خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ
١
بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ
٢
كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ
٣
وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ
٤
أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ
٥
وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ
٦
مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ
٧
أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ
٨
أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ
٩
أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ
١٠
جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ
١١

فتح القدير

قوله: {ص } قرأ الجمهور بسكون الدال كسائر حروف التهجي في أوائل السور، فإنها ساكنة الأواخر على الوقف. وقرأ أبيّ بن كعب، والحسن، وابن أبي إسحاق، ونصر بن عاصم، وابن أبي عبلة، وأبو السماك بكسر الدال من غير تنوين، ووجه الكسر أنه لالتقاء الساكنين، وقيل: وجه الكسر أنه من صادى يصادي إذا عارض، والمعنى: صاد القرآن بعملك، أي: عارضه بعملك، وقابله، فاعمل به، وهذا حكاه النحاس عن الحسن البصري، وقال: إنه فسر قراءته هذه بهذا، وعنه أن المعنى: أتله، وتعرّض لقراءته. وقرأ عيسى بن عمر: "صاد" بفتح الدال، والفتح لالتقاء الساكنين، وقيل: نصب على الإغراء. وقيل: معناه: صاد محمد قلوب الخلق، واستمالها حتى آمنوا به، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو، وروي عن ابن أبي إسحاق أيضاً: أنه قرأ: "صاد" بالكسر والتنوين تشبيهاً لهذا الحرف بما هو غير متمكن من الأصوات. وقرأ هارون الأعور، وابن السميفع: "صاد" بالضم من غير تنوين على البناء نحو: منذ، وحيث.

وقد اختلف في معنى «صاد»، فقال الضحاك: معناه: صدق الله. وقال عطاء: صدق محمد. وقال سعيد بن جبير: هو: بحر يحيـي الله به الموتى بين النفختين. وقال محمد بن كعب: هو: مفتاح اسم الله. وقال قتادة: هو: اسم من أسماء الله. وروي عنه أنه قال: هو اسم من أسماء الرحمٰن. وقال مجاهد: هو: فاتحة السورة. وقيل: هو: مما استأثر الله بعلمه، وهذا هو الحقّ كما قدّمنا في فاتحة سورة البقرة. قيل: وهو إما اسم للحروف مسروداً على نمط التعبد، أو اسم للسورة، أو خبر مبتدأ محذوف، أو منصوب بإضمار اذكر، أو اقرأ، والواو في قوله: {وَٱلْقُرْءانِ ذِى ٱلذِّكْرِ} هي: واو القسم، والإقسام بالقرآن فيه تنبيه على شرف قدره، وعلوّ محله، ومعنى {ذِى ٱلذّكْرِ }: أنه مشتمل على الذكر الذي فيه بيان كل شيء. قال مقاتل: معنى {ذِى ٱلذّكْرِ }: ذي البيان. وقال الضحاك: ذي الشرف كما في قوله: { لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَـٰباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ } [الأنبياء: 10] أي: شرفكم، وقيل: أي: ذي الموعظة.

واختلف في جواب هذا القسم ما هو؟ فقال الزجاج، والكسائي، والكوفيون غير الفراء: إنه قوله: { إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ } [صۤ: 64]، وقال الفراء: لا نجده مستقيماً لتأخره جدًّا عن قوله: {وَٱلْقُرْءانِ }، ورجح هو، وثعلب: أن الجواب قوله: {كَمْ أَهْلَكْنَا }، وقال الأخفش: الجواب هو: {إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ}، وقيل: هو صاد، لأن معناه: حقّ، فهو: جواب لقوله: {وَٱلْقُرْءانِ } كما تقول: حقاً والله، وجب والله. ذكره ابن الأنباري، وروي أيضاً عن ثعلب، والفراء، وهو مبنيّ على أن جواب القسم يجوز تقدّمه، وهو ضعيف. وقيل: الجواب محذوف، والتقدير: والقرآن ذي الذكر لتبعثنّ، ونحو ذلك. وقال ابن عطية: تقديره ما الأمر كما يزعم الكفار، والقول بالحذف أولى. وقيل: إن قوله: {ص } مقسم به، وعلى هذا القول تكون الواو في {وَٱلْقُرْءانِ } للعطف عليه، ولما كان الإقسام بالقرآن دالاً على صدقه، وأنه حقّ، وأنه ليس بمحل للريب قال سبحانه: {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ }، فأضرب عن ذلك، وكأنه قال: لا ريب فيه قطعاً، ولم يكن عدم قبول المشركين له لريب فيه. بل هم في عزّة عن قبول الحقّ، أي: تكبر، وتجبر. وشقاق، أي: وامتناع عن قبول الحقّ، والعزّة عند العرب: الغلبة، والقهر، يقال: من عزَّ بزَّ، أي: من غلب سلب، ومنه { وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ } [صۤ: 23] أي: غلبني، ومنه قول الشاعر:

يعزّ على الطريق بمنكبيه كما ابترك الخليع على القداح

والشقاق: مأخوذ من الشقّ، وقد تقدّم بيانه. ثم خوّفهم سبحانه، وهدّدهم بما فعله بمن قبلهم من الكفار، فقال: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ } يعني: الأمم الخالية المهلكة بتكذيب الرسل، أي: كم أهلكنا من الأمم الخالية الذين كانوا أمنع من هؤلاء، وأشدّ قوة، وأكثر أموالاً، وكم هي: الخبرية الدالة على التكثير، وهي في محل نصب بأهلكنا على أنها مفعول به، و[من قرن] تمييز، و«من» في {مِن قَبْلِهِمُ } هي لابتداء الغاية. {فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ } النداء هنا: هو نداء الاستغاثة منهم عند نزول العذاب بهم، وليس الحين حين مناص. قال الحسن: نادوا بالتوبة، وليس حين التوبة، ولا حين ينفع العمل. والمناص مصدر ناص ينوص، وهو الفوت، والتأخر. ولات بمعنى: ليس، بلغة أهل اليمن. وقال النحويون: هي: لا التي بمعنى ليس زيدت عليها التاء كما في قولهم: ربّ، وربت، وثمّ وثمت قال الفراء: النوص: التأخر، وأنشد قول امرىء القيس:

أمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص

قال: يقال: ناص عن قرنه ينوص نوصاً أي: فرّ، وزاغ. قال الفراء: ويقال: ناص ينوص: إذا تقدّم. وقيل: المعنى: أنه قال بعضهم لبعض: مناص، أي: عليكم بالفرار، والهزيمة، فلما أتاهم العذاب قالوا: مناص، فقال الله: {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ } قال سيبويه: لات مشبهة بليس، والاسم فيها مضمر، أي: ليس حيننا حين مناص. قال الزجاج: التقدير: وليس أواننا. قال ابن كيسان: والقول كما قال سيبويه، والوقف عليها عند الكسائي بالهاء، وبه قال المبرد، والأخفش. قال الكسائي، والفرّاء، والخليل، وسيبويه، والأخفش: والتاء تكتب منقطعة عن حين، وكذلك هي في المصاحف. وقال أبو عبيد: تكتب متصلة بحين، فيقال: (ولا تحين)، ومنه قول أبيّ، وجرة السعدي:

العاطفون تحين ما من عاطف والمطعمون زمان ما من مطعم

وقد يستغنى بحين عن المضاف إليه كما قال الشاعر:

تذكر حبّ ليلى لات حينا وأمسى الشيب قد قطع القرينا

قال أبو عبيد: لم نجد العرب تزيد هذه التاء إلا في حين، وأوان، والآن. قلت: بل قد يزيدونها في غير ذلك كما في قول الشاعر:

فلتعرفن خلائقا مشمولة ولتندمنّ ولات ساعة مندم

وقد أنشد الفراء هذا البيت مستدلاً به على أن من العرب من يخفض بها، وجملة: {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ } في محل نصب على الحال من ضمير نادوا. قرأ الجمهور: {لات} بفتح التاء، وقرىء: "لات" بالكسر كجير {وَعَجِبُواْ أَن جَاءهُم مٌّنذِرٌ مّنْهُمْ } أي: عجب الكفار الذين وصفهم الله سبحانه بأنهم في عزّة وشقاق أن جاءهم منذر منهم، أي: رسول من أنفسهم ينذرهم بالعذاب إن استمرّوا على الكفر، وأن وما في حيزها في محل نصب بنزع الخافض، أي: من أن جاءهم، وهو كلام مستأنف مشتمل على ذكر نوع من أنواع كفرهم {وَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا سَـٰحِرٌ كَذَّابٌ } قالوا هذا القول لما شاهدوا ما جاء به من المعجزات الخارجة عن قدرة البشر، أي: هذا المدّعي للرسالة ساحر فيما يظهره من المعجزات كذاب فيما يدّعيه من أن الله أرسله. قيل: ووضع الظاهر موضع المضمر لإظهار الغضب عليهم وأن ما قالوه لا يتجاسر على مثله إلا المتوغلون في الكفر. ثم أنكروا ما جاء به صلى الله عليه وسلم من التوحيد، وما نفاه من الشركاء لله، فقالوا: {أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً } أي: صيرها إلٰهاً واحداً، وقصرها على الله سبحانه {إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء عُجَابٌ } أي: لأمر بالغ في العجب إلى الغاية. قال الجوهري: العجيب: الأمر الذي يتعجب منه. وكذلك العجاب بالضم، والعجاب بالتشديد أكثر منه، قرأ الجمهور: {عجاب} مخففاً. وقرأ عليّ، والسلمي وعيسى بن عمر، وابن مقسم بتشديد الجيم. قال مقاتل: عجاب يعني بالتخفيف لغة أزد شنوءة، قيل: والعجاب بالتخفيف والتشديد يدلان على أنه قد تجاوز الحدّ في العجب، كما يقال: الطويل الذي فيه طول. والطوال: الذي قد تجاوز حدّ الطول، وكلام الجوهري يفيد اختصاص المبالغة بعجاب مشدّد الجيم لا بالمخفف، وقد قدّمنا في صدر هذه السورة سبب نزول هذه الآيات. {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأَ مِنْهُمْ } المراد بالملأ: الأشراف كما هو مقرر في غير موضع من تفسير الكتاب العزيز، أي: انطلقوا من مجلسهم الذي كانوا فيه عند أبي طالب كما تقدم قائلين: {أَنِ ٱمْشُواْ } أي: قائلين لبعضهم بعضاً امضوا على ما كنتم عليه، ولا تدخلوا في دينه. {وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ ءالِهَتِكُمْ } أي: اثبتوا على عبادتها، وقيل: المعنى: وانطلق الأشراف منهم، فقالوا للعوامّ: امشوا، واصبروا على آلهتكم، و «أن» في قوله: {أَنِ ٱمْشُواْ } هي: المفسرة للقول المقدّر، أو لقوله: {وانطلق}، لأنه مضمن معنى القول، ويجوز أن تكون مصدرية معمولة للمقدر، أو للمذكور، أي: بأن امشوا. وقيل: المراد بالانطلاق: الاندفاع في القول، وامشوا من مشت المرأة. إذا كثرت ولادتها، أي: اجتمعوا، وأكثروا، وهو بعيد جدًّا، وخلاف ما يدل عليه الانطلاق، والمشي بحقيقتهما، وخلاف ما تقدم في سبب النزول، وجملة {إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء يُرَادُ } تعليل لما تقدمه من الأمر بالصبر، أي: يريده محمد بنا، وبآلهتنا، ويودّ تمامه، ليعلو علينا، ونكون له أتباعاً، فيتحكم فينا بما يريد، فيكون هذا الكلام خارجاً مخرج التحذير منه، والتنفير عنه. وقيل: المعنى: إن هذا الأمر يريده الله سبحانه، وما أراده فهو كائن لا محالة، فاصبروا على عبادة آلهتكم. وقيل: المعنى: إن دينكم لشيء يراد، أي: يطلب، ليؤخذ منكم، وتغلبوا عليه، والأوّل أولى. {مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ } أي: ما سمعنا بهذا الذي يقوله محمد من التوحيد في الملة الآخرة. وهي: ملة النصرانية، فإنها آخر الملل قبل ملة الإسلام، كذا قال محمد بن كعب القرظي، وقتادة، ومقاتل، والكلبي، والسدي. وقال مجاهد: يعنون: ملة قريش، وروي مثله عن قتادة أيضاً. وقال الحسن: المعنى: ما سمعنا أن هذا يكون آخر الزمان. وقيل: المعنى: ما سمعنا من اليهود، والنصارى أن محمداً رسول {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ } أي: ما هذا إلا كذب اختلقه محمد، وافتراه. ثم استنكروا أن يخصّ الله رسوله بمزية النبوّة دونهم، فقالوا: {أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ مِن بَيْنِنَا} والاستفهام للإنكار أي: كيف يكون ذلك، ونحن الرؤساء، والأشراف. قال الزجاج: قالوا: كيف أنزل على محمد القرآن من بيننا، ونحن أكبر سناً، وأعظم شرفاً منه، وهذا مثل قولهم: { لَوْلا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } [الزخرف: 31] فأنكروا أن يتفضل الله سبحانه على من يشاء من عباده بما شاء. ولما ذكر استنكارهم لنزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم دونهم بين السبب الذي لأجله تركوا تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، فقال: {بْل هُمْ فَى شَكّ مّن ذِكْرِى } أي: من القرآن، أو الوحي لإعراضهم عن النظر الموجب لتصديقه، وإهمالهم للأدلة الدالة على أنه حقّ منزل من عند الله {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ } أي: بل السبب أنهم لم يذوقوا عذابي، فاغترّوا بطول المهلة، ولو ذاقوا عذابي على ما هم عليه من الشرك والشكّ لصدّقوا ما جئت به من القرآن، ولم يشكوا فيه. {أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ } أي: مفاتيح نعم ربك، وهي النبوّة، وما هو دونها من النعم حتى يعطوها من شاءوا، فما لهم، ولإنكار ما تفضل الله به على هذا النبيّ، واختاره له، واصطفاه لرسالته. والمعنى: بل أعندهم، لأن أم هي المنقطعة المقدّرة ببل والهمزة. والعزيز: الغالب القاهر. والوهاب: المعطي بغير حساب. {أَمْ لَهُم مٌّلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } أي: بل ألهم ملك هذه الأشياء حتى يعطوا من شاءوا، ويمنعوا من شاءوا، ويعترضوا على إعطاء الله سبحانه ما شاء لمن شاء؟ وقوله: {فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَاب} جواب شرط محذوف، أي: إن كان لهم ذلك، فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء، أو إلى العرش حتى يحكموا بما يريدون من عطاء، ومنع، ويدبروا أمر العالم بما يشتهون، أو فليصعدوا، وليمنعوا الملائكة من نزولهم بالوحي على محمد صلى الله عليه وسلم. والأسباب: أبواب السماوات التي تنزل الملائكة منها، قاله مجاهد، وقتادة، ومنه قول زهير:

ولو رام أسباب السماء بسلم

قال الربيع بن أنس: الأسباب: أدقّ من الشعر، وأشدّ من الحديد، ولكن لا ترى. وقال السدّي: {فِى ٱلاسْبَاب}: في الفضل، والدين. وقيل: فليعملوا في أسباب القوّة إن ظنوا أنها مانعة، وهو قول أبي عبيدة. وقيل: الأسباب: الحبال، يعني: إن وجدوا حبالاً يصعدون فيها إلى السماء فعلوا، والأسباب عند أهل اللغة: كل شيء يتوصل به إلى المطلوب كائناً ما كان. وفي هذا الكلام تهكم بكم، وتعجيز لهم {جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مّن ٱلأَحَزَابِ } هذا وعد من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم بالنصر عليهم، والظفر بهم، و{جند} مرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم جند، يعني: الكفار، مهزوم: مكسور عما قريب، فلا تبال بهم، ولا تظن أنهم يصلون إلى شيء مما يضمرونه بك منا لكيد، و «ما» في قوله: {مَّا هُنَالِكَ } هي: صفة لجند لإفادة التعظيم، والتحقير، أي: جند أيّ جند. وقيل: هي زائدة، يقال: هزمت الجيش: كسرته، وتهزمت القرية: إذا تكسرت، وهذا الكلام متصل بما تقدّم، وهو قوله: {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } وهم جند من الأحزاب مهزومون، فلا تحزن لعزّتهم، وشقاقهم، فإني أسلب عزّهم، وأهزم جمعهم، وقد وقع ذلك، ولله الحمد في يوم بدر، وفيما بعده من مواطن الله. وقد أخرج عبد بن حميد عن أبي صالح قال: سئل جابر بن عبد الله، وابن عباس عن {ص }، فقال: لا ندري ما هو. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: {صۤ} محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير عنه {وَٱلْقُرْءانِ ذِى ٱلذِّكْر} قال: ذي الشرف. وأخرج أبو داود الطيالسي، وعبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه عن التميمي قال: سألت ابن عباس عن قول الله تعالى: {فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ } قال: ليس بحين نزو، ولا فرار. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عنه في الآية قال: نادوا النداء حين لا ينفعهم، وأنشد:

تذكرت ليلى لات حين تذكر وقد بنت منها والمناص بعيد

وأخرج عنه أيضاً في الآية قال: ليس هذا حين زوال. وأخرج ابن المنذر من طريق عطية عنه أيضاً قال: لا حين فرار. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأ مِنْهُمْ } الآية قال: نزلت حين انطلق أشراف قريش إلى أبي طالب، فكلموه في النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن مردويه عنه {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأ مِنْهُمْ } قال: أبو جهل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ } قال: النصرانية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله {فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَاب} قال: في السماء.