خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
١٥٤
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
١٥٥
-آل عمران

فتح القدير

الأمنة، والأمن سواء، وقيل: الأمنة إنما تكون مع أسباب الخوف، والأمن مع عدمه، وهي منصوبة بأنزل. و{نعاساً} بدل منها، أو عطف بيان، أو مفعول له، وأما ما قيل: من أن {أمنة} حال من {نعاساً} مقدّمة عليه، أو حال من المخاطبين، أو مفعول له، فبعيد. وقرأ ابن محيصن: «أمنه» بسكون الميم. قوله: {يَغْشَىٰ } قريء بالتحتية على أن الضمير للنعاس، وبالفوقية على أن الضمير لأمنة، والطائفة: تطلق على الواحد، والجماعة، والطائفة الأولى: هم المؤمنون الذين خرجوا للقتال طلباً للأجر، والطائفة الأخرى هم: مُعَتِّب بن قشير، وأصحابه، وكانوا خرجوا طمعاً في الغنيمة، وجعلوا يناشدون على الحضور، ويقولون الأقاويل. ومعنى: {أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } حملتهم على الهمّ، أهمني الأمر: أقلقني، والواو في قوله: {وَطَائِفَةٌ } للحال، وجاز الابتداء بالنكرة لاعتمادها على واو الحال، وقيل: إن معنى {أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } صارت همهم لا همّ لهم غيرها. {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقّ } هذه الجملة في محل نصب على الحال، أي: يظنون بالله غير الحق الذي يجب أن يظن به، وظنّ الجاهلية بدل منه. وهو: الظنّ المختص بملة الجاهلية، أو ظن أهل الجاهلية، وهو ظنهم أن أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم باطل، وأنه لا ينصر، ولا يتمّ ما دعا إليه من دين الحق.

وقوله: {يَقُولُونَ } بدل من «يظنون»، أي: يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {هَل لَّنَا مِنَ ٱلأمْرِ مِن شَىْء } أي: هل لنا من أمر الله نصيب، وهذا الاستفهام معناه الجحد، أي: ما لنا شيء من الأمر. وهو النصر والاستظهار على العدوّ، وقيل: هو الخروج، أي: إنما خرجنا مكرهين، فردّ الله سبحانه ذلك عليهم بقوله: {قُلْ إِنَّ ٱلأمْرَ كُلَّهُ للَّهِ } وليس لكم، ولا لعدوّكم منه شيء، فالنصر بيده، والظفر منه. وقوله: {يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم } أي: يضمرون في أنفسهم النفاق، ولا يبدون لك ذلك، بل يسألونك سؤال المسترشدين. وقوله: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا } استئناف، كأنه قيل: ما هو الأمر الذي يخفون في أنفسهم؟ فقيل: يقولون فيما بينهم، أو في أنفسهم {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا } أي: ما قتل من قتل منا في هذه المعركة، فردّ الله سبحانه ذلك عليهم بقوله: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ } أي: لو كنتم قاعدين في بيوتكم لم يكن بدّ من خروج من كتب عليه القتل إلى هذه المصارع التي صرعوا فيها، فإن قضاء الله لا يردّ.

وقوله: {وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ } علة لفعل مقدر قبلها معطوفة على علل له أخرى مطوية للإيذان بكثرتها، كأنه قيل: فعل ما فعل لمصالح جمة {وَلِيَبْتَلِىَ } الخ، وقيل: إنه معطوف على علة مطوية لبرز، والمعنى: ليمتحن ما في صدوركم من الإخلاص، وليمحص ما في قلوبكم من وساوس الشيطان. قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ } أي: انهزموا يوم أحد، وقيل: المعنى: إن الذين تولوا المشركين يوم أحد: {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } استدعى زللهم بسبب بعض ما كسبوا من الذنوب التي منها مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ } لتوبتهم، واعتذارهم.

وقد أخرج ابن جرير، عن ابن عباس في الآية قال: أمنهم الله يومئذ بنعاس غشاهم، وإنما ينعس من يأمن. وقد ثبت في صحيح البخاري، وغيره أن أبا طلحة قال: غشينا، ونحن في مصافنا يوم أحد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه، فذلك قوله: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ ٱلْغَمّ أَمَنَةً نُّعَاساً...} الآية. وأخرج الترمذي وصححه، وابن جرير، وأبو الشيخ، والبيهقي في الدلائل، عن الزبير بن العوّام؛ قال: رفعت رأسي يوم أحد، فجعلت انظر، وما منهم من أحد إلا وهو يميل تحت جحفته من النعاس، وتلا هذه الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن جريج قال: إن المنافقين قالوا لعبد الله بن أبيّ، وكان سيد المنافقين: قتل اليوم بنو الخزرج، فقال: وهل لنا من الأمر شيء؟ أما، والله لئن رجعنا إلى المدينة، ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ. وأخرج ابن جرير، عن قتادة والربيع في قوله: {ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ } قال: ظنّ أهل الشرك. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: معتب هو الذي قال يوم أحد: لو كان لنا من الأمر شيء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن أن الذي قال ذلك عبد الله بن أبيّ.

وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عبد الرحمن بن عوف في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ } قال: هم ثلاثة: واحد من المهاجرين، واثنان من الأنصار. وأخرج ابن منده، وابن عساكر، عن ابن عباس في الآية قال: نزلت في عثمان ورافع بن المعلى، وخارجة بن زيد. وقد روى في تعيين: «من» في الآية روايات كثيرة.