خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً
١٠٥
وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً
١٠٦
وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً
١٠٧
يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً
١٠٨
هَٰأَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ جَٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً
١٠٩
وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً
١١٠
وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
١١١
وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً
١١٢
وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
١١٣
-النساء

تفسير المنار

روى الترمذي والحاكم وغيرهما عن قتادة بن النعمان قال: كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق بشر وبشير ومبشر وكان بشير رجلا منافقا يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ثم ينحله بعض العرب يقول: قال فلان كذا، وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملا من الدرمك فجعله في مشربة له فيها سلاح ودرع وسيف، فعدى عليه من تحت فنقبت المشربة وأخذ الطعام والسلاح.
فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي إنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا وذهب بطعامنا وسلاحنا، فتجسسنا في الدار وسألنا فقيل لنا قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم.
فقال بنو أبيرق: ونحن نسأل في الدار، والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل، رجل منا له صلاح وإسلام، فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال: أنا أسرق؟ والله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة، قالوا: إليك عنا أيها الرجل فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمر: يا ابن أخي لو أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له، فأتيته فقلت: أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي فنقبوا مشربة له وأخذوا سلاحه وطعامه فليردوا علينا سلاحنا وأما الطعام فلا حاجة لنا فيه.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"سأنظر في ذلك" ، فلما سمع بنو أبيرق أتوا رجلا منهم يقال له أسير بن عروة فكلموه في ذلك فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار فقالوا يا رسول الله: إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت.
قال قتادة: فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:
"عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير ثبت وبينة؟" فرجعت فأخبرت عمي فقال: الله المستعان، فلم نلبث أن نزل القرآن: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما}، بني أبيرق {واستغفر الله}، أي: مما قلت لقتادة إلى قوله: {عظيما} فلما نزل القرآن أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسلاح فرده إلى رفاعة ولحق بشير بالمشركين فنزل على سلافة بنت سعد فأنزل الله { ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى } [النساء: 115]، إلى قوله: { ضلالا بعيدا } [النساء: 116]، قال الحاكم صحيح على شرط مسلم.
وأخرج ابن سعد في الطبقات بسنده عن محمود بن لبيد قال: " عدا بشير بن الحارث على علية رفاعة بن زيد عم قتادة بن النعمان فنقبها من ظهرها وأخذ طعاما له ودرعين بأداتهما فأتى قتادة النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بذلك فدعا بشيرا فسأله فأنكر ورمى بذلك لبيد بن سهل رجلا من أهل الدار ذا حسب ونسب فنزل القرآن بتكذيب بشير وبراءة لبيد {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس} الآيات، انتهى من لباب النقول.
وروى ابن جرير عن قتادة أن هؤلاء الآيات أنزلت في شأن طعمة بن أبيرق، وفيما هم به نبي الله - صلى الله عليه وسلم - من عذره، وبين الله شأن طعمة بن أبيرق، ووعظ نبيه وحذره أن يكون للخائنين خصيما، وكان طعمة بن أبيرق رجلا من الأنصار، ثم أحد بني ظفر سرق درعا لعمه كان وديعة عنده، ثم قذفها على يهودي كان يغشاهم يقال له زيد بن السمير، فجاء اليهودي إلى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - يهتف، فلما رأى ذلك قومه بنو ظفر جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ليعذروا صاحبهم، وكان نبي الله - عليه السلام - قد هم بعذره حتى أنزل الله في شأنه ما أنزل فقال: {ولا تجادل} إلخ، وكان طعمة قذف بها بريئا، فلما بين الله شأن طعمة نافق ولحق المشركين بمكة فأنزل الله فيه {ومن يشاقق الرسول} الآية.
وروي عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت في نفر من الأنصار كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض غزواته فسرقت لأحدهم درع فأظن بها رجلا من الأنصار، فأتى صاحب الدرع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعي، فأت به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء وقال لنفر من عشيرته: إني قد غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان وستوجد عندهم، فانطلقوا إلى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ليلا فقالوا: يا نبي الله، إن صاحبنا بريء، وإن سارق الدرع فلان، وقد أحطنا بذلك علما فاعذر صاحبنا على رءوس الناس وجادل عنه فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبرأه أو عذره على رءوس الناس فأنزل الله {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق}، إلى قوله: {وكيلا}.
وروي عن ابن زيد أن رجلا سرق درعا من حديد وطرحها على يهودي فقال اليهودي: والله ما سرقتها يا أبا القاسم، ولكن طرحت علي، وكان للرجل الذي سرق جيران يبرئونه ويطرحونه على اليهودي ويقولون: يا رسول الله هذا اليهودي الخبيث يكفر بالله وبما جئت به، قال: حتى مال النبي - صلى الله عليه وسلم - ببعض القول، فعاتبه الله - عز وجل - في ذلك فقال وذكر الآيات ثم قال في الرجل: ويقال: هو طعمة بن أبيرق.
وروي عن السدي أنها نزلت في طعمة بن أبيرق استودعه رجل من اليهود درعا فخانه فيها وأخفاها في دار أبي مليك الأنصاري، وأهان طعمة وأناس من قومه اليهودي لما جاء يطلب درعه، وجادلت الأنصار عن طعمة، وطلبوا من النبي أن يجادل عنه إلخ، وقد اختار أكثر المفسرين أن الخائن هو طعمة وأن اليهودي هو الذي كان صاحب الحق.
هذا ما ورد في سبب النزول، وأما وجه الاتصال والتناسب بين هذه الآيات وما قبلها، فقد قال فيه الإمام الرازي ما نصه:
في كيفية النظم وجوه:
الأول: أنه تعالى لما شرح أحوال المنافقين على سبيل الاستقصاء، ثم اتصل بذلك أمر المحاربة، واتصل بذكر المحاربة ما يتعلق بها من الأحكام الشرعية مثل قتل المسلم خطأ على ظن أنه كافر، ومثل بيان صلاة السفر وصلاة الخوف، رجع الكلام بعد ذلك إلى أحوال المنافقين، وذكر أنهم كانوا يحاولون أن يحملوا الرسول عليه الصلاة والسلام على أن يحكم بالباطل ويذر الحكم بالحق، فأطلع الله رسوله عليه وأمره بألا يلتفت إليهم ولا يقبل قولهم في هذا الباب.
والوجه الثاني في بيان النظم: أنه تعالى لما بين الأحكام الكثيرة في هذه السورة، بين أن كل ما عرف بإنزال الله - تعالى -، وأنه ليس للرسول أن يحيد عن شيء منها، طلبا لرضا قومه.
الوجه الثالث: أنه تعالى لما أمر بالمجاهدة مع الكفار بين أن الأمر وإن كان كذلك لكنه لا تجوز الخيانة معهم، ولا إلحاق ما لم يفعلوا بهم، وأن كفر الكافر لا يبيح المسامحة بالنظر له، بل الواجب في الدين أن يحكم له وعليه بما أنزل الله على رسوله، وألا يلحق الكافر حيف لأجل أن يرضى المنافق بذلك اهـ.
وقال الأستاذ الإمام: بعد أن حذر الله المنافقين من أعداء الحق الذين يحاولون طمسه بإهلاك أهله، أراد أن يحذرهم مما يخشى على الحق من جهة الغفلة عنه، وترك العناية بالنظر في حقيقته وترك حفظه، فإن إهمال العناية بالحق أشد الخطرين عليه ; لأنه يكون سببا لفقد العدل أو تداعي أركانه، وذلك يفضي إلى هلاك الأمة، وكذلك إهمال غير العدل من الأصول العامة التي جاء بها الدين ; فالعدو لا يمكنه إهلاك أمة كبيرة وإعدامها، ولكن ترك الأصول المقومة للأمة كالعدل، وغيره يهلك كل أمة تهمله، ولذلك قال (وذكر الآية الأولى).
أقول: أما اتصال الآيات بما قبلها مباشرة فالأقرب فيها ما قاله الأستاذ الإمام، ويمكن بيانه بأنه - تعالى - لما أمر المؤمنين بأن يأخذوا حذرهم من الأعداء، ويستعدوا لمجاهدتهم حفظا للحق أن يؤتى من الخارج، أمرهم بأن يقوموا بما يحفظه في نفسه فلا يؤتى من الداخل، وأن يقيموه على وجهه كما أمر الله - تعالى -، ولا يحاربوا فيه أحدا.
وأما اتصالها بمجموع ما قبلها فقد علمنا مما مر أن أول السورة في أحكام النساء والبيوت إلى قوله - تعالى -:
{ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا } [النساء: 36]، ومن هذه الآية إلى هنا تنوعت الآيات بالانتقال من الأحكام العامة إلى مجادلة اليهود، وبيان حالهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، وتخلل ذلك الأمر بطاعة الله ورسوله والنعي على المنافقين الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت كاليهود وتأكيد الأمر بطاعة الرسول، وبيان أنه - تعالى - لم يبعث رسولا إلا ليطاع، والترغيب في هذه الطاعة.
ثم انتقل من ذلك إلى أحكام القتال وبيان حال المؤمنين والكافرين والمنافقين فيه، وقد عاد في هذا السياق أيضا إلى تأكيد طاعة الرسول وحال المنافقين فيها، فناسب أن ينتقل الكلام من هذا السياق إلى بيان ما يجب على الرسول نفسه أن يحكم به بعد ما حتم الله التحاكم إليه وأمره بطاعته فيما يحكم ويأمر به، فكان هذا الانتقال في بيان واقعة اشترك فيها الخصام بين من سبق القول فيهم من أهل الكتاب والمنافقين الذين سبق شرح أحوالهم في الآيات السابقة فقال - عز وجل -:
{إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} أي: إنا أوحينا إليك هذا القرآن بتحقيق الحق وبيانه لأجل أن تحكم بين الناس بما علمك الله به من الأحكام فاحكم به {ولا تكن للخائنين خصيما}، تخاصم عنهم وتناضل دونهم، وهم طعمة وقومه الذين سرقوا الدرع وأرادوا أن يلصقوا جرمهم باليهودي البريء، فهو كقوله - تعالى - في السورة الآتية:
{ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم } [المائدة: 49]، فالحق هو المطلوب في الحكم سواء كان المحكوم عليه يهوديا أو مجوسيا، أو مسلما حنيفيا، قال شيخ المفسرين ابن جرير: {بما أراك الله}، يعني بما أنزل الله إليك في كتابه {ولا تكن للخائنين خصيما}، يقول: ولا تكن لمن خان مسلما أو معاهدا في نفسه أو ماله خصيما تخاصم عنه وتدافع عنه من طالبه بحقه الذي خانه فيه اهـ، وتسمية إعلامه - تعالى - لنبيه بالأحكام إراءة يشعر بأن علمه - صلى الله عليه وسلم - بها يقيني كالعلم بما يراه بعينه في الجلاء والوضوح.
وقال الأستاذ الإمام: هذه الجملة مستأنفة، فعطفها على ما قبلها ليس من قبيل عطف المفرد على المفرد المشارك له في الحكم، بل من قبيل عطف الجملة الابتدائية على جملة قبلها لارتباطهما بالمعنى العام، والمعنى: ولا تتهاون بتحري الحق اغترارا بلحن الخائنين، وقوة صلابتهم في الخصومة ; لئلا تكون خصيما لهم وتقع في ورطة الدفاع عنهم، وهذا الخطاب ليس خاصا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ; بل هو عام لكل من يحكم بين الناس بما أنزل الله كما أمر الله.
أقول: ويؤيد قول الأستاذ الإمام حديث أم سلمة المتفق عليه في الصحيحين والسنن:
"إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار" .
ومن مباحث الأصول في هذه الآية مسألة حكمه - صلى الله عليه وسلم - بالوحي فقط، أو بالوحي تارة وبالاجتهاد أخرى، وقد تقدم أن قوله - تعالى -: {أراك الله} معناه: أعلمك علما يقينيا كالرؤية في القوة والظهور، وما ذلك إلا الوحي الذي يفهم - صلى الله عليه وسلم - منه مراد الله فهما قطعيا، وروي أن عمر - رضي الله عنه - كان يقول: " لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله - تعالى -، فإن الله - تعالى - لم يجعل ذلك إلا لنبيه - صلى الله عليه وسلم -، وأما أحدنا فرأيه أن يكون ظنا لا علما "، ذكره الرازي ثم قال:
إذا عرفت هذا فنقول: قال المحققون: هذه الآية تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان يحكم إلا بالوحي والنص، ثم فرع عن ذلك أن الاجتهاد ما كان جائزا له، وإنما يجب عليه الحكم بالنص، وذكر أن الأمر باتباعه يقتضي تحريم القياس، وعدم جوازه لولا أن أجيب عن ذلك بأن القياس ثبت بالنص أيضا.
وقال الإمام سليمان بن عبد القوي الطوفي الحنبلي في " كتاب الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية ": {لتحكم بين الناس بما أراك الله}، يحتمل أن المراد بما نصه لك في الكتاب، ويحتمل أن المراد بما أراكه بواسطة نظرك واجتهادك في أحكام الكتاب وأدلته، وفيه على هذا دليل على أنه - عليه السلام - كان يجتهد فيما لا نص عنده فيه من الحوادث وهي مسألة خلاف في أصول الفقه.
" حجة من أجاز هذه الآية أن الاجتهاد في الأحكام منصب كمال، فلا ينبغي أن يفوته - صلى الله عليه وسلم -، وقد دل على وقوعه منه قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"لو قلت نعم لوجب ولو سمعت شعره قبل قتله لم أقتله" ، في قضيتين مشهورتين.
حجة المانع:
{ وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى } [النجم: 3، 4]، ولأنه قادر على يقين الوحي، والاجتهاد لا يفيد اليقين لجوازه في حقه، والحالة هذه كالتيمم مع القدرة على الماء.
ثم على القول الأول، وهو أن الاجتهاد جائز له، هل يقع منه الخطأ فيه أم لا؟ فيه قولان للأصوليين أحدهما: لا، لعصمته، والثاني: نعم بشرط ألا يقر عليه استدلالا بنحو
{ عفا الله عنك لم أذنت لهم } [التوبة: 43]، { و ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } [الأنفال: 67]، ونحو ذلك.
ويتعلق بهذا مسألة التفويض، وهو أنه هل يجوز أن يفوض الله - عز وجل - إلى نبي حكم أمة بأن يقول: احكم بينهم باجتهادك وما حكمت به فهو حق، أو وأنت لا تحكم إلا بالحق؟ فيه قولان: أقر بهما الجواز، وهو قول موسى بن عمران من الأصوليين ; لأنه مضمون له إصابة الحق، وكل مضمون له ذلك، جاز له الحكم. أو يقال: هذا التفويض لا محذور فيه، وكل ما كان كذلك كان جائزا انتهى كلام الطوفي.
أقول: الآية في الحكم بكتاب الله لا في الاجتهاد، ولكنها لا تدل على منع الاجتهاد، ولا عليه أيضا:
{ وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى } [النجم: 3، 4]; لأن هذا في القرآن خاصة، وإلا كان كل كلامه - عليه الصلاة والسلام - وحيا، وقد ورد أن الوحي كان ينقطع أياما متعددة، وأنه كان يسأل عن الشيء فينتظر الوحي، كما كان يسأل أحيانا فيجيب من غير انتظار للوحي.
{واستغفر الله} قال ابن جرير: "وسله أن يصفح لك عن عقوبة ذنبك في مخاصمتك عن الخائن"، وأورد الرازي في الاستغفار ثلاثة وجوه:
1 - لعله مال إلى نصرة (طعمة) لأنه في الظاهر من المسلمين.
2 - لعله هم أن يحكم على اليهودي عملا بشهادة قوم طعمة التي لم يكذبها شيء حتى نزل الوحي، فعلم أنه لو حكم لوقع قضاؤه خطأ لبنائه على كذب القوم وزورهم، وكل من هذين الأمرين مما يستغفر منه النبي - صلى الله عليه وسلم - والذنب فيه من قبيل قولهم: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
3 - يحتمل أن المراد: واستغفر الله لأولئك الذين يذبون عن طعمة ويريدون أن يظهروا براءته، انتهى ملخصا.
وقال الأستاذ الإمام واستغفر الله مما يعرض لك من شئون البشر من نحو ميل إلى من تراه ألحن بحجته، أو الركون إلى مسلم لأجل إسلامه تحسينا للظن به، فإن ذلك قد يوقع الاشتباه، وتكون صورة صاحبه صورة من أتى الذنب الذي يوجب له الاستغفار، وإن لم يكن متعمدا للزيغ عن العدل، والتحيز إلى الخصم، فهذا من زيادة الحرص على الحق، كأن مجرد الالتفات إلى قول المخادع كاف إلى وجوب الاحتراس منه، وناهيك بما في ذلك من التشديد فيه.
أقول: ظاهر الروايات أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مال إلى تصديق المسلمين وإدانة اليهودي لما كان يغلب على المسلمين في ذلك العهد من الصدق والأمانة، وعلى اليهود من الكذب والخيانة ; ولذلك قال العلماء في القديم والحديث: إن أولئك المسلمين، لم يكونوا إلا منافقين.
لأن مثل عمل طعمة وتأييد من أيده فيه لا يصدر عمدا إلا من منافق، وتبع ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - ود لو يكون الفلج بالحق في الخصومة للمسلمين الذين يرجح صدقهم، فأراد أن يساعدهم على ذلك، ولكنه لم يفعل انتظارا لوحي الله - تعالى -، فعلمه الله - تعالى - بهذه الآيات وعلمنا أن الاعتقاد الشخصي، والميل الفطري والديني، لا ينبغي أن يظهر لهما أثر ما في مجلس القضاء، ولا أن يساعد القاضي من يظن أنه هو صاحب الحق، بل عليه أن يساوي بين الخصمين في كل شيء، وإذا كان هذا هو الواجب، وكان ذلك الميل إلى تأييد من غلب على الظن صدقه يفضي إلى مساعدته في الخصومة فيكون الحاكم خصيما عنه لو فعل، وإذا كان طلب الانتصار لهم من الخائنين في الواقع ونفس الأمر في هذه القضية، فقد وجب الاستغفار من هذا الاجتهاد وحسن الظن فهذا أحسن ما يوجه به ما ذهب إليه الرازي على تقدير صحة الرواية في سبب نزول الآيات.
وما قاله الأستاذ الإمام أبلغ في تنزيه النبي - صلى الله عليه وسلم - مما يليق به، أما العصمة فلا ينقضها شيء مما ورد ولا الأمر بالاستغفار ; لأن الأنبياء معصومون من الحكم أو العمل بغير ما أوحاه الله - تعالى - إليهم أو ما يرون باجتهادهم أنه الصواب، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحكم في هذه القضية قبل نزول الآيات بشيء، ولم يعمل بغير ما يعتقد أنه تأييد للحق، ولكنه أحسن الظن في أمر بين له علام الغيوب حقيقة الواقع فيه وما ينبغي له في معاملة ذويه إن الله كان غفورا رحيما، أي: كان شأنه ذلك، وتقدم شرح مثل هذه الجملة مرارا.
{ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم}، أي: يخونونها، بل يتعلمون ويتكلفون ما يخالف الفطرة من الخيانة التي تعود على أنفسهم بالضرر، قال الأستاذ الإمام: إن هؤلاء الخائنين يوجدون في كل زمان ومكان، وهذا النهي لم يكن موجها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة، وإنما هو تشريع وجه إلى المكلفين كافة; وفي جعله بصيغة الخطاب له - وهو أعدل الناس وأكملهم - مبالغة في التحذير من هذه الخلة المعهودة من الحكام {إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما}، أي: من اعتاد الخيانة وألف الإثم فلم يعد ينفر منه، ولا يخاف العقاب الإلهي عليه، فيراقبه فيه، وإنما يحب الله أهل الأمانة والاستقامة.
{يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله}، أي: إن شأن هؤلاء الخوانين الراسخين في الإثم أنهم يستترون من الناس عند ارتكاب خيانتهم واجتراحهم الإثم ; لأنهم يخافون ضرهم، ولا يستترون من الله - تعالى - بتركه لأنهم لا إيمان لهم، إذ الإيمان يمنع من الإصرار والتكرار، ولا تقع الخيانة من صاحبه إلا عن غفلة أو جهالة عارضة لا تدوم ولا تتكرر حتى تحيط بصاحبها خطيئته، على أنه لا يمكن الاستخفاء منه - تعالى - فمن يعلم أنه - تعالى - يراه وراء الأستار في حنادس الظلمات وهو المؤمن الصادق، فلا بد أن يترك الذنب والخيانة حياء منه - تعالى - أو خوفا من عقابه، {وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول}، أي: وهو - تعالى - شاهدهم في الوقت الذي يدبرون فيه من الليل، ما لا يرضى من القول، لأجل تبرئة أنفسهم ورمي غيرهم بخيانتهم وجريمتهم {وكان الله بما يعملون محيطا} لا يفوته شيء منه، فلا سبيل إلى نجاتهم من عقابه.
{ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا} هذه الآية تدل على أن الذين أرادوا مساعدة بني أبيرق على اليهودي جماعة، وأن النهي عن الجدال عنهم موجه إلى هؤلاء وحدهم وإن بدئ بخطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده.
أي: ها أنتم يا هؤلاء جادلتم عنهم وحاولتم تبرئتهم في الحياة الدنيا {فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا}، يوم يكون الخصم والحاكم هو الله المحيط علمه بأعمالهم وأحوالهم وأحوال الخلق كافة؟ أي: لا يمكن أن يجادل هنالك أحد عنهم، ولا أن يكون وكيلا بالخصومة لهم، فعلى المؤمنين أن يراقبوا الله - تعالى - في مثل ذلك، ولا يحسبوا أن من أمكنه أن ينال الفلج بالحكم له من قضاة الدنيا بغير حق، يمكنه كذلك أن يظفر في الآخرة،
{ يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله } [الانفطار: 19]، الذي يحاسب على الذرة { وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين } [الأنبياء: 47]، وفي هذا دليل على أن حكم الحاكم في الدنيا لا يجيز للمحكوم له أن يأخذ به إذا علم أنه حكم له بغير حقه.
{ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} هذا بيان للمخرج من الذنب بعد وقوعه، والسوء ما يسوء أي ما يترتب عليه الغم والكدر وفسروه بالذنب مطلقا ; لأن عاقبته تسوء ولو عند الجزاء. وهذه الآيات تشير إلى كل نوع من أنواع الذنوب التي ارتكبت في القصة التي نزل السياق بسببها.
الأستاذ الإمام: هذه الآيات تحذير من أعداء الحق والعدل الذين يحاولون هدم ركنهما، وهذا الركن هو المقصود من الشرائع، وإنما يمتثل هذا التحذير بالاجتهاد وتحري العدل وعدم الاغترار بظواهر الخصماء، والسوء ما يسوء به الإنسان غيره، والظلم ما كان ضرره خاصا بالعامل كترك الفريضة، أي: هذا هو المراد بهما هنا، والاستغفار طلب المغفرة من الله - تعالى -، ويتضمن ذلك لازمه وهو الشعور بقبح الذنب والتوبة منه.
ولسيدنا علي - كرم الله وجهه - خطبة في تفسير الاستغفار بالتوبة التي تذيب الشحم وتفني العظم، ومعنى وجدانه الله غفورا رحيما أن الله أكرم من أن يرد توبة عبده إذا اطلع على قلبه وعلم منه الصدق والإخلاص.
أقول: وقد كنت كتبت في مذكراتي عن الدرس عندما تقدم أنه لا بد من نكتة لهذا التعبير وهي: وتركت بياضا لأكتب فيه ما ظهر لي من النكتة ثم نسيته إلى الآن.
ولعل المراد بوجدان الله غفورا رحيما هو أن التائب المستغفر يجد أثر المغفرة في نفسه بكراهة الذنب وذهاب داعيته، ويجد أثر الرحمة بالرغبة في الأعمال الصالحة التي تطهر النفس وتزيل ذلك الدرن منه، فيكون السوء أو الظلم الذي تاب منه العبد مصداقا لقول ابن عطاء الله الإسكندري: رب معصية أورثت ذلا وانكسارا، خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا، والمراد الذل والانكسار لله - عز وجل - الذي يورث صاحبه العزة والرفعة مع غيره، وفي الآية ترغيب لطعمة وأنصاره في التوبة.
{ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه}، أي: ومن يعمل الإثم عن قصد وير أنه قد كسبه وانتفع به، فإنما كسبه هذا وبال على نفسه وضرر لا نفع لهما كما يتوهم لجهله بعواقب الآثام السيئة في الدنيا والآخرة، ومن العواقب غير المأمونة في الدنيا فضيحة الآثم ومهانته بظهور الأمر للناس وللحاكم العادل، كما وقع لأصحاب القصة الذين نزلت بسببهم الآيات، وسترى تحديد معنى الإثم في تفسير الآية التي بعد هذه {وكان الله عليما حكيما}.
قال الأستاذ الإمام: أي أنه - تعالى - قد حدد للناس بعلمه حدود الشرائع التي يضرهم تجاوزها، وبحكمته جعل لها عقابا يضر المتجاوز لها، فهو إذن يضر نفسه ولا يضر الله شيئا.
{ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا}، أقول: يطلق العلماء الخطيئة والإثم والذنب والسيئة على المعصية، ولكل لفظ منها معنى في أصل اللغة يناسبه إطلاق القرآن، ولا يمكن أن يكون الإثم هنا بمعنى الخطيئة.
ويقول الراغب: إن الإثم في الأصل اسم للأفعال المبطئة عن الثواب، أي: مثل السكر والميسر ; لأنهما يشغلان صاحبهما عن كل عمل صالح ; ولذلك قال - تعالى -:
{ فيهما إثم كبير } [البقرة: 219]، وأما الخطيئة فظاهر أنها من الخطأ ضد الصواب، وصيغة فعيلة تدل على معنى أيضا فالخطيئة الفعلة العريقة في الخطأ لظهوره فيها ظهورا لا يعذر صاحبه بجهله.
والخطأ قسمان: أحدهما أن تخطئ ما يراد منك، وهو ما يطالبك به الشرع ويفرضه عليك الدين، أو ما جرى عليه العرف والعهد، ويدخل في القسم الثاني ما يخطئه الفاعل من مطالب الشرع: أي يتجاوزه ولو عمدا، ومن هنا جعلوا الخطيئة بمعنى المعصية مطلقا، وفسرها ابن جرير هنا بالخطأ والإثم بالعمد.
وقال الأستاذ الإمام: الخطيئة ما يصدر من الذنب عن الفاعل خطأ، أي: من غير ملاحظة أنه ذنب مخالف للشريعة، والإثم ما يصدر عنه مع ملاحظة أنه ذنب، ويعني بالملاحظة تذكر ذلك وتصوره عند الفعل، وقال: إن عدم الملاحظة والشعور بالذنب عند فعله قد يكون سببه تمكن داعيته من النفس ووصولها إلى درجة الملكات الراسخة والأخلاق الثابتة التي تصدر عنها الأعمال بغير تكلف ولا تدبر، وهذا المعنى هو المراد هنا، أقول: ويصح أن يكون هذا البيان توجيها لقول من فسر الخطيئة هنا بالمعصية الكبيرة، والبهتان: الكذب الذي يبهت المكذوب عليه أي: يحيره ويدهشه.
والمعنى: أن من يكسب خطيئة أو إثما ثم يبرئ نفسه منه أي: مما ذكر، ويرم به بريئا أي: ينسبه إليه ويزعم أنه هو الذي كسبه، فقد احتمل أي كلف نفسه أن يحمل وزر البهتان بافترائه على البريء واتهامه إياه، ووزر: الإثم البين الذي كسبه وتنصل منه، وقد فشا هذا بين المسلمين في هذا الزمان ومع هذا ينسب المارقون ضعفهم إلى دينهم، وإنما سببه ترك هدايته، فالحادثة التي نزلت هذه الآيات إثر وقوعها كانت فذة في بابها، وما زال المفسرون يجزمون بأن المسلمين الذين سرق أو خان بعضهم، ونصره آخرون وبهتوا اليهودي برميه بجرمه وهو بريء، لم يكونوا مسلمين إلا في الظاهر، وإنما هم منافقون في الباطن ; لأن مثل هذا الإثم المبين، والبهتان العظيم، لا يكون من المؤمنين الصادقين، ولكن مثلها صار اليوم مألوفا، بل وجد في بعضهم من يفتي بجواز خيانة غير المسلمين، وأكل أموال المعاهدين والمستأمنين بالباطل، كما علمنا من واقعة حال استفتينا فيها ونشرت الفتوى في المنار ونعوذ بالله من هذا الخذلان.
بعد أن بين الله - تعالى - هذه الأحكام والحكم والمواعظ المنطبقة على تلك الواقعة، ووجه إلى كل من له شأن فيها ما يناسبه في سياق هذه القواعد العامة، خاطب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو الحاكم بين الخصمين فيها بقوله: {ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك}، أي: لولا فضل الله عليك بالنبوة والتأييد بالعصمة، ورحمته لك ببيان حقيقة الواقعة، لهمت طائفة من الذين يختانون أنفسهم بالمعصية أو بمساعدة الخائن أن يضلوك عن الحكم العادل المنطبق على حقيقة القضية في نفسها، أي: يضلوك بقول الزور وتزكية المجرم وبهت اليهودي البريء، لعلمهم أن الحكم إنما يكون بالظواهر، أو بمحاولة الميل إلى إدانة اليهودي توهما منهم أن الإسلام يبيح ترجيح المسلم على غيره ونصره ظالما أو مظلوما كما يعهدون في غيره من الملل.
ولكنهم قبل أن يطمعوا في ذلك ويهموا به جاءك الوحي ببيان الحق، وإقامة أركان العدل والمساواة فيه بين جميع الخلق، وقيل: إن الآية نزلت في وفد ثقيف، إذ قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: جئنا لنبايعك على ألا تكسر أصنامنا ولا تعشرنا، فردهم {وما يضلون إلا أنفسهم} بانحرافهم عن الصراط المستقيم الذي هداهم إليه الإسلام، واتباع الهوى والتعاون عليه {وما يضرونك من شيء} وقد عصمك الله من الناس ومن اتباع الهوى في الحكم بينهم، وهذه الآية ناطقة بأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يجادل عنهم ولا أطمعهم في التحيز لهم قبل نزول الوحي ولا بعده بالأولى.
هذا ما ظهر لي الآن، وقد رجعت بعد كتابته إلى مذكراتي التي كتبتها في درس الأستاذ الإمام فإذا فيها ما نصه:
كان الكلام في المختانين أنفسهم ومحاولتهم زحزحة الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الحق، وقد أراد تعالى بعد بيان تلك الأوامر والنواهي وتوجيهها إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يبين فضله ونعمته عليه، قال الأستاذ ولا يصح تفسير الآية بما ورد من قصة طعمة ; لأنه على ما روي قد هم هو وأصحابه بإضلال النبي عن الحق الذي أنزله الله عليه، وهو - تعالى - يقول: إنه بفضله ورحمته عليه قد صرف نفوس الأشرار عن الطمع في إضلاله والهم بذلك.
وذلك أن الأشرار إذا توجهت إرادتهم وهممهم إلى التلبيس عن شخص ومخادعته ومحاولة صرفه عن الحق فلا بد له أن يشغل طائفة من وقته لمقاومتهم وكشف حيلهم وتمييز تلبيسهم، وذلك يشغل المرء عن تقرير الحقائق وصرف وقت المقاومة إلى عمل آخر صالح نافع ; ولذلك تفضل الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ورحمه بصرف كيد الأشرار عنه حتى بالهم بغشه وزحزحته عن صراط الله الذي أقامه عليه اهـ.
{وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم}، الكتاب: القرآن والحكمة فقه مقاصد الكتاب وأسراره، ووجه موافقتها للفطرة وانطباقها على سنن الاجتماع البشري واتحادها مع مصالح الناس في كل زمان ومكان {وعلمك ما لم تكن تعلم}، هو في معنى قوله تعالى:
{ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } [الشورى: 52]، ولا دليل فيه على أن المراد به تعليمه الغيب مطلقا بل هو الكتاب والشريعة، وخصوصا ما تضمنته هذه الآيات من العلم بحقيقة الواقعة التي تخاصم فيها بعض المسلمين مع اليهودي.
{وكان فضل الله عليك عظيما}، إذ اختصك بهذه النعم الكثيرة وأرسلك للناس كافة، وجعلك خاتم النبيين، فيجب أن تكون أعظم الناس شكرا له، ويجب على أمتك مثل ذلك ليكونوا بهذا الفضل خير أمة أخرجت للناس، وقدوة لهم في جميع الخيرات.