خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
٤
ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ
٥
-المائدة

فتح القدير

.

هذا شروع في بيان ما أحله الله لهم، بعد بيان ما حرمه الله عليهم، وسيأتي ذكر سبب نزول الآية. قوله: {مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ } أي شيء أحلّ لهم، و أما الذي أحلّ لهم من المطاعم إجمالاً ومن الصيد، ومن طعام أهل الكتاب، ومن نسائهم، قوله: {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ } هي ما يستلذه آكله ويستطيبه مما أحله الله لعباده. وقيل: هي الحلال، وقد سبق الكلام في هذا. وقيل: الطيبات: الذبائح لأنها طابت بالتذكية، وهو تخصيص للعام بغير مخصص، والسبب والسياق لا يصلحان لذلك.

قوله: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ ٱلْجَوَارِحِ } هو معطوف على الطيبات بتقدير مضاف لتصحيح المعنى: أي أحلّ لكم الطيبات وأحلّ لكم صيد ما علمتم من الجوارح، وقرأ ابن عباس ومحمد بن الحنفية: «عُلِمتم» بضم العين وكسر اللام أي علمتم من أمر الجوارح والصيد بها. قال القرطبي: وقد ذكر بعض من صنف في أحكام القرآن أن الآية تدل على أن الإباحة تناولت ما علمنا من الجوارح، وهو يتضمن الكلب، وسائر جوارح الطير، وذلك بموجب إباحة سائر وجوه الانتفاع فدلّ على جواز بيع الكلب، والجوارح، والانتفاع بها بسائر وجوه المنافع، إلا ما خصه الدليل وهو الأكل من الجوارح، أي الكواسب من الكلاب وسباع الطير. قال: أجمعت الأمة على أن الكلب إذا لم يكن أسود، وعلمه مسلم، ولم يأكل من صيده الذي صاده وأثر فيه بجرح، أو تنييب، وصاد به مسلم، وذكر اسم الله عند إرساله أن صيده صحيح، يؤكل بلا خلاف، فإن انخرم شرط من هذه الشروط دخل الخلاف، فإن كان الذي يصاد به غير كلب كالفهد وما أشبهه، وكالبازي والصقر ونحوهما من الطير فجمهور الأمة على أن كل ما صاد بعد التعليم فهو جارح كاسب، يقال: جرح فلان واجترح: إذا اكتسب، ومنه الجارحة لأنه يكتسب بها، ومنه اجتراح السيئات، ومنه قوله تعالى: { وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ } [الأنعام: 60]. وقوله: { أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيّئَـٰتِ } [الجاثية: 21]. قوله: {مُكَلّبِينَ } حال، والمكلب: معلم الكلاب لكيفية الاصطياد، والأخصّ معلم الكلاب وإن كان معلم سائر الجوارح مثله، لأن الاصطياد بالكلاب هو الغالب، ولم يكتف بقوله: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ ٱلْجَوَارِحِ } مع أن التكليب هو التعليم، لقصد التأكيد لما لا بدّ منه من التعليم. وقيل: إن السبع يسمى كلباً فيدخل كل سبع يصادّ به. وقيل: إن هذه الآية خاصة بالكلاب. وقد حكى ابن المنذر عن ابن عمر أنه قال: ما يصاد بالبزاة وغيرها من الطير فما أدركت ذكاته فهو لك حلال، وإلا فلا تطعمه. قال ابن المنذر: وسئل أبو جعفر عن البازي هل يحلّ صيده؟ قال لا، إلا أن تدرك ذكاته. وقال الضحاك والسدّي: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلّبِينَ } هي الكلاب خاصة، فإن كان الكلب الأسود بهيماً فكره صيده الحسن وقتادة والنخعي. وقال أحمد: ما أعرف أحداً يرخص فيه إذا كان بهيماً، وبه قال ابن راهويه. فأما عامة أهل العلم بالمدينة والكوفة فيرون جواز صيد كل كلب معلم، واحتج من منع من صيد الكلب الأسود بقوله صلى الله عليه وسلم: "الكلب الأسود شيطان" . أخرجه مسلم وغيره والحق أنه يحلّ صيد كل ما يدخل تحت عموم الجوارح، من غير فرق بين الكلب وغيره، وبين الأسود من الكلاب وغيره، وبين الطير وغيره، ويؤيد هذا أن سبب نزول الآية سؤال عديّ بن حاتم عن صيد البازي كما سيأتي.

قوله: {تُعَلّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ } الجملة في محل نصب على الحال أي مما علمكم الله، مما أدركتموه بما خلقه فيكم من العقل الذي تهتدون به إلى تعليمها، وتدريبها، حتى تصير قابلة لإمساك الصيد عند إرسالكم لها. قوله: {فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } الفاء للتفريع، والجملة متفرّعة على ما تقدّم من تحليل صيد ما علموه من الجوارح، "ومن" في قوله: {مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } للتبعيض، لأن بعض الصيد لا يؤكل كالجلد، والعظم، وما أكله الكلب ونحوه، وفيه دليل على أنه لا بد أن يمسكه على صاحبه، فإن أكل منه فإنما أمسكه على نفسه كما في الحديث الثابت في الصحيح.

وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يحلّ أكل الصيد الذي يقصده الجارح من تلقاء نفسه من غير إرسال. وقال عطاء بن أبي رباح والأوزاعي وهو مرويّ عن سلمان الفارسي، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة وعبد الله بن عمر، وروي عن عليّ، وابن عباس والحسن البصري، والزهري وربيعة، ومالك، والشافعي في القديم، أنه يؤكل صيده، ويردّ عليهم قوله تعالى: {مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ }، وقوله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك" وهو في الصحيحين وغيرهما، وفي لفظ لهما: "فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه" . وأما ما أخرجه أبو داود، بإسناد جيد، من حديث أبي ثعلبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه" وقد أخرجه أيضاً بإسناد جيد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، وأخرجه أيضاً النسائي، فقد جمع بعض الشافعية بين هذه الأحاديث بأنه إن أكل عقب ما أمسكه فإنه يحرم لحديث عديّ بن حاتم، وإن أمسكه ثم انتظر صاحبه فطال عليه الانتظار، وجاع فأكل من الصيد لجوعه، لا لكونه أمسكه على نفسه، فإنه لا يؤثر ذلك، ولا يحرم به الصيد، وحملوا على ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني، وحديث عمرو بن شعيب، وهذا جمع حسن. وقال آخرون: إنه إذا أكل الكلب منه حرم لحديث عديّ، وإن أكل غيره لم يحرم للحديثين الآخرين؛ وقيل: يحمل حديث أبي ثعلبة على ما إذا أمسكه وخلاه، ثم عاد فأكل منه، وقد سلك كثير من أهل العلم طريق الترجيح، ولم يسلكوا طريق الجمع لما فيها من البعد، قالوا: وحديث عديّ بن حاتم أرجح لكونه في الصحيحين. وقد قررت هذا المسلك في شرحي للمنتقى بما يزيد الناظر فيه بصيرة.

قوله: {وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } الضمير في {عَلَيْهِ } يعود إلى {مَا عَلِمْتُمُ } أي سموا عليه عند إرساله، أو لما أمسكن عليكم، أي سموا عليه إذا أردتم ذكاته. وقد ذهب الجمهور إلى وجوب التسمية عند إرسال الجارح، واستدلوا بهذه الآية. ويؤيده حديث عدي بن حاتم الثابت في الصحيحين، وغيرهما بلفظ: "إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله" . وقال بعض أهل العلم: إن المراد التسمية عند الأكل. قال القرطبي: وهو الأظهر، واستدلوا بالأحاديث التي فيها الإرشاد إلى التسمية وهذا خطأ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد وقت التسمية بإرسال الكلب وإرسال السهم، ومشروعية التسمية عند الأكل حكم آخر. ومسألة غير هذه المسألة، فلا وجه لحمل ما ورد في الكتاب والسنة هنا على ما ورد في التسمية عند الأكل، ولا ملجىء إلى ذلك، وفي لفظ في الصحيحين من حديث عديّ: "إن أرسلت كلبك وسميت فأخذ فكل" . وقد ذهب جماعة إلى أن التسمية شرط، وذهب آخرون إلى أنها سنة فقط، وذهب جماعة إلى أنها شرط على الذاكر لا الناسي، وهذا أقوى الأقوال وأرجحها. قوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } أي حسابه سبحانه، سريع إتيانه، وكل آت قريب.

قوله: {ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ } هذه الجملة مؤكدة للجملة الأولى، وهي قوله: {أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ } وقد تقدّم بيان الطيبات. قوله: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ } الطعام اسم لما يؤكل، ومنه الذبائح، وذهب أكثر أهل العلم إلى تخصيصه هنا بالذبائح. وفي هذه الآية دليل على أن جميع طعام أهل الكتب من غير فرق بين اللحم وغيره حلال للمسلمين وإن كانوا لا يذكرون على ذبائحهم اسم الله، وتكون هذه الآية مخصصة لعموم قوله: { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } [الأنعام: 121]. وظاهر هذا أن ذبائح أهل الكتاب حلال، وإن ذكر اليهوديّ على ذبيحته اسم عزير، وذكر النصرانيّ على ذبيحته اسم المسيح. وإليه ذهب أبو الدرداء وعبادة بن الصامت، وابن عباس والزهري وربيعة، والشعبي ومكحول. وقال عليّ وعائشة وابن عمر: إذا سمعت الكتابيّ يسمى غير الله فلا تأكل، وهو قول طاوس والحسن، وتمسكوا بقوله تعالى: { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } [الأنعام: 121] ويدل عليه أيضاً قوله: { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ } [النحل: 115] وقال مالك: إنه يكره ولا يحرم. فهذا الخلاف إذا علمنا أن أهل الكتاب ذكروا على ذبائحهم اسم غير الله، وأما مع عدم العلم فقد حكى الكيا الطبري وابن كثير الإجماع على حلها لهذه الآية، ولما ورد في السنة من أكله صلى الله عليه وسلم من الشاة المصلية التي أهدتها إليه اليهودية وهو في الصحيح، وكذا الجراب الشحم الذي أخذه بعض الصحابة من خيبر، وعلم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في الصحيح، أيضاً وغير ذلك.

والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود والنصارى. وأما المجوس، فذهب الجمهور إلى أنها لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم؛ لأنهم ليسوا بأهل كتاب على المشهور عند أهل العلم، وخالف في ذلك أبو ثور، وأنكر عليه الفقهاء ذلك، حتى قال أحمد بن حنبل: أبو ثور كاسمه، يعني في هذه المسألة، وكأنه تمسك بما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً أنه قال في المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ، ولم يثبت بهذا اللفظ، وعلى فرض أن له أصلاً ففيه زيادة تدفع ما قاله، وهي قوله: "غير آكلي ذبائحهم، ولا ناكحي نسائهم" . وقد رواه بهذه الزيادة جماعة ممن لا خبرة له بفنّ الحديث من المفسرين والفقهاء، ولم يثبت الأصل ولا الزيادة، بل الذي ثبت في الصحيح أن النبي أخذ الجزية من مجوس هجر، وأما بنو تغلب فكان عليّ بن أبي طالب ينهى عن ذبائحهم لأنهم عرب، وكان يقول: إنهم لم يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر، وهكذا سائر العرب المتنصرة كتنوخ وجذام، ولخم، وعاملة، ومن أشبههم. قال ابن كثير: وهو قول غير واحد من السلف والخلف. وروي عن سعيد بن المسيب والحسن البصري إنهما كانا لا يريان بأساً بذبيحة نصارى بني تغلب. وقال القرطبي: وقال جمهور الأمة إن ذبيحة كل نصراني حلال، سواء كان من بني تغلب، أو من غيرهم، وكذلك اليهودي. قال: ولا خلاف بين العلماء أن ما لا يحتاج إلى ذكاة كالطعام يجوز أكله.

قوله: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ } أي وطعام المسلمين حلال لأهل الكتاب، وفيه دليل على أنه يجوز للمسلمين أن يطعموا أهل الكتاب من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمجازاة وإخبار المسلمين بأن ما يأخذونه منهم من أعراض الطعام حلال لهم، بطريق الدلالة الالتزامية.

قوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } اختلف في تفسير المحصنات هنا، فقيل: العفائف، وقيل: الحرائر. وقرأ الشعبي بكسر الصاد، وبه قرأ الكسائي. وقد تقدّم الكلام في هذا مستوفي في البقرة والنساء. والمحصنات مبتدأ، ومن المؤمنات وصف له، والخبر محذوف، أي حلّ لكم، وذكرهنّ هنا توطئة وتمهيداً لقوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } والمراد بهنّ: الحرائر دون الإماء، هكذا قال الجمهور، وحكى ابن جرير عن طائفة من السلف أن هذه الآية تعمّ كل كتابية حرةّ أو أمة. وقيل: المراد بأهل الكتاب هنا الإسرائيليات، وبه قال الشافعي، وهو تخصيص بغير مخصص. وقال عبد الله بن عمر: لا تحلّ النصرانية، قال: ولا أعلم شركاً أكبر من أن تقول ربها عيسى، وقد قال الله { وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ } الآية [البقرة: 221]، ويجاب عنه بأن هذه الآية مخصصة للكتابيات من عموم المشركات فيبنى العام على الخاص. وقد استدل من حرّم نكاح الإماء الكتابيات بهذه الآية لأنه حملها على الحرائر، وبقوله تعالى { فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } [النساء: 25] وقد ذهب إلى هذا كثير من أهل العلم وخالفهم من قال: إن الآية تعم أو تخصّ العفائف كما تقدّم. والحاصل أنه يدخل تحت هذه الآية الحرّة العفيفة من الكتابيات على جميع الأقوال، إلا على قول ابن عمر في النصرانية، ويدخل تحتها الحرّة التي ليست بعفيفة، والأمة العفيفة، على قول من يقول إنه يجوز استعمال المشرك في كلا معنييه، وأما من لم يجوز ذلك فإن حمل المحصنات هنا على الحرائر لم يقل بجواز نكاح الأمة، عفيفة كانت أو غير عفيفة، إلا بدليل آخر، ويقول بجواز نكاح الحرّة عفيفة كانت أو غير عفيفة، وإن حمل المحصنات هنا على العفائف قال بجواز نكاح الحرة العفيفة، والأمة العفيفة، دون غير العفيفة منهما.

قوله: {إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنّ} أي مهورهنّ، وجواب {إذا} محذوف أي فهنّ حلال، أو هي ظرف لخبر المحصنات المقدر أي حلّ لكم. قوله: {مُّحْصِنِينَ } منصوب على الحال، أي حال كونكم أعفاء بالنكاح، وكذا قوله: {غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ } منصوب على الحال من الضمير في محصنين، أو صفة لمحصنين، والمعنى: غير مجاهرين بالزنا. قوله: {وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ } معطوف على {غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ } أو على {مُسَـٰفِحِينَ }. "وَلاَ" مزيدة للتأكيد، والخدن يقع على الذكر والأنثى، أي لم يتخذوا معشوقات، فقد شرط الله في الرجال العفة، وعدم المجاهرة بالزنا، وعدم اتخاذ أخدان، كما شرط في النساء أن يكنّ محصنات {وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإيمَـٰنِ } أي بشرائع الإسلام {فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } أي بطل، {وَهُوَ فِى ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } وقرأ ابن السميفع: «فقد حبط» بفتح الباء ا هـ.

وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه والبيهقي في سننه، عن أبي رافع؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بقتل الكلاب في الناس، فقالوا: يا رسول الله، ماذا يحلّ لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ } الآية. وأخرج ابن جرير عن عكرمة نحوه. وأخرج أيضاً عن محمد بن كعب القرظي نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، أن عدّي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين، سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا: يا رسول الله، إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة فنزلت. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الشعبي؛ أن عدّي بن حاتم الطائيّ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فذكر نحوه.

وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلّبِينَ } قال: هي الكلاب المعلمة، والبازي والجوارح يعني الكلاب والفهود والصقور وأشباهها. وأخرج ابن جرير عنه قال: آية المعلم أن يمسك صيده فلا يأكل منه حتى يأتي صاحبه. وأخرج عنه أيضاً قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه. وأخرج عبد بن حميد عنه نحوه، وإذا أكل الصقر فلا تأكل لأن الكلب تستطيع أن تضر به والصقر لا تستطيع.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عنه في قوله: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } قال: ذبائحهم، وفي قوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } قال: حلّ لكم {إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنّ} يعني مهورهنّ {مُّحْصِنِينَ } يعني تنكحونهنّ بالمهر والبينة {غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ } غير متغالين بالزنا {وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ } يعني يسرّون بالزنا. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة في قوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُم} قال: أحلّ الله لنا محصنتين محصنة مؤمنة ومحصنة من أهل الكتاب، نساؤنا عليهم حرام، ونساؤهم لنا حلال. وأخرج ابن جرير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا" . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن عمر بن الخطاب قال: المسلم يتزوّج النصرانية ولا يتزوج النصرانيّ المسلمة. وأخرج الطبراني، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: إنما أحلت ذبائح اليهود والنصارى من أجل أنهم آمنوا بالتوراة والإنجيل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } قال الحرائر. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: العفائف.