خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ
١١٦
مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
١١٧
إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
١١٨
قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
١١٩
للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١٢٠
-المائدة

تفسير المنار

اتصال هذه الآيات بما قبلها جلي ظاهر، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فقوله تعالى: {وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} معطوف على قوله تعالى: {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك} إلخ. والمعنى اذكر أيها الرسول للناس يوم يجمع الله الرسل. فيسألهم جميعا عما أجابتهم به أممهم، إذ يقول لعيسى اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إلخ، وإذ يقول له بعد ذلك: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ أي يسأله: أقالوا هذا القول بأمر منك أم هم، افتروه وابتدعوه من عند أنفسهم؟
ومعنى قوله: (من دون الله) كائنين من دون الله أو حال كونكم متجاوزين بذلك توحيد الله وإفراده بالعبادة. فهذا التعبير يصدق باتخاذ إله أو أكثر مع الله تعالى وهو الشرك، فإن عبادة الشرك المتخذ غير عبادة الله خالق السماوات والأرض ; سواء اعتقد المشرك أن هذا المتخذ ينفع ويضر بالاستقلال وهو نادر أو اعتقد أنه ينفع ويضر بإقدار الله إياه وتفويضه بعض الأمر إليه فيما وراء الأسباب، أو بالوساطة عند الله، أي بحمله تعالى بما له من التأثير والكرامة على النفع والضر، وهو الأكثر الذي كان عليه مشركو العرب عند البعثة كما حكى الله عنهم في قوله:
{ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله } [يونس: 18] وقوله: { والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } [الزمر: 3] إلخ.
وقلما يوجد في متعلمي الحضر من يتخذ إلها غير الله متجاوزا بعبادته الإيمان بالله الذي هو خالق الكون ومدبره، فإن الإيمان الفطري المغروس في غرائز البشر هو أن تدبير الكون كله صادر عن قوة غيبية لا يدرك أحد كنهها، فالموحدون أتباع الرسل يتوجهون بعباداتهم القولية والفعلية إلى صاحب هذه القوة الغيبية وحده، معتقدين أنه هو الفاعل المطلق وحده، وإن كان فعل ينسب إلى غيره فإنما ينسب إليه كذبا، أو على أنه فعله بإقدار الله إياه عليه وتسخيره له بمقتضى سننه في خلقه التي قام بها نظام الأسباب والمسببات بمشيئته وحكمته، والمشركون يتوجهون تارة إليه وتارة إلى بعض ما يستكبرون خصائصه من خلقه، كالشمس والنجم، وبعض مواليد الأرض، وتارة يتوجهون إليهما معا فيجعلون الثاني وسيلة إلى الأول،
ومن يشعر بسلطة غيبية تتجلى له في بعض الخلق فهو يخشى ضرها ويرجو نفعها، ولا يمتد نظر عقله ولا شعور قلبه إلى سلطة فوقها ولا يتفكر في خلق هذه الأكوان فهو أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان، فلا يعد من العقلاء المستعدين لفهم الشرائع وحقائق الدين، على أنه يصدق عليه أنه اتخذ إلها من دون الله، ولكن هذا النوع من الاتخاذ غير مراد هنا; لأن الذين شرعوا للناس عبادة المسيح وأمه كانوا من شعوب مرتقية حتى في وثنيتها، ولها فلسفة دقيقة فيها، وهم اليونان والرومان، وبعض اليهود المطلعين على تلك الفلسفة جد الاطلاع.
وجملة القول: أن اتخاذ إله من دون الله يراد به عبادة غيره سواء كانت خالصة لغيره أو شركة بينه وبين غيره، ولو بدعاء غيره والتوجه إليه ليكون واسطة عنده
{ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء } [البينة: 5].
أما اتخاذهم المسيح إلها فقد تقدم بيانه في مواضع من تفسير هذه السورة، وأما أمه فعبادتها كانت متفقا عليها في الكنائس الشرقية والغربية بعد قسطنطين، ثم أنكرت عبادتها فرقة البروتستانت التي حدثت بعد الإسلام بعدة قرون.
إن هذه العبادة التي يوجهها النصارى إلى مريم والدة المسيح (عليهما السلام) منها ما هو صلاة ذات دعاء وثناء واستغاثة واستشفاع، ومنها صيام ينسب إليها، ويسمى باسمها، وكل ذلك يقرن بالخضوع والخشوع لذكرها ولصورها وتماثيلها، واعتقاد السلطة الغيبية لها التي يمكنها بها في اعتقادهم أن تنفع وتضر في الدنيا والآخرة بنفسها أو بوساطة ابنها، وقد صرحوا بوجوب العبادة لها، ولكن لا نعرف عن فرقة من فرقهم إطلاق كلمة (إله) عليها، بل يسمونها (والدة الإله) ويصرح بعض فرقهم بأن ذلك حقيقة لا مجاز، والقرآن يقول هنا: إنهم اتخذوها وابنها إلهين، والاتخاذ غير التسمية، فهو يصدق بالعبادة وهي واقعة قطعا، وبين في آية أخرى أنهم قالوا:
{ إن الله هو المسيح ابن مريم } [المائدة: 17، 72] وذلك معنى آخر. وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى في أهل الكتاب: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } [التوبة: 31] أنهم اتبعوهم فيما يحلون ويحرمون لا أنهم سموهم أربابا.
وأول نص صريح رأيته في عبادة النصارى لمريم عبادة حقيقية ما في كتاب (السواعي) من كتب الروم الأرثوذكس، وقد اطلعت على هذا الكتاب في دير يسمى (بدير البلمند) وأنا في أول العهد بمعاهد التعليم. وطوائف الكاثوليك يصرحون بذلك ويفاخرون به، وقد زين الجزويت في بيروت العدد التاسع من السنة السابعة لمجلتهم (المشرق) بصورتها وبالنقوش الملونة إذ جعلوه تذكارا لمرور خمسين سنة على إعلان البابا بيوس التاسع أن مريم البتول " حبل بها بلا دنس الخطية " وأثبتوا في هذا العدد عبادة الكنائس الشرقية لمريم كالكنائس الغربية، ومنه قول (الأب لويس شيخو) في مقالة له فيه عن الكنائس الشرقية: (إن تعبد الكنيسة الأرمنية للبتول الطاهرة أم الله لأمر مشهور " وقوله " قد امتازت الكنيسة القبطية بعبادتها للبتول المغبوطة أم الله ".
من يسمع أو يقرأ سؤال الله تعالى لعيسى عن عبادة النصارى. له ولأمه تتوق نفسه إلى معرفة جوابه عليه السلام، وتتوجه إلى السؤال والاستفهام; فلذلك جاء كأمثاله بأسلوب الاستئناف {قال سبحانك} بدأ عليه السلام جوابه بتنزيهه إلهه وربه عز وجل عن أن يكون معه إله، خلافا لمن قال: إن التنزيه هنا إنما هو عن ذلك القول المسئول عنه، فذهب إلى أن معنى الجملة: أنزهك تنزيها لائقا من أن أقول ذلك، أو من أن يقال ذلك في حقك، وظن أن هذا هو الذي يقتضيه سياق النظم، وستعلم ما فيه من الضعف، وأن ما اخترناه هو الحق.
وكلمة " سبحان " قيل: إنها علم للتسبيح، وقيل: إنها مصدر لـ (سبح) الثلاثي كالغفران، واستعملت مضافة باطراد إلا ما شذ في الشعر،
والتسبيح تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، وهو من مادة السبح والسباحة وهي الذهاب السريع البعيد في البحر أو البر، ومن الثاني سبح الخيل وقالوا: فرس سبوح (كصبور) ومثله التقديس من القدس وهو الذهاب البعيد في الأرض، ثم استعمل التسبيح والتقديس في التنزيه
قالوا: إن التسبيح يدل على الإبعاد ولكن عن كل شر وسوء ; ولذا خص بتنزيه الله تعالى، ويقابله اللعن، فهو يدل على الإبعاد ولكن عن كل خير وكذلك لفظ الإبعاد والبعد غلب استعماله في مقام الشر
{ ألا بعدا لعاد قوم هود } [هود: 60]، { أولئك في ضلال بعيد } [إبراهيم: 3]
قال الراغب: والتسبيح تنزيه الله تعالى، وأصله المر السريع في عبادة الله تعالى، وجعل ذلك في فعل الخير، كما جعل الإبعاد في الشر، فقيل: أبعده الله، وجعل التسبيح عاما في العبادات قولا كان أو فعلا أو نية اهـ، ثم أورد الشواهد من الآيات على إطلاق التسبيح بمعنى الصلاة وبمعنى الدلالة على التنزيه كتسبيح السماوات والأرض وما فيهما. والمراد بتسبيح النية العلم والاعتقاد،
وفي كلمة " سبحانك " ومثلها " سبحان الله " مبالغة في هذا التنزيه أي مبالغة، إذ تدل على المبالغة بمادتها الدالة بمأخذها الاشتقاقي على البعد والإيغال والسبح الطويل في هذا البحر المديد الطويل، وبصيغتها الأصلية وهي التسبيح التي هي مسمى اسم المصدر (سبحان) ومدلوله فإن التفعيل يدل على التكثير، ثم بالعدول عن هذه الصيغة التي هي مصدر إلى الاسم الذي جعل علما عليها على قول ابن جني فإن اسم المصدر يدل على المصدر ومن المصدر وثباته حقيقته; لأن مدلوله هو لفظ المصدر فانتقال الذهن منه إلى المصدر ومن المصدر إلى المعنى بمنزلة تكرار لفظ المصدر، بل هو أبلغ وأدل على إرادة الحقيقة دون التجوز، ولم أر أحدا سبقني إلى بيان هذا على كونه في غاية الظهور عند من تأمله (ومن شدة الظهور الخفاء).
قلنا: إن عيسى عليه السلام بدأ جوابه بتنزيه الله عز وجل عن أن يكون معه إله، فأثبت بهذا إنه على علم يقيني ضروري بأن الله تعالى منزه في ذاته وصفاته عن أن يشارك في ألوهيته، وانتقل من هذا إلى تبرئة نفسه العالمة بالحق عن قول ما ليس له بحق، فقال: {ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} أي ليس من شأني ولا مما يصح وقوعه مني أن أقول قولا ليس لي أدنى حق أن أقوله; لأنك أيدتني بالعصمة من مثل هذا الباطل. ولا يخفى أن هذا أبلغ في البراءة من نفي ذلك القول، وإنكاره إنكارا مجردا; لأن نفي الشأن يستلزم نفي الفعل نفيا مؤيدا بالدليل، فهو بتنزيه الله تعالى أولا أثبت أن ذلك القول الذي سئل عنه تمهيدا لإقامة الحجة على من اتخذوه وأمه إلهين قول باطل ليس فيه شائبة من الحق، ثم قفى على ذلك بأنه ليس من شأنه ولا مما يقع من مثله أن يقول ما ليس له بحق، فنتيجة المقدمتين الثابتتين إنه لم يقل ذلك القول.
ثم أكد هذه النتيجة بحجة أخرى قاطعة على سبيل الترقي من البرهان الأدنى الراجع إلى نفسه وهو عصمته عليه السلام، إلى البرهان الأعلى الراجع إلى ربه العلام، فقال: {إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} أي إن كان ذلك القول قد وقع مني فرضا فقد علمته; لأن علمك محيط بكل شيء، تعلم ما أسره وأخفيه في نفسي، فكيف لا تعلم ما أظهرته ودعوت إليه فعلمه مني غيري؟ ولا أعلم ما تخفيه من علومك الذاتية التي لا تهديني إليها بنظر واستدلال كسبي، إلا ما تظهرني عليه بوحي وهبي.
قيل: إن إضافة كلمة " نفس " إلى الله تعالى من باب المشاكلة، على أنها وردت بغير مقابل يسوغ ذلك، كقوله تعالى:
{ كتب ربكم على نفسه الرحمة } [الأنعام: 54]، { ويحذركم الله نفسه } [آل عمران: 28، 30] وقيل: إنها بمعنى الذات والمهم فهم المعنى من هذا الإطلاق.
وتنزيه الله تعالى عن مشابهة نفسه لأنفس خلقه معروف بالنقل والعقل، فاستشكال إطلاق الوحي للأسماء مع هذا ضرب من الجهل
{إنك أنت علام الغيوب} أي إنك أنت المحيط بالعلوم الغيبية وحدك; لأن علمك المحيط بكل ما كان وما يكون وما هو كائن علم ذاتي لا منتزع من صور المعلومات، ولا مستفاد بتلقين ولا بنظر واستدلال، وإنما علم غيرك منك لا من ذاته، فإما أن يناله بما آتيته من المشاعر أو العقل، وإما أن يتلقاه مما تهبه من الإلهام والوحي، أي وقد علمت أني لم أقل ذلك القول. وشرط " إن " لا يقتضي الوقوع،
ثم إنه بعد تنزيه ربه، وتبرئة نفسه، وإقامة البرهانين على براءته، بين حقيقة ما قاله لقومه; لأن الشهادة عليهم لا تكون تامة كاملة، بحيث تظهر لهم هنالك حجة الله البالغة، إلا بإثبات ما كان يجب أن يكونوا عليه من أمر الدين والتوحيد بعد نفي ضده، فكان من شأن السامع لما سبق من النفي أن يسأل عما قاله في موضوعه ولذلك قال:
{ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم} فهذا قول يتضمن إنكار أن يكون أمرهم باتخاذه وأمه إلهين وإثبات ضده، أي ما قلت لهم في شأن الإيمان وأصل الدين وأساسه الذي يبنى عليه غيره ولا يعتد بغيره دونه، إلا ما أمرتني بالتزامه اعتقادا وتبليغا وهو الأمر بعبادتك وحدك مع التصريح بأنك ربي وربهم، وأنني عبد من عبادك مثلهم، أي إلا أنك خصصتني بالرسالة إليهم. فقوله: (أن اعبدوا الله) تفسير للمأمور به، وإنما قال: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به) ولم يقل: ما أمرتهم إلا بما أمرتني به، أدبا مع الله تعالى ومرعاة لما ورد في السؤال (أأنت قلت).
{وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم} أي وكنت قائما عليهم أراقبهم وأشهد على ما يقولون ويفعلون فأقر الحق وأنكر الباطل مدة دوام وجودي بينهم {فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد} أي فلما توفيتني إليك كنت أنت المراقب لهم وحدك إذ انتهت مدة رسالتي فيهم ومراقبتي لهم وشهادتي عليهم، فلا أشهد على ما وقع منهم وأنا لست فيهم، وأنت شهيد عليهم وشهيد بيني وبينهم، بما أنك شهيد على كل شيء في ملكك، وأنت أكبر شهادة ممن تجعلهم شهداء من خلقك
{ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم } [الأنعام: 19].
وقد مر في هذه السورة ما يزكي تبرئة عيسى عليه السلام لنفسه ويؤيد قوله هنا، وذلك قوله تعالى:
{ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار } [المائدة: 72] فجملة " وقال المسيح يا بني إسرائيل " إلخ. حالية، أي قالوا قولهم ذلك والحال أن المسيح أمرهم بضده، وهو أن يعبدوا الله وحده.
وفي أناجيلهم من بقايا التوحيد الذي أمرهم به ما رواه يوحنا في إنجيله عنه وهو قوله عليه السلام (7: 3 وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته) وفي إنجيل برنابا من تجريد التوحيد والاستدلال عليه بالآيات البينات ما هو جدير بأن يكون وحيا صحيحا من الله تعالى إلى رسوله عيسى عليه الصلاة والسلام.
ولما كان المراد من السؤال الذي أجيب عنه بهذا الجواب هو إقامة الحجة التي يظهر بها عدل الله تعالى يوم القيامة فيما يجزى به من اتخذ عيسى وأمه إلهين وغيرهم من قومه فوض عليه السلام أمر الجزاء إليه تعالى بحسب ما تقتضيه شهادته تعالى وصفاته فقال: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} أي إن تعذب أولئك الناس الذين أرسلتني إليهم فبلغتهم ما أمرتني به من توحيدك وعبادتك وحدك، فضل من ضل منهم، وقالوا ما لم أقله لهم، واهتدى من اهتدى منهم فلم يعبدوا معك أحدا من دونك، فإنهم عبادك وأنت ربهم الأولى والأحق بأمرهم ولست أنا ولا غيري من الخلق بأرحم بهم، ولا بأعلم بحالهم، وإنما تجزيهم بحسب علمك بظواهرهم وبواطنهم، فأنت أعلم بالمؤمن الموحد، والمشرك المثلث، والطائع الصالح، والعاصي الفاسق، والمقر للكفر والفسق والمنكر لهما، وأنت عالم الغيب والشهادة تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، ولا تظلم أحدا مثقال ذرة
فالمراد إذا إن تعذب فإنما تعذب من يستحق التعذيب منهم، ولا يمنع إرادة هذا المعنى إطلاق الضمير الراجع إلى جملتهم، فإنه ضمير الجنس الذي يصدق ببعض الأفراد وهو لم يرد بصيغة من صيغ العموم ولذلك أطلقه في المقابل، وهو قوله: (وإن تغفر لهم) إلخ، أي وإن تغفر فإنما تغفر لمن يستحق المغفرة منهم فإنك أنت العزيز، أي القوي الغالب على أمره، الحكيم في جميع تصرفه وصنعه، فيضع كل حكم وجزاء وفعل في موضعه وهو أعلم بموضع العدل، وموضع الرحمة والفضل.
وهذا التوجيه أظهر من قول بعضهم: إن تعذب من أشرك منهم فإنهم عبادك وإن تعذب من آمن منهم فإنك أنت العزيز الحكيم، فإن هذا تعيين لمن يعذبه ومن يغفر له ينافيه إطلاق ضمير الجنس في مقام التفويض الذي مهد له بالبراءة مما قالوه فيه وفي أمه. مخالفا لما بلغهم عن ربه، وإثبات أن الله تعالى هو الرقيب عليهم والشهيد على كل شيء يقع منهم ومن غيرهم،
فكأنه قال لربه: إنك أنت العليم الحكيم بما كان منهم مدة وجودي بينهم وبعد وفاتي وأنت الشهيد عليهم ولا شهادة أكبر ولا أصدق من شهادتك، فمهما توقعه فيهم من عذاب فلا دافع له من دونك ; إذ لا يوجد أحد أرحم منك بعبادك فيرحمهم أو يسألك أن ترحمهم ومهما تمنحهم من مغفرة فلا يستطيع أحد حرمانهم منها بحوله وقوته; لأنك أنت العزيز الذي يغلب ولا يغلب، ويمنع من شاء ما شاء ولا يمنع، ولا بتحويلك عن إرادتك فإنك أنت الحكيم الذي تضع كل شيء موضعه، فلا يمكن لأحد غيرك أن يرجعك عنه بناء على أن غيره أولى منه. فمن ذا الذي يستطيع الاستدراك أو الافتيات عليك؟.
فهذا بيان ما يقتضيه التفويض المطلق إلى الله تعالى وحده، بل أقول: إن في جزاء الشرط الأول إشارة إلى أن تعذيب من يظن المخلوقون أنهم يستحقون المغفرة إن وقع من الله فلا يكون إلا عدلا; لأنهم عباد الله المضافون إليه، ومن شأن هذه الإضافة أن تفيدهم مغفرة منه ورحمة، يدل على ذلك قوله تعالى:
{ يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون } [الزخرف: 68] { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم } [الزمر: 53] وأمثالهما من الآيات التي أضيف فيها لفظ عباد إلى الله، فإذا وقع عليهم العذاب فلا بد أن يكون سببه الذي خفي عن المخلوقين عظيما، فالأدب التفويض وفي جزاء الشرط الثاني إشارة إلى أن المغفرة إن أصابت من يظن المخلوقون إنه يستحق العذاب فلا تكون من الله تعالى إلا لغاية اقتضتها عزة الألوهية، وحكمة الربوبية فلا عبرة بالظواهر التي تبدو للمخلوقين بالنسبة إلى علم علام الغيوب وحكمته ولا سيما في ذلك اليوم، فالواجب أن يفوض إليه الأمر كله، يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء،
وبهذا تنجلي نكتة اختيار (العزيز الحكيم) هنا على (الغفور الرحيم) على خلاف ما يظهر بادئ الرأي من أسلوب القرآن في مراعاة مناسبة المقام في قرن الأسماء الإلهية بالأفعال والأحكام كما تقدم بيانه في تفسير
{ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم } [المائدة: 38-39] فذكر عيسى عليه السلام لاسمي الله (العزيز الحكيم) في جزاء شرطية المغفرة كذكره لكلمة (عبادك) في جزاء شرطية التعذيب، كل منهما وقع في محله الذي تقتضيه البلاغة في مقام التفويض فكان حجة له ولو أراد بكلامه الشفاعة والاسترحام لعكس، ولكل مقام مقال. ولولا هذا لكان كل منهما اعتراضا على الرب، أو تعريضا بحكمه جل وعز، وحاشا لعيسى عليه الصلاة والسلام من ذلك.
ولما غفل من غفل من المفسرين عن هذا مع تصريح بعضهم بأن الكلام في تفويض الأمر إلى الله تعالى استشكلوا العبارة، وحاروا فيما فهموه من دلالتها على جواز غفران الشرك، وطفقوا يتلمسون النكتة لترتيب الغفران على صفتي العزة والحكمة، دون ما يتبادر من ترتيبه على صفتي المغفرة والرحمة، واستنجدوا مذاهبهم الكلامية في ذلك فأنجدت مفسري الأشعرية بما استطالوا به على مفسري المعتزلة فقالوا: إن المعنى إن تعذبهم فإنهم عبيدك، والمالك يتصرف بعبده كما يشاء، فلا يسأل ولا يعترض عليه، وإن عذب أكملهم إيمانا وإسلاما وإحسانا،
وقال بعضهم: إن المراد فإنهم عبيدك الأرقاء إلى أسر ملكك، الضعفاء العاجزون عن الامتناع من عقابك، وإن تغفر لهم ما كان من شركهم وكفرهم وما يتبعه من سوء أعمالهم فإنك أنت القوي القادر على ذلك، الحكيم فيه من حيث إن المغفرة مستحسنة لكل مجرم: قاله أبو السعود:
وقال الآلوسي: والمغفرة للكافر لم يعدم فيها وجه حكمة لأن المغفرة حسنة لكل مجرم في المعقول، بل متى كان المجرم أعظم جرما كان العفو عنه أحسن لأنه أدخل في الكرم، وإن كانت العقوبة أحسن في حكم الشرع من جهات أخر اهـ. وظاهر هذا أن حكم الشرع في هذا الأصل من أصول الدين على خلاف المعقول وليس كذلك.
وأجاب الرازي عن الإشكال الموهوم بأربعة وجوه:
(الأول) أن ما ذكر في سؤال الله لعيسى يعلم منه أن قوما من النصارى حكوا عنه ما هو كفر وحاكي الكفر ليس بكافر بل مذنب بكذبه في هذه الحكاية فلهذا طلب المغفرة له.
وهذا وجه أملاه عليه ما اعتاد من الجدل في الألفاظ وهو غافل عن حال من حكى الله عنهم ذلك القول، وهو أنهم يدعون ألوهية المسيح، ويعبدونه ويعبدون أمه، وعن حال من حكوه هم عنه، وهو إنه رسول الله إليهم، وحكاية الشرك والكفر عن الرسول كفر في نفسه، ويستلزم إما الكفر بالرسول وإما الأخذ بما حكى عنه من الكفر.
(الثاني) قوله " إنه يجوز على مذهبنا من الله تعالى أن يدخل الكفار الجنة، وأن يدخل الزهاد والعباد النار; لأن الملك ملكه ولا اعتراض لأحد عليه، فذكر عيسى هذا الكلام ومقصوده منه تفويض الأمور كلها إلى الله وترك التعرض والاعتراض بالكلية، ولذا ختم الكلام بقوله: {فإنك أنت العزيز الحكيم} يعني أنت قادر على ما تريد، حكيم في كل ما تفعل، لا اعتراض لأحد عليك، فمن أنا والخوض في أحوال الربوبية. وقوله: " إن الله لا يغفر الشرك " فنقول: إن غفرانه جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة، قالوا: لأن العقاب حق الله على المذنب وفي إسقاطه منفعة للمذنب، وليس في إسقاطه على الله مضرة، فوجب أن يكون حسنا. بل دل الدليل السمعي في شرعنا على أنه لا يقع، فلعل هذا الدليل السمعي ما كان موجودا في شرع عيسى عليه السلام انتهى بحروفه.
وهذا الوجه مخالف للمعقول والمنقول من نصوص القرآن وصحاح الأحاديث من عدة وجوه لا حاجة في هذا الموضع إلى تفصيلها وترجيح مذهب السلف وأهل الأثر بها على مذهب الأشاعرة في موضوع إثبات العدل والحكمة لله تعالى لا عليه وتنزيهه عن ضدهما، ولا إلى بيان كون العدل والحكمة لا يعقل أن يتحققا فيمن لا فرق في أفعاله بين الأضداد، بحيث يكون الضدان عنده في الحسن والعدل والحكمة سواء.
ولكننا نقول: إن حاصل هذا الوجه أن عيسى عليه السلام يجيز ويستحسن الغفران للمشركين من قومه، بناء على أنه حسن معقول في نفسه، وأنه لا يوجد مانع يمنع منه في شرعه. وهذا يخالف نص قوله تعالى المتقدم في هذه السورة:
{ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار } [المائدة: 72] ثم إن هذا الوجه يقتضي اختلاف دين الله الواحد، في هذا الأصل من أصول العقائد، وأن تكون ملة محمد صلى الله عليه وسلم أبعد من ملة عيسى عليه رحمة الله ومغفرته والنصوص تدل على أنها أجدر من غيرها بهذه السعة، ومنها مسألة غفران الشرك لو كان مما يشرعه الله ويرضاه; لأن من جاء بها هو الذي خاطبه الله تعالى بقوله: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } [الأنبياء: 107] وقال فيه إنه يضع عن اليهود والنصارى إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.
وأما الوجه الثالث من أجوبته فمبني على جواز توبة من قالوا ذلك الكفر، وهو بديهي البطلان، ولو صح لقيل: إن المعهود في القرآن أن تقرن المغفرة للتائبين بذكر المغفرة والرحمة لا بذكر العزة والحكمة.
وأما الوجه الرابع فهو مبني على ما روي عن السدي مخالفا للجمهور من أن هذا السؤال والجواب في الآيات كانا بعد رفع عيسى إلى السماء (قال في تصويره) يعني: إن توفيتهم على الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك، وإن أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان وغفرت لهم ما سلف منهم فلك أيضا ذاك، وعلى هذا التقدير فلا إشكال اهـ.
وأقول: إن هذا الوجه أضعف من الوجه الذي قبله، فجميع ما أورده الرازي من الوجوه ضعيف، وما كان ليخفى ضعفها بل سقوطها وبطلان كثير من مسائلها على ذكائه النادر، واطلاعه الواسع، لولا عصبية المذاهب. ولكن قوله في أثناء شرح الوجه الثاني إن مقصد عيسى عليه السلام من كلامه تفويض الأمر إلى الله عز وجل هو الحق المبين، وقد هدانا الله تعالى إلى تفسيره، وشرح نكتة البلاغة فيه بأوضح تبيين.
وقد علم مما بيناه أن كلام عيسى عليه السلام لا يتضمن شيئا من الشفاعة لقومه، ويؤيد هذا عدة أحاديث
(منها) حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في صحيح مسلم
"أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تعالى في إبراهيم صلى الله عليه وسلم {رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني} [إبراهيم: 36] الآية. وقول عيسى عليه السلام: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} فرفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي. وبكى فقال الله عز وجل: يا جبرائيل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك فأتاه جبريل فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك" (ومنها) حديث ابن عباس في صحيح البخاري قال فيه: "ألا وإنه يجاء برجال من أمتي يوم القيامة فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم} إلى قوله: {الحكيم} قال فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم"
وفي حديث أبي هريرة عند البخاري وغيره بهذا المعنى زيادة " فأقول بعدا لهم وسحقا " وقد ورد هذا المعنى في عدة أحاديث في الصحاح والسنن في ألفاظها بعض اختلاف لا يغير المعنى. منها أن هؤلاء الذين أحدثوا بعده صلى الله عليه وسلم يذادون، أي يطردون عن الحوض. واختلف العلماء فيهم، فقيل: هم ارتدوا بعده عن الإسلام وقاتلهم أبو بكر، وقيل: هم المنافقون، وقيل: هم المبتدعة.
(ومنها) حديث أبي ذر عند أحمد والنسائي وابن مردويه
"أنه صلى الله عليه وسلم قام بهذه الآية {إن تعذبهم فإنهم عبادك} إلخ. حتى أصبح يركع بها ويسجد فسأله أبو ذر عن ذلك فقال: إني سألت ربي سبحانه الشفاعة فأعطانيها وهي نائلة إن شاء الله تعالى من لا يشرك بالله شيئا" .
فهذه الأحاديث تدل على أن مقام التفويض غير مقام الشفاعة وأن الشفاعة لا تنال أحدا يشرك بالله تعالى شيئا، وفاقا لما جاء به الوحي على لسان عيسى صلى الله عليه وسلم كما تقدم في هذه السورة، وعلى لسان محمد صلى الله عليه وسلم كما تقدم في آيتين من سورة النساء، ووفاقا للآيات التي تنفي الشفاعة في الآخرة بإطلاق أو تنفي قبولها، أو تقيدها على تقدير حصولها بمثل قوله تعالى: { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون } [الأنبياء: 28].
بعد ما تقدم من تفويض عيسى أمر قومه إلى ربه عز وجل بتلك العبارة البليغة، في إثر تلك الأجوبة السديدة، تتوجه النفس إلى معرفة ما يقوله الرب في ذلك اليوم العظيم، وتسأل عنه بلسان الحال أو المقال إن لم تسمعه، وذلك قوله عز وجل:
{قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} قرأ الجمهور " يوم " بالرفع وهو خبر هذا، أي قال الله تعالى: إن هذا اليوم هو اليوم الذي ينفع فيه الصادقين صدقهم في إيمانهم وشهاداتهم، وفي سائر أقوالهم وأحوالهم. وقرأه نافع بالنصب وقيل بالبناء على الفتح أي قال الله: هذا أي الذي قاله عيسى واقع أو كائن يوم ينفع الصادقين صدقهم. ثم بين هذا النفع بيانا مستأنفا فقال:
{لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم} الجملة الأولى تقدم تفسيرها مرارا، وأما الجملة الثانية فهي بيان للنعيم الروحاني بعد ذكر النعيم الجثماني، فإن رضا الله تعالى عنهم ورضاهم عنه هو غاية السعادة الأبدية في نفسه، وفيما يترتب عليه من عطاياه تعالى وإكرامه، ومن كونهم يكونون ناعمين بذلك الإكرام مغتبطين به، إذ لا مطلب لهم أعلى منه فتشتد أعناقهم إليه وتستشرف قلوبهم له حتى يتوقف رضاهم عليه، وأما كونه سعادة في نفسه فيعلم من حال كل من كان في كنف إنسان والد أو أستاذ أو قائد أو رئيس أو سلطان، فإن علمه برضاه عنه يجعله في غبطة وهناء وطمأنينة قلب، ويكون سروره وزهوه بذلك على قدر مقام رئيسه الراضي عنه، على حد البيت الذي يتمثل به الصوفية:

قوم تخالجهم زهو بسيدهم... والعبد يزهى على مقدار مولاه.

على أن مرضاة رؤساء الدنيا لا يستلزم رضاء المرءوسين دائما; لأن منهم الظالمين الذين لا يوفون أحدا حقه وإن كانوا راضين عنه، ورضوان أكرم الأكرمين يستلزم رضا من رضي هو عنه لأنه يعطيه أضعاف ما يستحق، وفوق ما يؤمل ويرجو، كما قال تعالى في سورة آلم السجدة: { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } [السجدة: 17] ورضوانه تعالى فوق كل شيء كما قال في سورة التوبة بمعنى ما هنا: { وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم } [التوبة: 72].
والفوز: الظفر بالمطلوب مع النجاة من ضده. أو مما يحول دونه وقال الراغب: الفوز الظفر بالخير مع حصول السلامة فمعناه مركب من سلب وإيجاب، كما يدل عليه قوله تعالى:
{ فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } [آل عمران: 185] وإطلاقه على الظفر بالمطلوب وحده كما في الآية التي نفسرها وآية التوبة التي بمعناها وما يشابهها مراعى فيه المعنى السلبي بالقرائن الحالية، كما يقال في الجيش الذي يغلب عدوه ويظفر بالغنائم منه! إنه فاز، وهو إذا نال مراده من هدم قلعة ودك حصن فهلك تحت أنقاضه فلا يقال إنه قد فاز، وإذا كان المهم في الفوز المعنى الإيجابي يعدى بالباء فيقال: فاز بكذا، وإذا كان المهم بيان المعنى السلبي يعدى بمن فيقال: فاز من الهلاك قال تعالى: { فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب } [آل عمران: 188] وإنما سميت الفلاة مفازة على سبيل التفاؤل لأنها مظنة بالهلاك.
والإشارة في قوله تعالى: {ذلك الفوز العظيم} إلى كل من النعيمين الجثماني والروحاني اللذين يحصلان بعد النجاة من أهوال يوم القيامة. وقيل: إنه للثاني فقط، والأول أصح لأنه الأكمل ولأن مثل هذا الإطلاق ورد في إثر إطلاق الجزاء بالجنة وحدها في آيتين من سورة التوبة غير الآية التي أوردناها آنفا، وفي إثر إطلاق الجزاء بالجنة مع النجاة من عذاب النار كما تراه في آخر سورة الدخان، وفي معناه ما في سورة المؤمن والحديد والصف والتغابن، فإن ذكر المغفرة فيها يتضمن معنى النجاة من عذاب النار. فنسأل الله الكريم الرحمن الرحيم، أن يجعلنا من أهل هذا الفوز العظيم، بفضله وإحسانه، وتوفيقنا لأسباب مرضاته.
ثم ختم جل جلاله هذه السورة بقوله: {لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير} وهو مناسب لما قبله مباشرة ومناسب لأن يكون ختاما لمجموع ما في هذه السورة. أما الأول: فلما بين ما لأهل الصدق عنده من الجزاء الحق في مقعد الصدق، بين عقبه سعة ملكه وعموم قدرته الدالين على كون ذلك الجزاء لا يقدر عليه غيره. وأما الثاني: فلما كان أكثر آيات هذه السورة في محاجة أهل الكتاب عامة، وبسط الحجج على بطلان أقوال النصارى في نبيهم خاصة، وسائرها في بيان أحكام الحلال والحرام، مع النص على إكمال الدين بالقرآن، وعلى وحدة الدين الإلهي واختلاف الشرائع والمناهج للأمم ولما كان كل من ذينك القسمين في الأصول والفروع قد تكرر فيه الوعد والوعيد، وقفى عليهما بذكر جمع الله تعالى للرسل يوم القيامة وسؤالهم عن التبليغ، وجواب أحدهم الدال على شهادتهم على أقوامهم بالحق، وتفويض أمرهم إلى الله عز وجل.
لما كان ما ذكر كما ذكر ناسب أن نختم هذه السورة ببيان كون الملك كله والقدرة كلها لله وحده وأن ملك السماوات والأرض وما فيهن لله وحده، كما يدل عليه تقديم الظرف وهو خبر المبتدأ وقد اختيرت كلمة " ما " في قوله " وما فيهن " على " من " الخاصة بمن يعقل، وهو الذي من شأنه أن يملك; لأن مدلولها أعم وأشمل، وللإشارة إلى أن يوم الجزاء الحق يستوي فيه من يعقل ومن لا يعقل، فلا يملك معه أحد شيئا، لا حقيقة ولا مجازا، ويدخل في ذلك المسيح وأمه اللذان عبدا من دون الله، فيتضمن الحصر التعريض بعبادتهما، وبالاتكال على شفاعتهما، إذ الملك والقدرة لله وحده
{ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } [البقرة: 255] وغاية الأمر أنهما من عباد الله المكرمين { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين } [الأنبياء: 26-29]. صدق الله العلي العظيم.
خلاصة سورة المائدة
انفردت هذه السورة بعدة مسائل في أصول الدين وفروعه، وبتفصيل عدة أحكام أجملت في غيرها إجمالا، وأكثرها في بيان شئون أهل الكتاب ومحاجتهم، ونحن نذكر قارئ تفسيرنا بخلاصتها مراعين مناسبة بعض المسائل لبعض لا على ترتيب ورودها في السورة، وجعلنا ذلك على قسمين:
(القسم الأول ما هو من قبيل الأصول والقواعد الاعتقادية أو العملية).
(1) أهم الأصول التي انفردت بها السورة، بيان إكمال الله تعالى للمؤمنين دينهم الذي ارتضى لهم بالقرآن، وإتمام نعمته عليهم بالإسلام [راجع ص 128 139 ج 6 ط الهيئة].
(2) النهي عن سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء من شأنها أن تسوء المؤمنين إذا أبديت لهم لما فيها من زيادة التكاليف مثلا [راجع ص 101 وما بعدها ج 7 ط الهيئة].
وقد علم من الآيات التي نزلت في هاتين المسألتين المتلازمتين أن كل حكم ديني من اعتقاد أو عبادة أو حلال أو حرام لم يدل عليه النص دلالة صريحة ولم تمض به السنة العملية من عهد النبي صلى الله عليه وسلم فليس من الدين الذي هو حجة الله على كل من بلغتهم دعوة الرسول، بحيث يطالبون به في الدنيا ويسألون عنه في الآخرة، كما فصلنا ذلك في تفسيرهما مع بيان الفرق بين الأحكام الدينية والدنيوية، وأما ما دل عليه الكتاب أو السنة دلالة غير صريحة ومنه أكثر ما اختلف أئمة العلم في دلالته فهو حجة على من فهم منه الحكم لا على كل أحد كما بيناه في تفسير آية تحريم الخمر.
(3) بيان أن هذا الدين الكامل مبني على العلم اليقيني في الاعتقاد والهداية في الأخلاق والأعمال، وأن التقليد باطل لا يقبله الله تعالى، كما هو صريح الآية 104 [راجع ص 172 ج 7 ط الهيئة] وتقدم مثلها في سورة البقرة.
(4) بيان أن أصول الدين الإلهي على ألسنة الرسل كلهم هي الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، فمن أقامها كما أمرت الرسل من أية ملة من ملل الرسل كاليهود والنصارى والصابئين فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم في الآخرة ولا هم يحزنون [راجع ص 394 ج 6 ط الهيئة] وتقدم لك مثل ذلك في سورة البقرة.
(5) وحدة الدين واختلاف شرائع الأنبياء ومنهجهم فيه.
(6) هيمنة القرآن على الكتب الإلهية [راجع ص 339 ج 6 ط الهيئة].
(7) بيان عموم بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بالتبليغ العام وكونه لا يكلف من حيث كونه رسولا إلا التبليغ. وأن من حجج رسالته أنه بين لأهل الكتاب كثيرا مما كانوا يخفون من كتبهم وهو قسمان: (أحدهما) ما ضاع منه قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بناء على الأصل المبين في هذه السورة وهو أنهم نسوا حظا عظيما مما ذكرهم الله به بإنزاله فيها. (وثانيهما) ما كانوا يكتمونه من الأحكام اتباعا لأهوائهم مع وجوده في الكتاب كحكم رجم الزاني، وقد بينا كلا من القسمين في موضعه من هذه السورة ولولا أن محمدا الأمي مرسل من عند الله لما علم شيئا من هذا ولا ذاك.
(8) عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم من الناس أن يضروه أو يقدروا على صده عن تبليغ رسالة ربه، وهذا من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم أيضا، فكم حاولوا قتله فأعياهم وأعجزهم [راجع ص 391، 392 ج 6 ط الهيئة].
(9) بيان أن الله أوجب على المؤمنين إصلاح أنفسهم أفرادها وجماعتها. وأنه لا يضرهم من ضل من الناس إذا هم استقاموا على صراط الهداية، أي لا يضرهم ضلاله في دنياهم لأن الله تعالى لا يجعل له سبيلا عليهم، ولا يضرهم في أمر دينهم وآخرتهم لأن الله تعالى لم يكلفهم إكراه الناس على الهدى والحق، ولا أن يخلقوا لهم الهداية خلقا، وإنما كلفهم أن يكونوا مهتدين في أنفسهم بإقامة دين الله تعالى في الأعمال الفردية والمصالح الاجتماعية، ومنها الدعوة إلى الحق والخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(10) تأكيد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما بينه الله تعالى من لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم وتعليله ذلك بأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه.
(11) نفي الحرج من دين الإسلام. [راجع ص 214، 223 ج 6 ط الهيئة].
(12) تحريم الغلو في الدين والتشدد فيه ولو بتحريم الطيبات وترك التمتع بها وتحريم الخبائث والاعتداء والإسراف في الطيبات. [راجع ص 405 ج 6، 16 28 ج 7 ط الهيئة].
(13) قاعدة إباحة الاضطرار للمحرم لذاته فيما يضطر إليه كالطعام ومنه أخذ الفقهاء قولهم: الضرورات تبيح المحظورات [راجع ص 139 ج 6 ط الهيئة].
(14) قاعدة التفاوت بين الخبيث والطيب وكونهما لا يستويان في الحكم، كما أنهما لا يستويان في أنفسهما وفيما يترتب عليهما، وهذا أصل عظيم من أصول التحليل والتحريم في الطعام وغيره يدل على تعليل الأحكام الشرعية بالحكم والمصالح. وعلى عدم استواء جزاء الخبيث والطيب من الناس عند الله عز وجل [راجع ص 103 ج 7 ط الهيئة] وما كان تعليل الأحكام وبيان حكمتها وفائدتها إلا لأجل توخيها كأحكام الطهارة وتحريم الخمر والميسر وبعض الطعام وأحكام الوصية والشهادة وإقسام الشهداء اليمين وإنك لتجد الذين يجهلون ذلك لإعراض عن حكم القرآن وأسرار السنة قد جعلوا أمر الوضوء والغسل تعبديا محضا لا يستلزم النظافة فعلا ولا قصدا، وزعموا أن تحريم الخمر تعبدي لا يدل على تحريم كل مسكر بناء على رأيهم أن الخمر ما كان من عصير العنب خاصة، فما القول في فهمهم لسائر الأحكام؟!.
(15) تحريم الاعتداء على قوم بسبب بغضهم وعداوتهم ; لأنه يجب على المؤمنين أن يلتزموا الحق والعدل ولا يكونوا كأهل السياسة المدنية. [راجع ص 106، 107، 227 ج 6 ط الهيئة].
(16) وجوب الشهادة بالقسم والحكم بالعدل والمساواة فيهما بين غير المسلمين كالمسلمين ولو للأعداء على الأصدقاء، وتأكيد وجوب العدل في سائر الأحكام والأعمال. [راجع ص 226، 326، 341، 348 ج 6 ط الهيئة].
(17) الأمر المطلق العام في أول السورة بالوفاء بالعقود التي يتعاقد الناس عليها في جميع معاملاتهم الدنيوية من شخصية ومدنية. وهذه قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة الإسلامية، وهي أن الله تعالى وكل أمر العقود التي يتعاملون بها إلى عرفهم ومواضعاتهم; لأنها من مصالحهم التي تختلف باختلاف الأحوال، فلم يقيدهم في أحكامها وشروطها بقيود دائمة إلا ما أوجبه الشرع مما لا يختلف الأحوال والعرف، كتحريم أكل أموال الناس بالباطل كالربا والقمار، فكل عقد يتعاقد عليه الناس لم يحل حراما ولم يحرم حلالا مما ثبت بالنص ولو اقتضاء فهو جائز.
(18) إيجاب التعاون على البر والتقوى، ومنه تأليف الجماعات الخيرية والعلمية وتحريم التعاون على الإثم والعدوان.
(19) بيان أن الله تعالى جعل الكعبة البيت الحرام قياما للناس في أمر دينهم ودنياهم، فهو جعل تكويني باعتبار وشرعي باعتبار آخر، وهو يدل على علمه الواسع المحيط بالأشياء والحكم والمصالح والمنافع.
(20) النهي عن موالاة المؤمنين للكافرين وبيان أن من آيات النفاق ومرض القلب المسارعة في موالاتهم من دون المؤمنين، خوفا أن تدور الدائرة على المؤمنين فتكون لهم يد عند أعدائهم يستفيدون بها منهم. [راجع ص 352، 353، 367، 368 ط الهيئة].
(21) تفصيل أحكام الوضوء والغسل والتيمم مع بيان أن الله تعالى يريد أن يطهر الناس ويزكيهم بما شرعه لهم من أحكام الطهارة وغيرها. وشمول الطهارة في آية الوضوء لطهارة الظاهر والباطن. وهذا يدل على أن أحكام الطهارة كلها معقولة المعنى كما أشرنا إليه في المسألة الرابعة عشرة، فيجب أن يتحرى بأداء ما ورد به الشرع ما تتحقق به الحكمة منه. ويدل على أن الوسوسة في الطهارة مذمومة مخالفة لنص الشرع ومقصده.
(22) تفصيل أحكام حلال الطعام وحرامه وبيان ما حرم منه لكونه خبيثا في ذاته كالميتة وما في معناها والخنزير وما حرم لسبب ديني كالذي يذبح للأصنام.
(23) تحريم الخمر وهو كل مسكر، والميسر وهو القمار، ومنه ما يسمى في عرف الناس اليوم بالمضاربات.
(24) أحكام محرمات الإحرام.
(25) تفصيل أحكام الصيد للمحرم وغيرهم في أوائل السورة وأواخرها.
(26) حدود المحاربين الذين يفسدون في الأرض، ويخرجون على أئمة العدل، وحد السرقة وما يتعلق بالحد كسقوطه بالتوبة بشرطه.
(27) أحكام الأيمان وكفارتها وأيمان الأمناء والشهود.
(28) تأكيد أمر الوصية قبل الموت، وأحكام الشهادة على الوصية وفي قضاياها وشهادة غير المسلم على المسلم، والفرق بين الشهادة والإشهاد، وإننا بعد الإطالة في تفسير الآيات في الوصية والشهادة فيها لخصنا مسائلها في 15 مسألة.
(29) الأمر بالتقوى في عدة آيات من هذه السورة تدخل في جمع الكثرة ; لأن صلاح أمور الدنيا والدين يتوقف على التزامها، وإنما يرجى بتكرار الأمر بها في كل سياق بحسبه.
(30) بيان تفويض أمر الجزاء في الآخرة إلى الله تعالى وحده كما حكاه سبحانه من قول المسيح في ذلك اليوم مقرونا بتعليله ودليله، وكون النافع في ذلك اليوم هو الصدق في الظاهر والباطن، جعلنا الله من أهله.
(القسم الثاني)
(ما ورد من الأخبار والحجاج والأحكام في شأن أهل الكتاب).
من الآيات في هذا القسم ما نزل في شأن أهل الكتاب عامة ومنه ما هو في أحد الفريقين خاصة. فمن المشترك: وصفهم بالغلو في دينهم المستلزم للتعصب الضار، وباتباعهم أهواء من ضل قبلهم من الوثنيين وغيرهم، وبالغرور في دينهم وزعمهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وبأنهم مع ذلك نقضوا ميثاق ربهم ونسوا حظا عظيما مما ذكرهم الله به على ألسنة أنبيائهم، ولم يقيموا التوراة والإنجيل كما أوجب الله عليهم، وقد فند دعواهم أنهم أبناؤه وأحباؤه بما يأتي ذكره قريبا وبين الله لهم حقيقة الأمر وهي أنهم بشر ممن خلق الله، لا مزية لهم على سائر البشر في أنفسهم وذواتهم; لأن البشر إنما يمتاز بعضهم على بعض بالعلوم الصحيحة والأخلاق الكريمة والأعمال الصالحة، لا بالنسب والانتماء إلى الأنبياء والصالحين وإن كانوا مخالفين لهم في هدايتهم.
وذكر من جزائهم على سوء أعمالهم في الدنيا إلقاء العداوة والبغضاء بينهم، وأنه يعذبهم في الدنيا بذنوبهم الشخصية والقومية كغيرهم، وأن ذلك يدحض دعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، ودعاهم كافة للإسلام، والإيمان بخاتم الرسل عليه الصلاة والسلام، الذي بين لهم حقيقة دينهم الذي كان عليه سلفهم، ودحض ما زادوا فيه بالبرهان، وبين بعض ما كانوا يخفون أو يجهلون منه أحسن بيان.
ووصف التوراة والإنجيل أحسن وصف. وذكر من أخبار التوراة قصة ابني آدم بالحق، ومن أحكامها عقوبات القتل وإتلاف الأعضاء والجروح، ومن أخبار الإنجيل والمسيح ما هو حجة على الفريقين، وبين أن الكتابين أنزلا نورا وهدى للناس، وأنهم لو كانوا أقاموهما لكانوا في أحسن حال، ولسارعوا إلى الإيمان بما أنزله الله على خاتم رسله مصدقا لأصلهما، ومبينا لما طرأ عليهما، ومكملا لدين الأنبياء جميعا، على سنة الله في النشوء والارتقاء، التي هي أظهر في البشر منها في سائر الأشياء، ولكنهم اتخذوا الإسلام هزؤا ولعبا في جملته وفي صلاته، ووالوا عليه المناصبين له من أعدائه، فنهى الله المؤمنين عن موالاتهم.
ومما جاء في اليهود خاصة نعيا عليهم وبيانا لسوء حالهم أنهم نقضوا ميثاق الله الذي أخذه عليهم في كتابهم ونسوا حظا عظيما مما ذكروا به، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وتركوا الحكم بالتوراة وأخفوا بعض أحكامها، وحكموا الرسول ولم يرضوا بحكمه الموافق لها،
وأن من صفاتهم الغالبة عليهم قساوة القلب، والخيانة والمكر، والكذب وقول الإثم، والمبالغة في سماع الكذب وأكل السحت، والسعي بالفساد في الأرض، وفي إيقاد نار الفتن والحرب.
وأنهم كانوا يقتلون الأنبياء والرسل بغير حق، وتمردوا على موسى إذ أمرهم بدخول الأرض المقدسة وقتال الجبارين فعاقبهم الله بالتيه في الأرض، وأنهم كانوا أشد الناس عداوة للمؤمنين، حتى أنهم يوالون عليهم المشركين، بسبب ما ورثوه من تلك الصفات عن الغابرين،
وذكر أنه عاقبهم على ذلك كله باللعن على ألسنة الرسل، وبالغضب والمسخ، وهذه الصفات التي غلبت عليهم في زمن البعثة وقبله تثبتها تواريخهم وتواريخ غيرهم، ومن المعلوم أنها لم تكن عامة فيهم ولا شاملة لجميع أفرادهم، فقد أنصفهم الحكم العدل في هذه السورة وغيرها بالحكم على الكثير منهم أو على أكثرهم. ومنه قوله في هذه السورة:
{ منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون } [المائدة: 66] وبينا في هذا الموضوع ما كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم من مساعدة اليهود للمسلمين في الشام والأندلس لعدلهم فيهم على النصارى الظالمين لهم.
ومما جاء في النصارى خاصة أنهم نسوا كاليهود حظا مما ذكروا به، وأنهم قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة، ورد عليهم هذه العقيدة بالأدلة العقلية، وببراءة المسيح منها ومن منتحليها يوم القيامة، وبين لهم حقيقة المسيح وأنه عبد الله ورسوله وروح منه، وما أيده به من الآيات، وحال حوارييه وتلاميذه في الإيمان، وبين أنهم أقرب الناس مودة للمؤمنين
{ ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون } [المائدة: 82] فليراجع تفسير ذلك في أول الجزء السابع.
وجملة الآيات الواردة في أهل الكتاب تشهد لنفسها أنها من عند الله تعالى لا من عند محمد بن عبد الله العربي الأمي الذي لم يقرأ شيئا من تلك الكتب، على أن تلك الآيات ليست موافقة لها ولهم موافقة الناقل للمنقول عنه، وإنما هي فوق ذلك تحكم لهم وعليهم وفيهم وفي كتبهم حكم المهيمن السميع العليم
أحكام السورة الخاصة بأهل الكتاب:
لو كان هذا القرآن من وضع البشر لشرع معاملة أهل الكتاب الموصوفين بما ذكر ولا سيما الذين ناصبوا الإسلام بالعداء عند ظهوره بأشد الأحكام وأقساها. ولكنه تنزيل من حكيم حميد، أمر في هذه السورة، بمعاملتهم بالعدل، والحكم بينهم بالقسط، وحكم بحل مؤاكلتهم، وتزوج نسائهم، وقبول شهادتهم، والعفو والصفح عنهم، وهذه الأحكام التي شرعت هذه المعاملة الفضلى لهم نزلت بعد إظهار اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين منتهى العداوة والغدر، وبعد أن ناصبوه مع المشركين الحرب، وهي تتضمن تأليف قلوبهم، واكتساب مودتهم [راجع ص 161، 162 ج 6 ط الهيئة]. وقد ختم الله تعالى السورة بذكر الجزاء في الآخرة بما يناسب أحكامها كلها، كما بيناه في تفسير آخر آية منها.
روى أحمد والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي في سننه وبعض رواة التفسير عن جبير بن نفير قال " حججت فدخلت على عائشة فقالت لي: يا جبير تقرأ المائدة؟ قلت: نعم، فقالت: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه. وروى أحمد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمرو قال " آخر سورة نزلت سورة المائدة والفتح وقد تقدم في آخر تفسير سورة النساء بعض ما ورد في آخر ما نزل من القرآن من السور برمتها ومن الآيات، وكان كل يروي ما وصل إليه علمه، والله أعلم.
(تم تفسير سورة المائدة).
(يقول محمد رشيد مؤلف هذا التفسير قد وفقني الله تعالى لإتمام تفسير هذه السورة في أوائل شهر ربيع الآخر سنة 1334 هـ وكنت بدأت بتفسيرها في مثل هذا الشهر من سنة 1331 وسبب هذا البطء أنني أكتب التفسير لينشر في مجلة المنار فتارة أفسر في الجزء منه بضع آيات، وتارة أفسر آية واحدة في عدة أجزاء وقد يمر شهر أو أكثر ولا أكتب في التفسير شيئا، وأسأل الله تعالى أن يوفقني لإتمام هذا التفسير بمنع العوائق والمباركة في الوقت وأن يؤيدني فيه بروح من عنده).