خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ
١٢
وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ
١٣
فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
١٤
إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ
١٥
تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
١٦
فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٧
أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ
١٨
أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٩
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
٢٠
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
٢١
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ
٢٢
-السجدة

فتح القدير

قوله: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءوسِهِمْ عِندَ رَبّهِمْ } المراد بالمجرمين هم: القائلون: {أئذا ضللنا}، والخطاب هنا لكل من يصلح له، أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يراد بالمجرمين كل مجرم، ويدخل فيه أولئك القائلون دخولاً أولياً، ومعنى {نَاكِسُواْ رُءوسِهِمْ }: مطأطئوها حياء وندماً على ما فرط منهم في الدنيا من الشرك بالله والعصيان له، ومعنى عند ربهم: عند محاسبته لهم. قال الزجاج: والمخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم مخاطبة لأمته، فالمعنى: ولو ترى يا محمد منكري البعث يوم القيامة لرأيت العجب {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا } أي يقولون: ربنا أبصرنا الآن ما كنا نكذب به وسمعنا ما كنا ننكره. وقيل: أبصرنا صدق وعيدك، وسمعنا تصديق رسلك، فهؤلاء أبصروا حين لم ينفعهم البصر، وسمعوا حين لم ينفعهم السمع {فَٱرْجِعْنَا } إلى الدنيا {نَعْمَلْ } عملاً {صَـٰلِحاً } كما أمرتنا {إِنَّا مُوقِنُونَ } أي مصدقون. وقيل: مصدقون بالذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وصفوا أنفسهم بالإيقان الآن طمعاً فيما طلبوه من إرجاعهم إلى الدنيا، وأنى لهم ذلك فقد حقت عليهم كلمة الله فإنهم { لَوْ رُدُّواْ لَعَـٰدُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } [الأنعام: 28]. وقيل: معنى {إِنَّا مُوقِنُونَ } أنها قد زالت عنهم الشكوك التي كانت تخالطهم في الدنيا لما رأوا ما رأوا وسمعوا ما سمعوا، ويجوز أن يكون معنى {أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا }: صرنا ممن يسمع ويبصر فلا يحتاج إلى تقدير مفعول، ويجوز أن يكون صالحاً مفعولاً لـ {نعمل} كما يجوز أن يكون نعتاً لمصدر محذوف، وجواب لو محذوف، أي لرأيت أمراً فظيعاً وهولاً هائلاً.

{وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا } هذا ردّ عليهم لما طلبوا الرجعة، أي لو شئنا لآتينا كلّ نفس هداها فهدينا الناس جميعاً فلم يكفر منهم أحد. قال النحاس: في معنى هذا قولان: أحدهما: أنه في الدنيا، والآخر: أنه في الآخرة، أي ولو شئنا لرددناهم إلى الدنيا {وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنْي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } وجملة: {ولو شئنا} مقدّرة بقول معطوف على المقدّر قبل قوله: {أبصرنا} أي ونقول لو شئنا، ومعنى {وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنْي } أي نفذ قضائي وقدري وسبقت كلمتي {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } هذا هو القول الذي وجب من الله وحقّ على عباده ونفذ فيه قضاؤه، فكان مقتضى هذا القول أنه لا يعطي كلّ نفس هداها، وإنما قضى عليهم بهذا؛ لأنه سبحانه قد علم أنهم من أهل الشقاوة، وأنهم ممن يختار الضلالة على الهدى.

والفاء في قوله: {فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } لترتيب الأمر بالذوق على ما قبله، والباء في {بما نسيتم} للسببية، وفيه إشعار بأن تعذيبهم ليس لمجرد سبق القول المتقدّم، بل بذاك وهذا واختلف في النسيان المذكور هنا، فقيل: هو النسيان الحقيقي، وهو الذي يزول عنده الذكر. وقيل: هو الترك. والمعنى على الأوّل: أنهم لم يعملوا لذلك اليوم، فكانوا كالناسين له الذين لا يذكرونه. وعلى الثاني: لا بدّ من تقدير مضاف قبل لقاء، أي ذوقوا بسبب ترككم لما أمرتكم به عذاب لقاء يومكم هذا، ورجح الثاني المبرد وأنشد:

كأنه خارج من جنب صفحته سفود شرب نسوه عند مفتأد

أي تركوه، وكذا قال الضحاك ويحيـى بن سلام: إن النسيان هنا بمعنى: الترك. قال يحيـى بن سلام: والمعنى: بما تركتم الإيمان بالبعث في هذا اليوم تركناكم من الخير، وكذا قال السدّي، وقال مجاهد: تركناكم في العذاب. وقال مقاتل: إذا دخلوا النار. قالت لهم الخزنة: ذوقوا العذاب بما نسيتم، واستعار الذوق للإحساس، ومنه قول طفيل:

فذوقوا كما ذقنا غداة محجة من الغيظ في أكبادنا والتحوّب

وقوله: {وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تكرير لقصد التأكيد، أي ذوقوا العذاب الدائم الذي لا ينقطع أبداً بما كنتم تعملونه في الدنيا من الكفر والمعاصي. قال الرازي في تفسيره: إن اسم الإشارة في قوله: {بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } يحتمل ثلاثة أوجه: أن يكون إشارة إلى اللقاء، وأن يكون إشارة إلى اليوم، وأن يكون إشارة إلى العذاب.

وجملة: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـئَايَـٰتِنَا } مستأنفة لبيان ما يستحق الهداية إلى الإيمان، ومن لا يستحقها. والمعنى: إنما يصدق بآياتنا وينتفع بها {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً } لا غيرهم ممن يذكر بها، أي يوعظ بها ولا يتذكر ولا يؤمن بها، ومعنى {خرّوا سجداً}: سقطوا على وجوههم ساجدين تعظيماً لآيات الله وخوفاً من سطوته وعذابه {وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } أي نزّهوه عن كل ما لا يليق به ملتبسين بحمده على نعمه، التي أجلها وأكملها الهداية إلى الإيمان، والمعنى: قالوا في سجودهم: سبحان الله وبحمده، أو سبحان ربي الأعلى وبحمده. وقال سفيان: المعنى: صلوا حمداً لربهم، وجملة: {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } في محل نصب على الحال، أي حال كونهم خاضعين لله، متذللين له غير مستكبرين عليه.

{تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ } أي ترتفع وتنبو، يقال: جفى الشيء عن الشيء، وتجافى عنه: إذا لم يلزمه ونبا عنه، والمضاجع جمع: المضجع، وهو الموضع الذي يضطجع فيه. قال الزجاج والرماني: التجافي والتجفي إلى جهة فوق، وكذلك هو في الصفح عن المخطىء في سبّ ونحوه.

والجنوب جمع جنب، والجملة في محل نصب على الحال، أي متجافية جنوبهم عن مضاجعهم، وهم المتهجدون في الليل الذين يقومون للصلاة عن الفراش، وبه قال الحسن ومجاهد وعطاء والجمهور. والمراد بالصلاة: صلاة التنفل بالليل من غير تقييد. وقال قتادة وعكرمة: هو التنفل ما بين المغرب والعشاء. وقيل: صلاة العشاء فقط، وهو رواية عن الحسن وعطاء. وقال الضحاك: صلاة العشاء والصبح في جماعة. وقيل: هم الذين يقومون لذكر الله سواء كان في صلاة أو غيرها {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً }: هذه الجملة في محل نصب على الحال أيضاً من الضمير الذي في جنوبهم، فهي حال بعد حال، ويجوز أن تكون الجملة الأولى مستأنفة لبيان نوع من أنواع طاعاتهم، والمعنى: تتجافى جنوبهم حال كونهم داعين ربهم خوفاً من عذابه وطمعاً في رحمته {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ } أي من الذي رزقناهم أو من رزقهم، وذلك الصدقة الواجبة. وقيل: صدقة النفل، والأولى الحمل على العموم. وانتصاب {خوفاً} و{طمعاً} على العلة، ويجوز أن يكونا مصدرين منتصبين بمقدّر.

{فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ } النكرة في سياق النفي تفيد العموم، أي لا تعلم نفس من النفوس، أيّ نفس كانت، ما أخفاه الله سبحانه لأولئك الذين تقدّم ذكرهم، مما تقرّ به أعينهم، قرأ الجمهور {من قرّة} بالإفراد، وقرأ ابن مسعود وأبو هريرة وأبو الدرداء: "من قرّات" بالجمع، وقرأ حمزة "ما أخفي" بسكون الياء على أنه فعل مضارع مسند إلى الله سبحانه، وقرأ الباقون بفتحها فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول. وقرأ ابن مسعود: "ما نخفي" بالنون مضمومة، وقرأ الأعمش: "يخفي" بالتحتية مضمومة. قال الزجاج في معنى قراءة حمزة: أي منه ما أخفى الله لهم، وهي قراءة محمد بن كعب، و «ما» في موضع نصب. ثم بيّن سبحانه أن ذلك بسبب أعمالهم الصالحة، فقال: {جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي لأجل الجزاء بما كانوا يعملونه في الدنيا أو جوزوا جزاء بذلك.

{أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً } الاستفهام للإنكار، أي ليس المؤمن كالفاسق، فقد ظهر ما بينهما من التفاوت، ولهذا قال: {لاَّ يَسْتَوُونَ } ففيه زيادة تصريف لما أفاده الإنكار الذي أفاده الاستفهام. قال الزجاج: جعل الاثنين جماعة حيث قال: {لاَّ يَسْتَوُونَ } لأجل معنى من، وقيل: لكون الاثنين أقلّ الجمع، وسيأتي بيان سبب نزولها آخر البحث. ثم بيّن سبحانه عاقبة حال الطائفتين وبدأ بالمؤمنين فقال: {أَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَلَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْمَأْوَىٰ } قرأ الجمهور: {جنات} بالجمع. وقرأ طلحة بن مصرف: "جنة المأوى" بالإفراد، والمأوى هو الذي يأوون إليه، وأضاف الجنات إليه، لكونه المأوى الحقيقي. وقيل: المأوى: جنة من الجنات، وقد تقدّم الكلام على هذا، ومعنى {نُزُلاً }: أنها معدّة لهم عند نزولهم، وهو في الأصل: ما يعدّ للنازل من الطعام والشراب كما بيّناه في آل عمران، وانتصابه على الحال. وقرأ أبو حيوة: «نزلاً» بسكون الزاي. والباء في {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } للسببية، أي بسبب ما كانوا يعملونه، أو بسبب عملهم.

ثم ذكر الفريق الآخر، فقال: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ } أي خرجوا عن طاعة الله وتمرّدوا عليه وعلى رسله {فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ } أي منزلهم الذي يصيرون إليه ويستقرون فيه هو النار {كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا } أي إذا أرادوا الخروج منها ردّوا إليها راغمين مكرهين. وقيل: إذ دفعهم اللهب إلى أعلاها ردّوا إلى مواضعهم {وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } والقائل لهم هذه المقالة هو خزنة جهنم من الملائكة، أو القائل لهم هو الله عزّ وجلّ، وفي هذا القول لهم حال كونهم قد صاروا في النار من الإغاظة ما لا يخفى. {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ } وهو عذاب الدنيا. قال الحسن وأبو العالية والضحاك والنخعي: هو مصائب الدنيا وأسقامها. وقيل: الحدود. وقيل: القتل بالسيف يوم بدر. وقيل: سنين الجوع بمكة. وقيل: عذاب القبر، ولا مانع من الحمل على الجميع {دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ } وهو عذاب الآخرة {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } مما هم فيه من الشرك والمعاصي بسبب ما ينزل بهم من العذاب إلى الإيمان والطاعة ويتوبون عما كانوا فيه. وفي هذا التعليل دليل على ضعف قول من قال: إن العذاب الأدنى هو عذاب القبر.

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بِـئَايَـٰتِ رَبّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا } أي لا أحد أظلم منه لكونه سمع من آيات الله ما يوجب الإقبال على الإيمان والطاعة، فجعل الإعراض مكان ذلك، والمجيء بثمّ للدلالة على استبعاد ذلك. وأنه مما ينبغي أن لا يكون {إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ } أي من أهل الإجرام على العموم فيدخل فيه من أعرض عن آيات الله دخولاً أوّلياً.

وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عباس في قوله: {إِنَّا نَسِينَـٰكُمْ } قال: تركناكم. وأخرج البيهقي في الشعب عنه قال: نزلت هذه الآية في شأن الصلوات الخمس: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـئَايَـٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً } أي أتوها {وَسَبَّحُواْ } أي صلوا بأمر ربهم {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } عن إتيان الصلاة في الجماعات. وأخرج الترمذي وصححه، وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة عن أنس بن مالك: أن هذه الآية {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ } نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة. وأخرج البخاري في تاريخه، وابن مردويه عنه قال: نزلت في صلاة العشاء. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضاً في الآية قال: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العشاء. وأخرج ابن أبي شيبة عنه قال: كنا نجتنب الفرش قبل صلاة العشاء. وأخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن مردويه عنه أيضاً قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم راقداً قط قبل العشاء، ولا متحدّثاً بعدها، فإن هذه الآية نزلت في ذلك: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ }. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} قال: "هم الذين لا ينامون قبل العشاء فأثنى عليهم" . فلما ذكر ذلك جعل الرجل يعتزل فراشه مخافة أن تغلبه عينه فوقتها قبل أن ينام الصغير ويكسل الكبير.

وأخرج ابن مردويه عن بلال قال: كنا نجلس في المسجد وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون بعد المغرب العشاء تتجافى جنوبهم عن المضاجع. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن عديّ وابن مردويه عن أنس نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود ومحمد بن نصر وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس في قوله: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ } قال: كانوا ينتظرون ما بين المغرب والعشاء يصلون. وأخرج أحمد وابن جرير وابن مردويه عن معاذ بن جبل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ } قال: قيام العبد من الليل. وأخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه وابن نصر في كتاب الصلاة وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن معاذ بن جبل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وذكر حديثاً وأرشد فيه إلى أنواع من الطاعات، وقال فيه: "وصلاة الرجل في جوف الليل" ، ثم قرأ: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ } وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً في حديث قال فيه: "وصلاة المرء في جوف الليل" ، ثم تلا هذه الآية. وأخرج ابن مردويه عن أنس في الآية قال: كان لا تمرّ عليهم ليلة إلا أخذوا منها. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد من طريق أبي عبد الله الجدلي عن عبادة بن الصامت عن كعب قال: «إذا حشر الناس نادى مناد: هذا يوم الفصل أين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع» الحديث. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية يقول: تتجافى لذكر الله كلما استيقظوا ذكروا الله، إما في الصلاة، وإما في القيام أو القعود. أو على جنوبهم لا يزالون يذكرون الله.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال: كان عرش الله على الماء، فاتخذ جنة لنفسه. ثم اتخذ دونها أخرى، ثم أطبقهما بلؤلؤة واحدة، ثم قال: { وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ } [الرحمن: 62] لم يعلم الخلق ما فيهما. وهي التي قال الله: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ } تأتيهم منها كل يوم تحفة. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: إنه لمكتوب في التوراة: لقد أعدّ الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، ولا يعلم ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل، وإنه لفي القرآن: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ }. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" . قال أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ }. وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة، وهي معروفة فلا نطول بذكرها.

وأخرج أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني، والواحدي وابن عدي وابن مردويه والخطيب وابن عساكر من طرق عن ابن عباس قال: قال الوليد بن عقبة لعليّ بن أبي طالب: أنا أحدّ منك سناناً، وأنشط منك لساناً، وأملأ للكتيبة منك، فقال له عليّ: اسكت فإنما أنت فاسق، فنزلت: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ } يعني بالمؤمن: علياً، وبالفاسق: الوليد بن عقبة بن أبي معيط. وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عنه في الآية نحوه. وروي نحو هذا عن عطاء بن يسار والسديّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى.

وأخرج الفريابي وابن منيع وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود في قوله: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ } قال: يوم بدر {دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ } قال: يوم القيامة {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } قال: لعلّ من بقي منهم أن يتوب فيرجع. وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود في الآية قال: العذاب الأدنى: سنون أصابتهم {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } قال: يتوبون. وأخرج مسلم وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند وأبو عوانة في صحيحه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبيّ بن كعب في قوله: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ } قال: مصائب الدنيا والروم، والبطشة والدخان. وأخرج ابن جرير عنه قال: يوم بدر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس: {مّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ } قال: الحدود {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } قال: يتوبون. وأخرج ابن منيع وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، قال السيوطي بسند ضعيف، عن معاذ بن جبل: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ثلاث من فعلهنّ فقد أجرم: من عقد لواء في غير حق، أو عقّ والديه، أو مشى مع ظالم لينصره فقد أجرم، يقول الله: {إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ }" . قال ابن كثير بعد إخراجه: هذا حديث غريب.