خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ
٣٨
مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
٣٩
إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ
٤٠
يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ
٤١
إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ
٤٢
إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ
٤٣
طَعَامُ ٱلأَثِيمِ
٤٤
كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ
٤٥
كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ
٤٦
خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ
٤٧
ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ
٤٨
ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ
٤٩
إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ
٥٠
إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ
٥١
فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
٥٢
يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ
٥٣
كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ
٥٤
يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ
٥٥
لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ
٥٦
فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
٥٧
فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
٥٨
فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ
٥٩
-الدخان

فتح القدير

قوله: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } أي: بين جنسي السماء، والأرض {لاَعِبِينَ } أي: لغير غرض صحيح. قال مقاتل: لم نخلقهما عابثين لغير شيء. وقال الكلبي: لاهين، وقيل: غافلين. قرأ الجمهور: {وما بينهما} وقرأ عمرو بن عبيد: (وما بينهنّ) لأن السموات، والأرض جمع، وانتصاب {لاعبين} على الحال {مَا خَلَقْنَـٰهُمَا } أي: وما بينهما {إِلاَّ بِٱلْحَقّ } أي: إلا بالأمر الحق، والاستثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال. وقال الكلبي: إلا للحق، وكذا قال الحسن، وقيل: إلاّ لإقامة الحق، وإظهاره {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أن الأمر كذلك، وهم المشركون {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَـٰتُهُمْ أَجْمَعِينَ } أي: إن يوم القيامة الذي يفصل فيه الحق عن الباطل ميقاتهم، أي: الوقت المجعول لتمييز المحسن من المسيء، والمحقّ من المبطل، {أجمعين} لا يخرج عنهم أحد من ذلك. وقد اتفق القراء على رفع ميقاتهم على أنه خبر "إن"، واسمها {يوم الفصل}. وأجاز الكسائي، والفراء نصبه على أنه اسمها، و"يوم الفصل" خبرها. ثم وصف سبحانه ذلك اليوم، فقال: {يَوْمَ لاَ يُغْنِى مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً } {يوم} بدل من {يوم الفصل}، أو منتصب بفعل مضمر يدل عليه الفصل، أي: يفصل بينهم يوم لا يغني، ولا يجوز أن يكون معمولاً للفصل؛ لأنه قد وقع الفصل بينهما بأجنبي، والمعنى: أنه لا ينفع في ذلك اليوم قريب قريباً، ولا يدفع عنه شيئاً، ويطلق المولى على الوليّ، وهو: القريب، والناصر {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } الضمير راجع إلى المولى باعتبار المعنى؛ لأنه نكرة في سياق النفي، وهي من صيغ العموم، أي: ولا هم يمنعون من عذاب الله {إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ } قال الكسائي: الاستثناء منقطع، أي: لكن من رحم الله، وكذا قال الفراء. وقيل: هو متصل، والمعنى: لا يغني قريب عن قريب إلا المؤمنين، فإنهم يؤذن لهم في الشفاعة، فيشفعون، ويجوز أن يكون مرفوعاً على البدل من {مولى} الأوّل، أو من الضمير في {ينصرون} {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ } أي: الغالب الذي لا ينصر من أراد عذابه الرحيم لعباده المؤمنين. ثم لما وصف اليوم ذكر بعده، وعيد الكفار، فقال: {إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلأثِيمِ } شجرة الزّقوم هي: الشجرة التي خلقها الله في جهنم، وسماها الشجرة الملعونة، فإذا جاع أهل النار التجئوا إليها، فأكلوا منها، وقد مضى الكلام على شجرة الزقوم في سورة الصافات. والأثيم: الكثير الإثم. قال في الصحاح: أثم الرجل بالكسر إثماً، ومأثماً: إذا وقع في الإثم، فهو: آثم، وأثيم، وأثوم. فمعنى طعام الأثيم: ذي الإثم {كَٱلْمُهْلِ } وهو: درديّ الزيت، وعكر القطران. وقيل: هو النحاس المذاب. وقيل: كلّ ما يذوب في النار {يَغْلِى فِى ٱلْبُطُونِ * كَغَلْىِ ٱلْحَمِيمِ } قرأ الجمهور: {تغلي} بالفوقية على أن الفاعل ضمير يعود إلى الشجرة، والجملة خبر ثانٍ، أو حال، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: تغلي غلياً مثل غلي الحميم، وهو: الماء الشديد الحرارة. وقرأ ابن كثير، وحفص، وابن محيصن، وورش، عن يعقوب: {يغلي} بالتحتية على أن الفاعل ضمير يعود إلى الطعام وهو: في معنى الشجرة، ولا يصح أن يكون الضمير عائداً إلى المهل؛ لأنه مشبه به، وإنما يغلي ما يشبه بالمهل، وقوله: {كَغَلْىِ ٱلْحَمِيمِ } صفة مصدر محذوف، أي: غلياً كغلي الحميم {خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَاء ٱلْجَحِيمِ } أي: يقال للملائكة الذين هم خزنة النار: خذوه، أي: الأَثيم، فاعتلوه، العتل: القود بالعنف، يقال: عتله يعتله، إذا جرّه، وذهب به إلى مكروه، وقيل العتل: أن يأخذ بتلابيب الرجل، ومجامعه، فيجره، ومنه قول الشاعر يصف فرساً:

نقرعه قرعاً ولسنا نعتله

ومنه قول الفرزدق يهجو جريراً:

حتى تردّ إلى عطية تعتل

قرأ الجمهور: {فَٱعْتِلُوهُ } بكسر التاء. وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر بضمها، وهما: لغتان {إِلَىٰ سَوَاء ٱلْجَحِيمِ } أي: إلى وسطه، كقوله: { فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ } [الصافات: 55] {ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ } "من" هي التبعيضية، أي: صبوا فوق رأسه بعض هذا النوع، وإضافة العذاب إلى الحميم للبيان، أي: عذاب هو الحميم، وهو: الماء الشديد الحرارة كما تقدّم {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } أي: وقولوا له تهكماً، وتقريعاً، وتوبيخاً: ذق العذاب إنك أنت العزيز الكريم. وقيل: إن أبا جهل كان يزعم أنه أعزّ أهل الوادي، وأكرمهم، فيقولون له: ذق العذاب أيها المتعزّز المتكرم في زعمك، وفيما كنت تقوله. قرأ الجمهور: {إنك} بكسر الهمزة، وقرأ الكسائي - وروي ذلك عن عليّ - بفتحها أي لأنك. قال الفراء: أي: بهذا القول الذي قلته في الدنيا، والإشارة بقوله: {إِنَّ هَذَا } إلى العذاب {مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ } أي: تشكون فيه حين كنتم في الدنيا، والجمع باعتبار جنس الأثيم. ثم ذكر سبحانه مستقرّ المتقين، فقال: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍ } أي: الذين اتقوا الكفر والمعاصي. قرأ الجمهور: {مقام} بفتح الميم، وقرأ نافع، وابن عامر بضمها. فعلى القراءة الأولى هو: موضع القيام، وعلى القراءة الثانية هو: موضع الإقامة قاله الكسائي، وغيره. وقال الجوهري: قد يكون كل واحد منهما بمعنى: الإقامة، وقد يكون بمعنى: موضع القيام. ثم وصف المقام بأنه أمين يأمن صاحبه من جميع المخاوف {فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ } بدل من {مقام أمين}، أو بيان له، أو خبر ثانٍ {يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ } خبر ثانٍ، أو ثالث، أو حال من الضمير المستكنّ في الجار والمجرور، والسندس: ما رقّ من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه، وقد تقدّم بيانه في سورة الكهف، وانتصاب {مُّتَقَـٰبِلِينَ } على الحال من فاعل {يلبسون}، أي: متقابلين في مجالسهم ينظر بعضهم إلى بعض، والكاف في قوله: {كَذٰلِكَ } إما نعت مصدر محذوف، أي: نفعل بالمتقين فعلاً كذلك. أو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك {وَزَوَّجْنَـٰهُم بِحُورٍ عِينٍ } أي: أكرمناهم بأن زوّجناهم بحور عين، والحور جمع حوراء وهي: البيضاء، والعين جمع عيناء: وهي الواسعة العينين. وقال مجاهد: إنما سميت الحوراء حوراء، لأنه يحار الطرف في حسنها، وقيل: هو من حور العين وهو: شدّة بياض العين في شدّة سوادها كذا قال أبو عبيدة. وقال الأصمعي: ما أدري ما الحور في العين. قال أبو عمرو: الحور أن تسودّ العين كلها مثل أعين الظباء والبقر، قال: وليس في بني آدم حور، وإنما قيل للنساء حور: لأنهنّ شبهن بالظباء والبقر. قيل: والمراد بقوله: {زوّجناهم} قرناهم، وليس من عقد التزويج، لأنه لا يقال: زوّجته بامرأة. وقال أبو عبيدة: وجعلناهم أزواجاً لهنّ كما يزوّج البعل بالبعل أي: جعلناهم اثنين اثنين، وكذا قال الأخفش {يَدْعُونَ فِيهَا بِكلّ فَـٰكِهَةٍ ءامِنِينَ } أي: يأمرون بإحضار ما يشتهون من الفواكه حال كونهم آمنين من التختم، والأسقام، والآلام. قال قتادة: آمنين من الموت، والوصب، والشيطان، وقيل: من انقطاع ما هم فيه من النعيم. {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأولَىٰ } أي: لا يموتون فيها أبداً إلا الموتة التي ذاقوها في الدنيا، والاستثناء منقطع، أي: لكن الموتة التي قد ذاقوها في الدنيا، كذا قال الزّجاج والفراء، وغيرهما، ومثل هذه الآية قوله: { وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } [النساء: 22] وقيل: إن "إلا" بمعنى بعد، كقولك: ما كلمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي: بعد رجل عندك، وقيل: هي بمعنى: سوى، أي: سوى الموتة الأولى. وقال ابن قتيبة: إنما استثنى الموتة الأولى وهي في الدنيا، لأن السعداء حين يموتون يصيرون بلطف الله وقدرته إلى أسباب من الجنة يلقون الروح والريحان، ويرون منازلهم من الجنة، وتفتح لهم أبوابها، فإذا ماتوا في الدنيا، فكأنهم ماتوا في الجنة لاتصالهم بأسبابها، ومشاهدتهم إياها، فيكون الاستثناء على هذا متصلاً. واختار ابن جرير أن إلا بمعنى بعد، واختار كونها بمعنى سوى ابن عطية {وَوَقَـٰهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ }. قرأ الجمهور: {وقاهم} بالتخفيف، وقرأ أبو حيوة بالتشديد على المبالغة {فَضْلاً مّن رَّبّكَ } أي: لأجل الفضل منه، أو أعطاهم ذلك عطاء فضلاً منه {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } أي: ذلك الذي تقدّم ذكره هو الفوز الذي لا فوز بعده، المتناهي في العظم. ثم لما بيّن سبحانه الدلائل، وذكر الوعد، والوعيد، قال: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلِسَـٰنِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } أي: إنما أنزلنا القرآن بلغتك كي يفهمه قومك، فيتذكروا، ويعتبروا، ويعملوا بما فيه، أو سهلناه بلغتك عليك، وعلى من يقرؤه لعلهم يتذكرون {فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ } أي: فانتظر ما وعدناك من النصر عليهم، وإهلاكهم على يدك، فإنهم منتظرون ما ينزل بك من موت، أو غيره، وقيل: انتظر أن يحكم الله بينك وبينهم، فإنهم منتظرون بك نوائب الدهر، والمعنى متقارب.

وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } يقول: لست بعزيز، ولا كريم. وأخرج الأموي في مغازيه، عن عكرمة قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل، فقال: "إن الله أمرني أن أقول لك: {أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ }" [القيامة: 34، 35] قال: فنزع يده من يده، وقال: ما تستطيع لي أنت، ولا صاحبك من شيء، لقد علمت أني أمنع أهل بطحاء، وأنا العزيز الكريم، فقتله الله يوم بدر، وأذله، وعيره بكلمته، وأنزل: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ }. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلأثِيمِ } قال: المهل. وأخرج عنه أيضاً: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } قال: هو أبو جهل بن هشام.