع لذلك {وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ } قرأ الجمهور بفتح التاء والراء خطاب لكل واحد، أي يراهم الرائي كأنهم سكارى {وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ } حقيقة، قرأ حمزة والكسائي: "سكرى" بغير ألف، وقرأ الباقون بإثباتها وهما لغتان يجمع بهما سكران، مثل كسلى وكسالى، ولما نفى سبحانه عنهم السكر أوضح السبب الذي لأجله شابهوا السكارى فقال: {وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ } فبسبب هذه الشدة والهول العظيم طاشت عقولهم، واضطربت أفهامهم فصاروا كالسكارى، بجامع سلب كمال التمييز وصحة الإدراك. وقرىء: "وترى" بضم التاء وفتح الراء مسنداً إلى المخاطب من أرأيتك أي: تظنهم سكارى. قال الفراء: ولهذه القراءة وجه جيد في العربية.

ثم لما أراد سبحانه أن يحتجّ على منكري البعث قدّم قبل ذلك مقدّمة تشمل أهل الجدال كلهم فقال: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } وقد تقدّم إعراب مثل هذا التركيب في قوله: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ } [البقرة: 8]. ومعنى {فِي ٱللَّهِ}: في شأن الله وقدرته، ومحل {بِغَيْرِ عِلْمٍ } النصب على الحال. والمعنى: أنه يخاصم في قدرة الله، فيزعم أنه غير قادر على البعث بغير علم يعلمه، ولا حجة يدلي بها {وَيَتَّبِعْ } فيما يقوله ويتعاطاه ويحتجّ به ويجادل عنه {كُلَّ شَيْطَـٰنٍ مَّرِيدٍ } أي متمرّد على الله وهو العاتي، سمي بذلك لخلّوه عن كل خير، والمراد: إبليس وجنوده، أو رؤساء الكفار الذين يدعون أشياعهم إلى الكفر. وقال الواحدي: قال المفسرون: نزلت في النضر بن الحارث وكان كثير الجدال، وكان ينكر أن الله يقدر على إحياء الأموات. وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة.

{كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ } أي كتب على الشيطان؛ وفاعل كتب: أنه من تولاه، والضمير للشأن، أي من اتخذه ولياً {فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ } أي: فشأن الشيطان أن يضله عن طريق الحقّ، فقوله أنه يضله جواب الشرط إن جعلت من شرطية أو خبر الموصول إن جعلت موصولة، فقد وصف الشيطان بوصفين: الأوّل أنه مريد، والثاني ما أفاده جملة كتب عليه إلخ، وجملة {وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } معطوفة على جملة يضله أي: يحمله على مباشرة ما يصير به في عذاب السعير.

ثم ذكر سبحانه ما هو المقصود من الاحتجاج على الكفار بعد فراغه من تلك المقدّمة، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّنَ ٱلْبَعْثِ } قرأ الحسن: "البعث" بفتح العين وهي لغة، وقرأ الجمهور بالسكون، وشكهم يحتمل أن يكون في وقوعه أو في إمكانه. والمعنى: إن كنتم في شكّ من الإعادة فانظروا في مبدأ خلقكم، أي خلق أبيكم آدم، ليزول عنكم الريب، ويرتفع الشكّ وتدحض الشبهة الباطلة {فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُمْ مّن تُرَابٍ } في ضمن خلق أبيكم آدم "ثُمَّ" خلقناكم {مِن نُّطْفَةٍ } أي من منيّ، سمي نطفة لقلته، والنطفة: القليل من الماء. وقد يقع على الكثير منه، والنطفة: القطرة، يقال: نطف ينطف، أي قطر. وليلة نطوف، أي دائمة القطر {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } والعلقة: الدم الجامد، والعلق: الدم العبيط، أي الطريّ أو المتجمد، وقيل: الشديد الحمرة. والمراد: الدم الجامد المتكوّن من المنيّ {ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ } وهي القطعة من اللحم، قدر ما يمضغ الماضغ تتكوّن من العلقة {مُّخَلَّقَةٍ } بالجرّ صفة لمضغة، أي مستبينة الخلق ظاهرة التصوير {وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } أي: لم يستبن خلقها ولا ظهر تصويرها. قال ابن الأعرابي: مخلقة يريد قد بدأ خلقه، وغير مخلقة: لم تصوّر. قال الأكثر: ما أكمل خلقه بنفخ الروح فيه فهو المخلقة وهو الذي ولد لتمام، وما سقط؛ كان غير مخلقة أي غير حيّ بإكمال خلقته بالروح. قال الفراء: مخلقة: تامّ الخلق، وغير مخلقة: السقط، ومنه قول الشاعر:

أفي غير المخلقة البكاء فأين الحزم ويحك والحياء

واللام في {لّنُبَيّنَ لَكُمْ } متعلق بخلقنا، أي خلقناكم على هذا النمط البديع لنبين لكم كمال قدرتنا بتصريفنا أطوار خلقكم {وَنُقِرُّ فِي ٱلأرْحَامِ مَا نَشَاء } روى أبو حاتم عن أبي زيد عن المفضل عن عاصم أنه قرأ بنصب نقرّ عطفاً على نبين، وقرأ الجمهور: "تقر" بالرفع على الاستئناف، أي ونحن نقرّ. قال الزجاج: نقرّ بالرفع لا غير، لأنه ليس المعنى فعلنا ذلك لنقرّ في الأرحام ما نشاء. ومعنى الآية: ونثبت في الأرحام ما نشاء فلا يكون سقطاً {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } وهو وقت الولادة، وقال ما نشاء، ولم يقل: من نشاء، لأنه يرجع إلى الحمل وهو جماد قبل أن ينفخ فيه الروح، وقرىء "ليبين" "ويقرّ" و "يخرجكم" بالتحتية في الأفعال الثلاثة، وقرأ ابن أبي وثاب: "ما نشاء" بكسر النون {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } أي نخرجكم من بطون أمهاتكم طفلاً، أي أطفالاً، وإنما أفرده إرادة للجنس الشامل للواحد والمتعدد. قال الزجاج: طفلاً في معنى أطفالاً، ودلّ عليه ذكر الجماعة: يعني في: نخرجكم، والعرب كثيراً ما تطلق اسم الواحد على الجماعة، ومنه قول الشاعر:

يلحينني من حبها ويلمنني إن العواذل لسن لي بأمير

وقال المبرد: هو اسم يستعمل مصدراً كالرضا والعدل، فيقع على الواحد والجمع، قال الله سبحانه: { أَوِ ٱلطّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ } [النور: 31]. قال ابن جرير: هو منصوب على التمييز كقوله: { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْء مّنْهُ نَفْساً } [النساء: 4]. وفيه بعد، والظاهر انتصابه على الحال بالتأويل المذكور، والطفل يطلق على الصغير من وقت انفصاله إلى البلوغ {ثُمَّ لِتَـبْلُغُواْ أَشُدَّكُـمْ } قيل: هو علة لنخرجكم معطوف على علة أخرى مناسبة له، كأنه قيل: نخرجكم لتكبروا شيئاً فشيئاً ثم لتبلغوا إلى الأشدّ. وقيل: إن ثم زائدة والتقدير: لتبلغوا وقيل: إنه معطوف على نبين. والأشدّ هو: كمال العقل وكمال القوّة والتمييز. قيل: وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين. وقد تقدم الكلام في هذا مستوفى في الأنعام {وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ } يعني: قبل بلوغ الأشدّ، وقرىء "يتوفّى" مبنياً للفاعل. وقرأ الجمهور: "يتوفى" مبنياً للمفعول {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ } أي أخسه وأدونه، وهو الهرم والخرف حتى لا يعقل، ولهذا قال سبحانه: {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً } أي شيئاً من الأشياء، أو شيئاً من العلم، والمعنى: أنه يصير من بعد أن كان ذا علم بالأشياء وفهم لها، لا علم له ولا فهم، ومثله قوله: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ } [التين: 4، 5]، وقوله: { وَمَن نّعَمّرْهُ نُنَكّـسْهُ فِى ٱلْخَلْقِ } [يۤس: 68]. {وَتَرَى ٱلأرْضَ هَامِدَةً } هذه حجة أخرى على البعث، فإنه سبحانه احتج بإحياء الأرض بإنزال الماء على إحياء الأموات، والهامدة: اليابسة التي لا تنبت شيئاً، قال ابن قتيبة: أي ميتة يابسة كالنار إذا طفئت. وقيل: دارسة، والهمود: الدروس، ومنه قول الأعشى:

قالت قتيلة ما لجسمك شاحباً وأرى ثيابك باليات همودا

وقيل: هي التي ذهب عنها الندى. وقيل: هالكة، ومعاني هذه الأقوال متقاربة {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَاء ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } المراد بالماء هنا: المطر، ومعنى: اهتزّت: تحركت. والاهتزاز: شدّة الحركة، يقال: هززت الشيء فاهتزّ، أي حركته فتحرك، والمعنى: تحركت بالنبات؛ لأن النبات لا يخرج منها حتى يزيل بعضها من بعض إزالة حقيقة، فسماه اهتزازاً مجازاً. وقال المبرد: المعنى: اهتزّ نباتها فحذف المضاف. واهتزازه شدة حركته، والاهتزاز في النبات أظهر منه في الأرض. ومعنى ربت: ارتفعت، وقيل: انتفخت. والمعنى واحد، وأصله: الزيادة، يقال: ربا الشيء يربو ربواً: إذا زاد، ومنه الربا والربوة. وقرأ يزيد بن القعقاع وخالد بن إلياس: "وربأت" أي ارتفعت حتى صارت بمنزلة الرابية، وهو الذي يحفظ القوم على مكان مشرف يقال له: رابىء ورابئة وربيئة {وَأَنبَتَتْ } أي أخرجت {مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } أي من كلّ صنف حسن ولون مستحسن، والبهجة: الحسن.

وجملة: {ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ } مستأنفة، لما ذكر افتقار الموجودات إليه سبحانه وتسخيرها على وفق إرادته واقتداره. قال بعد ذلك هذه المقالات، وهي إثبات أنه سبحانه الحق، وأنه المتفرد بإحياء الموتى، وأنه قادر على كل شيء من الأشياء، والمعنى: أنه المتفرد بهذه الأمور، وأنها من شأنه لا يدّعي غيره أنه يقدر على شيء منها، فدلّ سبحانه بهذا على أنه الحق الحقيقي الغني المطلق؛ وأن وجود كل موجود مستفاد منه، والحق هو الموجود الذي لا يتغير ولا يزول. وقيل: ذو الحقّ على عباده. وقيل: الحقّ في أفعاله. قال الزجاج: {ذلك} في موضع رفع، أي الأمر ما وصفه لكم وبيّن بأن الله هو الحق. قال: ويجوز أن يكون {ذلك} نصباً.

ثم أخبر سبحانه بأن {ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ } أي في مستقبل الزمان، قيل: لا بدّ من إضمار فعل، أي ولتعلموا أن الساعة آتية {لاَ رَيْبَ فِيهَا } أي لا شك فيها ولا تردّد، وجملة: {لاَ رَيْبَ فِيهَا } خبر ثانٍ للساعة، أو في محل نصب على الحال. ثم أخبر سبحانه عن البعث فقال: {وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ } فيجازيهم بأعمالهم، إن خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ، وأن ذلك كائن لا محالة.

وقد أخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه من طرق عن الحسن وغيره عن عمران بن حصين قال: لما نزلت {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْء عَظِيمٌ } إلى قوله: {وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ } أنزلت عليه هذه وهو في سفر، فقال: "أتدرون أيّ يوم ذلك؟" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذلك يوم يقول الله لآدم ابعث بعث النار، قال: يا ربّ وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحداً إلى الجنة" ، فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قاربوا وسدّدوا وأبشروا، فإنها لم تكن نبوّة قط إلا كان بين يديها جاهلية فتؤخذ العدّة من الجاهلية، فإن تمت وإلا كملت من المنافقين، وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير" ، ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة" فكبّروا، ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة" فكبّروا، ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة" فكبّروا، قال: "ولا أدري قال الثلثين أم لا" . وأخرج الترمذي وصححه، وابن جرير وابن المنذر عن عمران بن حصين مرفوعاً نحوه، وقال في آخره: "اعملوا وأبشروا، فوالذي نفس محمد بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، ومن مات من بني آدم ومن بني إبليس" ، فسري عن القوم بعض الذي يجدون، قال: "اعملوا وأبشروا، فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة" . وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن حبان والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أنس مرفوعاً نحوه. وأخرج البزار وابن جرير وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أنس مرفوعاً نحوه أيضاً. وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه، وفي آخره فقال: "من يأجوج ومأجوج ألف ومنكم واحد، وهل أنتم في الأمم إلا كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود" . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {كُتِبَ عَلَيْهِ } قال: كتب على الشيطان. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد مثله: {أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ } قال: اتبعه. وأخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن ابن مسعود قال: حدّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إلٰه غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" . والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً. وأخرج ابن أبي حاتم وصححه عن ابن عباس في قوله: {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } قال: المخلقة ما كان حياً، وغير المخلقة ما كان سقطاً. وروي نحو هذا عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } قال: حسن. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن معاذ بن جبل قال: من علم أن الله عزّ وجلّ حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور؛ دخل الجنة.