خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ ذٰلِكُمْ فِسْقٌ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٣
يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
٤
ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ
٥
-المائدة

تفسير المنار

قال - تعالى - في الآية الأولى من هذه السورة {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} ثم بين هذا الاستثناء بقوله: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به} الآية، وهذه المحرمات الثلاثة قد ذكرت بصيغة الحصر في سورة الأنعام بقوله، تعالى: { قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أوفسقا أهل لغير الله به } [الأنعام: 145] وفي سورة النحل بقوله عز وجل: { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به } [النحل: 115] وختم كلا من هاتين الآيتين بقوله: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم} وقد نزلت آية المائدة التي نحن بصدد تفسيرها بعد هاتين الآيتين، وليست ناسخة للحصر فيهما بزيادة المحرمات في قوله: {والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب} بل هذا شرح وتفصيل للميتة وما أهل به لغير الله كما سنبينه.
فمحرمات الطعام أربعة بالإجمال، وعشرة بالتفصيل، وهاك بيانها وحكمة تحريمها:
الأول: {الميتة}: يراد بالميت عند الإطلاق ما مات حتف أنفه; أي بدون فعل فاعل، والتأنيث هنا وفي قوله: والمنخنقة إلخ; لأنه وصف للشاة كما قالوا، وهي تطلق على الذكر والأنثى من الغنم، وإن كانت موضوعة في الأصل للأنثى، والمراد الشاة وغيرها من الحيوان المأكول، ولك أن تقدر البهيمة بدل الشاة ولفظها أعم، وهو الذي ورد في قوله: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} فلما كانت هذه الآية مبينة لما استثني من حل بهيمة الأنعام صار المناسب أن نقول: إن الميتة هنا صفة للبهيمة; أي حرمت عليكم البهيمة الميتة، والمراد من الميتة في عرف الشرع: ما مات ولم يذكه الإنسان لأجل أكله تذكية جائزة، فيدخل في عمومه جميع ما يأتي مع اعتبار قاعدة: إذا قوبل العام بالخاص يراد بالعام ما وراء الخاص.
وحكمة تحريم ما مات حتف أنفه; أنه يكون في الغالب ضارا; لأنه لا بد أن يكون قد مات بمرض أو ضعف، أو نسمة خفية مما يسمى الآن بالميكروب انحلت به قواه، أو ولد فيه سموما، وقد يعيش ميكروب المرض في جثة الميت زمنا، ولأنه مما تعافه الطباع السليمة وتستقذره، وتعده خبثا، والمشهور عند علمائنا أن سبب ضرر الميتة احتباس الرطوبات فيها، وفيه بحث سيأتي في الكلام على التذكية.
الثاني: {والدم}: والمراد به المسفوح، أي المائع الذي يسفح ويراق من الحيوان، وإن جمد بعد ذلك، بخلاف المتجمد في الطبيعة كالطحال والكبد، وما يتخلل اللحم عادة فإنه لا يعد مسفوحا، وحكمة تحريم الدم الضرر والاستقذار أيضا كما قيل في الميتة، أما كونه خبثا مستقذرا عند الناس فظاهر، وأما كونه ضارا; فلأنه عسر الهضم جدا ويحمل كثيرا من المواد العفنة الميتة التي تنحل من الجسم، وهي فضلات لفظتها الطبيعة كما تلفظ البراز، واستعاضت عنها بمواد حية جديدة من الدم، فالعود إلى التغذي بها يشبه التغذي بالرجيع، وقد يكون في الدم جراثيم بعض الأمراض المعدية، وهي تكون فيه أكثر مما تكون في اللحم، وكذا اللبن الذي أعده الخالق الحكيم في أصل الطبيعة للتغذي به، ومع هذا ترى الأطباء متفقين على وجوب غلي اللبن; لأجل قتل ما عساه يوجد فيه من جراثيم الأمراض المعدية، والدم لا يغلى كما يغلى اللبن، بل يجمد بقليل من الحرارة، وحينئذ تبقى جراثيم المرض فيه حية تؤثر في الجسم الذي تدخله. فإن قيل: إن المشهور عن الأطباء أن الدم مادة الحياة الحيوانية الفعالة في الصحة; فإذا أمكن للإنسان أن يضيف دم غيره من الأحياء إلى دمه فالقياس أنه لا يزيده ذلك إلا صحة وقوة. فالجواب: أن هذا لا يؤخذ على إطلاقه، ولم يثبت عند الأطباء أن شرب الدم المسفوح، أو أكله بعد أن يجمد بنفسه أو بالطبخ، مفيد للصحة والقوة، ولا أنه يزيد الدم; ولذلك لا يفعلونه ولا يأمرون الناس به، ولا يقولون: إن معد الناس تقوى على هضمه والتغذي به بسهولة، وإنما يتولد الدم مما يهضم من الطعام، نعم يمكن أن يحقن ضعيف الدم بدم حيوان سليم، فيزيده ذلك قوة، وهذا غير محرم، ولا مما نحن فيه.
الثالث: {ولحم الخنزير} وحكمة تحريمه ما فيه من الضرر، وكونه مما يستقذر أيضا، وإن كان استقذاره ليس لذاته كالميتة والدم، بل هو خاص بمن يتذكر ملازمته للقاذورات ورغبته فيها; ولهذا المعنى ورد النهي عن أكل الجلالة وشرب لبنها، وهي التي تأكل العذرة والجلة، أي البعر (والجلالة صيغة مبالغة، وهي كالجلة بفتح الجيم وتشديد اللام) فروى أحمد وأصحاب السنن الثلاثة، وصححه الترمذي منهم، كما صححه البيهقي عن ابن عباس:
" نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم عن شرب لبن الجلالة " وروي بلفظ: " وعن أكل الجلالة وشرب ألبانها " وصححه ابن دقيق العيد، وروى أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه عن ابن عمر مثله، قال: " نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها" . وقد اختلف في وصله وإرساله، واختلف العلماء في النهي عن الجلالة من الأنعام وغيرها; كالدجاج والأوز، هل العبرة بعلفها قلة وكثرة، أم العبرة برائحة لحمها؟ وهل النهي للتحريم أم للكراهة؟ وقال بعض أئمة الفقه: لا تؤكل حتى تحبس عن أكل القذر أياما، واختلفوا في مدة الحبس، وكان ابن عمر يحبس الدجاجة ثلاثا، ولم ير بأكلها بأسا، والغرض من هذا، أن الإسلام طيب أحل الطيبات، وحرم الخبائث، وبالغ في أمر النظافة، فلا غرو إذا عد أكل الخنزير للقاذورات علة أو حكمة من علل تحريم لحمه أو حكمها وإن لم يترتب عليه ضرر، فكيف إذا ترتب عليه ضرر عظيم.
وأما كون أكل لحم الخنزير ضارا فهو مما يثبته الطب الحديث. وجل ضرره ناشئ من أكله للقاذورات، فمنه أنه يولد الديدان الشريطية، كالدودة الوحيدة نعوذ بالله منها، وسبب سريان ذلك إليه أكل العذرة، ومنه أنه يولد دودة أخرى يسميها الأطباء الشعرة الحلزونية، وهي تسري إلى الخنزير من أكل الفيران الميتة; ومنه أن لحمه أعسر اللحوم هضما لكثرة الشحم في أليافه العضلية، وقد تحول الأنسجة الدهنية التي فيه دون عصير المعدة، فيعسر هضم المواد الزلالية للعضلات، فتتعب معدة آكله، ويشعر بثقل في بطنه واضطراب في قلبه، فإن ذرعه القيء فقذف هذه المواد الخبيثة، وإلا تهيجت الأمعاء وأصيب بالإسهال، ولولا العادة التي تسهل على كثير من الناس تناول السموم أكلا وشربا وتدخينا، ولولا ما يعالجون به لحم الخنزير; لتخفيف ضرره - لما أمكن الناس أن يأكلوه، ولا سيما أهل البلاد الحارة، ومن أراد أن يعرف كنه الضرر الذي ذكرناه مفصلا بعض التفصيل فليراجع المجلد السادس من المنار (ص 302 - 308).
فإن قلت: إن آية الأنعام عللت تحريم أكل لحم الخنزير بكونه رجسا، فهل معنى ذلك أكله للقذر، أم ما فيه من الضرر؟ فاعلم أن لفظ " الرجس " يطلق على كل ضار مستقبح حسا أو معنى، فيسمى النجس رجسا، ويسمى الضار رجسا، ومن الأخير قوله تعالى:
{ إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان } [المائدة: 90] فتعليل آية الأنعام يشمل الأمرين اللذين ذكرناهما معا، فهي من إيجاز القرآن الذي لا يصل الناس إلى شرحه وتفصيله، إلا باتساع دائرة علومهم وتجاربهم.
الرابع: {وما أهل لغير الله به}: وهذا هو الذي حرم لسبب ديني محض، لا لأجل الصحة والنظافة كالثلاثة الماضية، والمراد به ما ذبح أو نحر على ذكر غير الله - تعالى - من المخلوقات التي يعظمها الناس تعظيما دينيا، ويتقربون إليها بالذبائح. والإهلال: رفع الصوت; يقال أهل فلان بالحج: إذا رفع صوته بالتلبية له، ومنه استهل الصبي: إذا صرخ عند الولادة، وكانوا يذبحون لأصنامهم، فيرفعون صوتهم بقولهم: باسم اللات أو باسم العزى، وحكمة تحريم أكل هذا أنه من عبادة غير الله تعالى، فالأكل منه مشاركة لأهله فيه ومشايعة لهم عليه، وهو مما يجب إنكاره لا إقراره، ورفع الصوت ليس هو علة التحريم ولا شرطا له، بل هو لبيان الواقع، وإنما سبب التحريم ما ذكرناه من كونه من عبادة غير الله تعالى، ويدخل فيما أهل به لغير الله ما ذكر عند ذبحه اسم نبي من الأنبياء، أو ولي من الأولياء، كما يفعل بعض أهل الكتاب وجهلة المسلمين الذين اتبعوا سنن من قبلهم شبرا بشبر وذراعا بذراع.
الخامس: {والمنخنقة} قال صاحب القاموس: " خنقه خنقا (ككتف) وخنقا فهو خنق أيضا (أي: ككتف) وخنق ومخنوق، كخنقه فاختنق، وانخنقت الشاة بنفسها " وقد روى ابن جرير في تفسير المنخنقة أقوالا عن مفسري السلف في هذا المعنى، فعن السدي أنها التي تدخل رأسها بين شعبتين من شجرة، فتختنق فتموت، وعن ابن عباس والضحاك: التي تختنق فتموت، وعن قتادة: التي تموت في خناقها.
وفي رواية عن الضحاك: الشاة توثق فيقتلها خناقها، وفي رواية أخرى عن قتادة: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة حتى إذا ماتت أكلوها، قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: هي التي تختنق إما في وثاقها، أو بإدخال رأسها في الموضع الذي لا تقدر على التخلص منه فتختنق حتى تموت، وإنما قلنا: إن ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك من غيره; لأن المنخنقة هي الموصوفة بالانخناق دون خنق غيرها لها. ولو كان معنيا بذلك أنها مفعول بها لقيل: والمخنوقة، حتى يكون معنى الكلام ما قالوا. اهـ. وهو المختار عندنا; لأنه هو المعنى اللغوي المنطبق على حكمة الشارع.
ويغلط من يقول: إن فعل الانخناق هنا مما يسمونه فعل المطاوعة، كما قال الصرفيون في مثل: كسرته فانكسر، ويتوهم من لا ذوق له في اللغة أن هذه الصيغة لا تجيء إلا لما كان أثرا لفعل فاعل مختار; ككسرته فانكسر.
والصواب أن هذه فلسفة باطلة، وأن العربي القح إنما يقول: انكسر الشيء إذا كان يعلم أنه انكسر بنفسه، أو يجهل من كسره، إلا إذا كان المقام مقام تعبير عن شيء تعاصى كسره على الكاسرين ثم انكسر بفعل أحدهم، وهذا لا يتأتى إلا في بعض المواد.
وأرى ذوقي يوافق في مادة الخنق ما يفهم من عبارة القاموس من أن مطاوع خنق هو اختنق من الافتعال، وأن انخنق لا يفهم منه إلا ما كان بفعل الحيوان بنفسه كما قال ابن جرير. ويؤيد هذا الفهم الذي جزم ابن جرير بأنه هو الصواب: الجمع به بين هذه الزوائد في سورة المائدة، وبين حصر المحرمات في الأربعة الأولى منها، فالمنخنقة بهذا المعنى من قبيل ما مات حتف أنفه من حيث إنه لم يمت بتذكية الإنسان له لأجل أكله، فهي داخلة في عموم الميتة بالمعنى الشرعي الذي بيناه في تفسيرها، وإنما خصها بالذكر لأن بعض العرب في الجاهلية كانوا يأكلونها، ولئلا يشتبه فيها بعض الناس; لأن لموتها سببا معروفا، وإنما العبرة في الشرع بالتذكية التي تكون بقصد الإنسان لأجل الأكل حتى يكون واثقا من صحة البهيمة التي يريد التغذي بها، ولو أراد - تعالى - بالمنخنقة: المخنوقة بفعل الإنسان لعبر بلفظ المخنوقة أو الخنيق; لأنه حينئذ يفيد أن الخنق وإن كان ضربا من التذكية بفعل الفاعل لا يحل، ويفهم منه تحريم المنخنق بالأولى، بل يفهم من لفظ الميتة أيضا كما تقدم، فالعدول إلى صيغة المنخنقة لا تعقل له حكمة إلا الإشعار بكون المنخنقة في معنى الميتة.
السادس: {والموقوذة} وهي التي ضربت بغير محدد حتى انحلت قواها وماتت. قال في القاموس: الوقذ: شدة الضرب، قال شارحه: وفي البصائر للمصنف الموقوذة: هي التي تقتل بعصا أو بحجارة لا حد لها، فتموت بلا ذكاة. اهـ. وشاة وقيذ وموقوذة، والوقذ أيضا: الشديد المرض المشرف على الموت، وما نقله ابن جرير من أقوال مفسري السلف موافق لهذا، وهو أن الوقيذ ما ضرب بالخشب أو العصا، وكانوا يأكلونها في الجاهلية، والوقذ محرم في الإسلام لأنه تعذيب للحيوان وقد قال، صلى الله عليه وسلم:
"إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن شداد بن أوس. فلما كان الوقذ محرما حرم ما قتل به، ثم إن الموقوذة تدخل في عموم الميتة الشرعية على الوجه الذي فسرناها به أخذا من مجموع النصوص، فإنها لم تذك تذكية شرعية لأجل الأكل.
قال الرازي: ويدخل في الموقوذة ما رمي بالبندق فمات، وهي أيضا في معنى المنخنقة; فإنها ماتت ولم يسل دمها. اهـ. فأما ما قاله في البندق وهو ما يتخذ من الطين فيرمى به بعد يبسه فعليه الجمهور؛ عملا بحديث الصحيحين عن عبد الله بن مغفل، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الخذف، وقال:
"إنها لا تصيد صيدا ولا تنكأ عدوا، ولكنها تكسر السن وتفقأ العين" والخذف بالخاء المعجمة: الرمي بالحصا والخزف وكل يابس غير محدد، سواء رمي باليد أو المخذفة والمقلاع، وهو في معنى الوقذ; لأنه يعذب الحيوان ويؤذيه، ولا يقتله، فالعلة في النهي عنه منصوصة في الحديث، وهو أنه تعذيب للحيوان، وليس سببا مطردا ولا غالبا في القتل بخلاف بندق الرصاص المستعمل في الصيد الآن فإنه يصيد وينكأ; ولذلك أفتى بجواز الصيد به المحققون من المتأخرين. وأما قوله - أي الرازي -: (وهي في معنى المنخنقة; فإنها ماتت ولم يسل دمها)، فهو تعليل مردود لأن سيلان الدم سبب لحل الحيوان ولكنه ليس شرطا، بدليل حل ما صادته الجوارح فجاءت به ميتا، ولم يشترط أن تجرحه في نص، ولم يقل به أئمة الفقه كما سيأتي.

السابع: {والمتردية} وهي التي تقع من مكان مرتفع أو منخفض فتموت، قال ابن جرير: " يعني بذلك جل ثناؤه وحرمت عليكم الميتة ترديا من جبل أو بئر أو غير ذلك، وترديها رميها بنفسها من مكان عال شرف إلى أسفله. اهـ. وهذا التفسير يدخل المتردية في الميتة بحسب معناها الذي بيناه، إذ لم يكن للإنسان عمل في إماتتها ولا قصد به إلى أكلها.
الثامن: {والنطيحة} وهي التي تنطحها أخرى فتموت من النطاح من غير أن يكون للإنسان عمل في إماتتها، كما سبق القول فيما قبلها، وفيها بحث لفظي وهو أنها بمعنى المنطوحة، وصيغة " فعيل " إذا كانت بمعنى اسم المفعول يستوي فيها المذكر والمؤنث فلا تحتاج إلى التاء، إذ تقول العرب: عين كحيل، لا: كحيلة، و: كف خضيب، لا: خضيبة. وقد أجاب بعض البصريين عن هذا بأن التاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية، وجعله بعضهم: من استعمال " فعيل " بمعنى " فاعل " كأنه قال: والناطحة التي تموت بالنطاح; أي تنطح غيرها وتنطحها فتموت. وقال الكوفيون: إنما يمتنع إلحاق التاء بفعيل بمعنى مفعول إذا كان وصفا لموصوف مذكور، كعين كحيل، فأما إذا لم يسبق للموصوف ذكر فلا يمتنع.
التاسع: {وما أكل السبع} أي: ما قتله بعض سباع الوحوش كالأسد والذئب; ليأكله، وأكله منه ليس شرطا للتحريم، فإن فرسه إياه يلحقه بالميتة، كما علم مما مر.
وكانوا في الجاهلية يأكلون بعض فرائس السباع، وهو مما تأنفه أكثر الطباع، ولا يزال الناس يعدون أكله ذلة ومهانة، وإن كانوا لا يخشون منه ضررا.
ثم قال تعالى: {إلا ما ذكيتم} وقد اختلف فيه المفسرون، هل هو استثناء من جميع المحرمات التي يتوقف حلها على تذكية الإنسان لها، أي إماتتها إماتة شرعية لأجل أكلها، أم هو استثناء من الأخير، وهو ما أكل السبع؟ أم هو استثناء من التحريم دون المحرمات; يقصد به أنه حرم عليكم ما ذكر إلا ما ذكيتم; أي ولكن لم يحرم عليكم ما ذكيتموه بفعلكم مما يذكى؟ والأول هو الظاهر المتبادر، ورجحه ابن جرير بعد ذكره وذكر الثالث، وجعله بعضهم استثناء من المنخنقة والثلاث بعدها; لأن ما أهل به لغير الله، وما ذبح على النصب لا شأن للتذكية فيهما، قال ابن جرير:
وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب القول الأول وهو أن قوله: {إلا ما ذكيتم} استثناء من قوله: {وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع} لأن كل ذلك مستحق الصفة التي هو بها قبل حال موتها، فيقال لما قرب المشركون لآلهتهم فسموه لهم: هو ما أهل به لغير الله، وكذلك المنخنقة إذا انخنقت وإن لم تمت فهي منخنقة، وكذلك سائر ما حرمه الله - تعالى - ما عدا ما أهل به لغير الله إلا بالتذكية المحللة دون الموت بالسبب الذي كان به موصوفا. اهـ.
ثم أورد ابن جرير سؤالا وأجاب عنه، فقال: فإن قال لنا قائل: فإذا كان ذلك معناه عندك فما وجه تكريره ما كرر بقوله: {وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية} وسائر ما عدد تحريمه في هذه الآية، وقد افتتح الآية بقوله: {حرمت عليكم الميتة}؟ وقد علمت أنه شامل كل ميت كان موته حتف أنفه من علة به غير جناية أحد عليه؟ أو كان موته من ضرب ضارب إياه، أو انخناق منه أو انتطاح أو فرس سبع، وهلا كان قوله - إن كان الأمر على ما وصفت في ذلك من أنه معني بالتحريم في كل ذلك الميتة بالانخناق والنطاح والوقذ وأكل السبع أو غير ذلك، دون أن يكون معنيا به تحريمه إذا تردى أو انخنق أو فرسه السبع، فبلغ ذلك منه ما يعلم أنه لا يعيش مما أصابه منه إلا باليسير من الحياة {حرمت عليكم الميتة} - مغنيا من تكرير ما كرر بقوله: {وما أهل لغير الله به والمنخنقة} وسائر ما ذكر مع ذلك، وتعديده ما عدد؟ قيل: وجه تكراره ذلك، وإن كان تحريم ذلك إذا مات من الأسباب التي هو بها موصوف، وقد تقدم بقوله: {حرمت عليكم الميتة} أن الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا لا يعدون الميتة من الحيوان إلا ما مات من علة عارضة به غير الانخناق والتردي والانتطاح وفرس السبع، فأعلمهم الله أن حكم ذلك حكم ما مات من العلل العارضة، وأن العلة الموجبة تحريم الميتة ليست موتها من علة مرض أو أذى كان بها قبل هلاكها، ولكن العلة في ذلك أنها لم يذبحها من أحل ذبيحته بالمعنى الذي أحلها به. اهـ.
وقد أيد رأيه هذا برواية عن السدي في المنخنقة وما بعدها، قال: هذا حرام لأن ناسا من العرب كانوا يأكلونه، ولا يعدونه ميتا، إنما يعدون الميت الذي يموت من الوجع، فحرمه الله عليهم إلا ما ذكروا اسم الله عليه، وأدركوا ذكاته وفيه الروح. اهـ.
وقد أخطأ ابن جرير في سياقه هذا بما ذكر من العلة، وبالتعبير فيه بلفظ الذبح بدل لفظ التذكية الذي هو تعبير القرآن، والتذكية أعم من الذبح كما سيأتي، وقد ثبت أن المتردية في بئر إذا طعنت في أي جزء من بدنها، فكان ذلك هو المتمم لموتها عد تذكية، وحل أكلها، وما هو بالذي يجهل هذا، ولكن الاستعمال الغالب ينسي الإنسان غيره أحيانا فيعبر به وقد يريد به المثال، ثم إن ذلك من الميتة، وهي أخص من عبارته هو.
وأقول: إنه ليس المراد بذلك أنهم لا يعدونها من الميتة لغة، بل المراد أن العرب كانت تعاف أكل الميتة، إلا أن بعضهم كان لا يعاف منها إلا ما جهل سبب موته، وأما ما عرف - كالمنخنقة والموقوذة إلى آخر ما ذكر في الآية - فلم يكونوا يعافونه.
وجملة القول في أصل المسألة: أن الله - تعالى - أحل أكل بهيمة الأنعام، وسائر الطيبات من الحيوان: ما دب منه على الأرض وما طار في الهواء وما سبح في البحر، ولم يحرم على سبيل التعيين إلا الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله. ولما كان بعض العرب يذبح الحيوان على اسم غير الله، وهو شرك وفسق، وبعضهم يأكل بعض أنواع الميتة، بل كان بعضهم يأكل كل ميتة، سهل ذلك عليه عدمه وفقره، وهم الذين كانوا يقولون لم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله، ولما كان ذلك مظنة الضرر وفيه شيء من مهانة النفس، جعل الله - تعالى - حل أكل المسلم لذلك منوطا بأن يكون إتمام موته والإجهاز عليه بفعله هو; ليذكر اسم الله على ما بدئ بالإهلال به لغير الله عند إزهاق روحه، فلا يكون من عمل الشرك، ولئلا يقع في مهانة أكل الميتة وخسة صاحبها بأكله المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وفريسة السبع، وناهيك بما في الموقوذة من إقرار واقذها على قسوته وظلمه للحيوان، وهو محرم شرعا.
ويكفي في صحة إدراك ذكاة ما ذكر أن يكون فيه رمق من الحياة عند جمهور مفسري السلف، وقال بعض الفقهاء: لا بد أن تكون فيه حياة مستقرة، وعلامتها انفجار الدم والحركة العنيفة. روى ابن جرير عن الحسن أنه قال في بيان ما تدرك ذكاته من هذه الأشياء: إذا طرفت بعينها أو ضربت بذنبها، وفي رواية أخرى عنه عنده: إذا كانت الموقوذة تطرف ببصرها أو تركض - تضرب - برجلها أو تمصع بذنبها - تحركه - فاذبح وكل. وعن قتادة في قوله: {إلا ما ذكيتم} قال: فكل هذا الذي سماه الله، عز وجل، ههنا ما خلا لحم الخنزير إذا أدركت منه عينا تطرف أو ذنبا يتحرك أو قائمة تركض فذكيته فقد أحل الله ذلك. وفي رواية أخرى عنه: إلا ما ذكيتم من هذا كله، فإذا وجدتها تطرف عينها أو تحرك أذنيها من هذا كله فهي لك حلال، وعن علي كرم الله وجهه قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة، وهي تحرك يدا أو رجلا، فكلها. وفي رواية أخرى عنه عنده أيضا: إذا ركضت برجلها أو طرفت بعينها أو حركت ذنبها فقد أجزى. وعن الضحاك: كان أهل الجاهلية يأكلون هذا فحرم الله في الإسلام إلا ما ذكي منه، فما أدرك فتحرك منه رجل أو ذنب أو طرف، فذكي فهو حلال.
وروي القول الآخر عن مالك قال: حدثني يوسف عن أشهب، قال: سئل مالك عن السبع يعدو على الكبش، فيدق ظهره، أترى أن يذكى قبل أن يموت فيؤكل؟ قال: إن كان بلغ السحر فلا أرى أن يؤكل، وإن كان إنما أصاب أطرافه، فلا أرى بذلك بأسا، قيل له: وثب عليه فدق ظهره، قال: لا يعجبني أن يؤكل، هذا لا يعيش منه، قيل له: فالذئب يعدو على الشاة فيشق بطنها، ولا يشق الأمعاء، قال: إذا شق بطنها، فلا أرى أن تؤكل، (قال ابن جرير) وعلى هذا القول يجب أن يكون قوله: إلا ما ذكيتم استثناء منقطعا، ثم بين أن هذا مرجوح، وأن الصواب غيره، وقد نقلنا عبارته في أول هذا البحث.
أما الذكاء والذكاة والتذكية والإذكاء فمعناها في أصل اللغة: إتمام فعل خاص أو تمامه، لا مجرد إيقاع ذلك الفعل أو وقوعه، يقال: ذكت النار تذكو ذكوا وذكا وذكاء: إذا تم اشتعالها، والشمس إذا اشتدت حرارتها كأتم ما يعتاد وأكمله، وذكى الرجل - كرمى ورضى - نمت فطنته، وأذكى النار وذكاها تذكية. وذكى البهيمة: إذا أزهق روحها، وإن بدأ بذلك غيره، أو عرضت لها علة توجبه لو تركت، إذ العبرة بالتمام، قال في لسان العرب: الذكاء شدة وهج النار، يقال: ذكيت النار: إذا أتممت إشعالها ورفعها. وكذلك قوله تعالى: {إلا ما ذكيتم} ذبحه على التمام، والذكا تمام إيقاد النار مقصور يكتب بالألف. اهـ.
أقول: ذكر الذبح مثال، ومثله غيره مما تتم به الإماتة; كنحر البعير وطعن المتردية في البئر والحفرة، وخنق الجارح الصيد. والذكاء: السن - العمر - أيضا. يقال: بلغت الدابة الذكاء أي السن، وأصله أنهم يعرفون أعمارها برؤية أسنانها، ومنه: " جري المذكيات غلاب " وهي الخيل تمت قوتها، وأشرفت على النقص; فهي تغالب الجري مغالبة، وذكى الرجل - بالتشديد - أسن وبدن. وفي السن معنى التمام، قال في اللسان: وتأويل تمام السن النهاية في الشباب، فإذا نقص عن ذلك أو زاد فلا يقال له الذكاء، والذكاء في الفهم: أن يكون فهما سريع القبول. ابن الأنباري في ذكاء الفهم والذبح: إنه التمام، وإنهما ممدودان. اهـ. ثم نقل أقوالا عن اللغويين في كون الذبح والنحر ذكاة، وذكر أقوال بعضهم في تفسير الآية، وقال: وأصل الذكاة في اللغة إتمام الشيء; فمن ذلك: الذكاء في السن والفهم. اهـ.
وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - خزق حديدة المعراض وقتل الكلب (ونحوه) للصيد ذكاة; ففي حديث عدي بن حاتم في الصحيحين وغيرهما:
"إذا رميت بالمعراض فخزق، فكله، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله" ، وفي رواية: "إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله؛ فإن أخذ الكلب ذكاة" ، قال صاحب منتقى الأخبار عند إيراد هذا الحديث المتفق عليه: وهو دليل على الإباحة سواء قتله الكلب جرحا أو خنقا، والمعراض - كما في اللسان - بالكسر: سهم يرمى به بلا ريش ولا نصل يمضي عرضا; فيصيب بعرض العود لا بحده. اهـ. وإنما يصيب بحده، أي طرف العود الدقيق الذي يخزق، أي يخدش، إذا كان الصيد قريبا كما في شرح القاموس. وقيل: هو خشبة ثقيلة في آخرها عص محدد رأسها، وقد لا يحدد، وقوى هذا القول النووي في شرح مسلم تبعا للقاضي عياض. وقال القرطبي: إنه المشهور. وقال ابن التين: المعراض: عصا في طرفها حديدة يرمي بها الصائد، فما أصاب بحده فهو ذكي فيؤكل، وما أصاب بغير حده فهو وقيذ. اهـ. والأول أظهر وهو المقدم في معاجم اللغة، ولعل للمعراض أنواعا. والشاهد أن خدش المعراض وقتل الكلب يعد تذكية لغة وشرعا; لأنه مما يدخل في قصد الإنسان إلى قتل الحيوان لأجل أكله لا تعذيبه، وفي حديث أبي ثعلبة عند مسلم مرفوعا: إذا رميت بسهمك فغاب عنك فأدركته فكله ما لم ينتن.
ولما كانت التذكية المعتادة في الغالب لصغار الحيوانات المقدور عليها، هي الذبح - كثر التعبير به، فجعله الفقهاء هو الأصل وظنوا أنه مقصود بالذات لمعنى فيه، فعلل بعضهم مشروعية الذبح بأنه يخرج الدم من البدن الذي يضر بقاؤه فيه، لما فيه من الرطوبات والفضلات، ولهذا اشترطوا فيه قطع الحلقوم والودجين والمريء على خلاف بينهم في تلك الشروط. وإن هذا لتحكم في الطب والشرع بغير بينة، ولو كان الأمر كما قالوا لما أحل الصيد الذي يأتي به الجارح ميتا، وصيد السهم والمعراض إذا خزق; لأن هذا الخزق لا يخرج الدم الكثير كما يخرجه الذبح.
والصواب أن الذبح كان ولا يزال أسهل أنواع التذكية على أكثر الناس; فلذلك اختاروه وأقرهم الشرع عليه; لأنه ليس فيه من تعذيب الحيوان ما في غيره من أنواع القتل، كما أقرهم على صيد الجوارح والسهم والمعراض ونحو ذلك، وإني لأعتقد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو اطلع على طريقة للتذكية أسهل على الحيوان ولا ضرر فيها - كالتذكية بالكهربائية إن صح هذا الوصف فيها - لفضلها على الذبح، لأن قاعدة شريعته أنه لا يحرم على الناس إلا ما فيه ضرر لأنفسهم أو غيرهم من الأحياء، ومنه تعذيب الحيوان بالوقذ ونحوه، وأمور العادات في الأكل واللباس ليست مما يتعبد الله الناس تعبدا بإقرارهم عليه، وإنما تكون أحكام العبادة بنصوص من الشارع تدل عليها، ولا يعرف مراد الشارع وحكمته في مسألة من المسائل إلا بفهم كل ما ورد فيها بجملته، ولو كان إقرار الناس على الشيء من العادات أو استئناف الشارع لها حجة على التعبد بها، لوجب على المسلمين اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - في كيفية أكله وشربه ونومه، بل هنالك ما هو أجدر بالوجوب كالتزام صفة مسجده، وحينئذ يحرم فرشه ووضع السرج والمصابيح فيه.
وقد تأملنا مجموع ما ورد في التذكية، ففقهنا أن غرض الشارع منها اتقاء تعذيب الحيوان بقدر الاستطاعة، فأجاز ما أنهر الدم وما مراه أو أمراه أو أمره، وهو دون " أنهره " في معنى إخراجه أو إسالته، وأمر بأن تحد الشفار، وألا يقطع شيء من بدن الحيوان قبل أن تزهق روحه، وأجاز النحر والذبح حتى بالظرار; أي بالحجارة المحددة، وبالمرو، أي الحجر الأبيض، وقيل الذي تقدح منه النار، وبشق العصا، وهذا دون السكين غير المحدد بالشحذ، ولكل وقت وحال ما يناسبهما، فإذا تيسر الذبح بسكين حاد لا يعدل إلى ما دونه، وإذا تيسر في الذبح إنهار الدم، يكون أسهل على الحيوان وأقل إيلاما له، فلا يعدل عنه إلى مثل طعن المتردية في ظهرها أو فخذها، أو خزق المعراض وخدشه لأي عضو من البدن، والرمي بالسهم للحيوان الكبير ذي الدم الغزير.
روى أحمد والشيخان وأصحاب السنن عن رافع بن خديج، قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر فند بعير من إبل القوم ولم يكن معهم خيل، فرماه رجل منهم بسهم فحبسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما فعل منها هذا فافعلوا به هكذا" ، ند البعير: نفر، وحبسه: أثبته في مكانه إذا مات فيه برمية السهم. واستدل جمهور السلف بالحديث على جواز أكل ما رمي بالسهم فجرح في أي موضع من الجسد، ولكن اشترطوا أن يكون وحشيا أو متوحشا أو نادا، إلا أن مالكا وشيخه ربيعة، والليث وسعيد بن المسيب، لم يجيزوا أكل المتوحش إلا بتذكيته في حلقه أو لبته أي: نحره.
(العاشر من محرمات الطعام ما ذبح على النصب) قال الراغب في مفرداته: نصب الشيء: وضعه وضعا ناتئا; كنصب الرمح والبناء والحجر، والنصيب الحجارة تنصب على الشيء، وجمعه نصائب ونصب بضمتين، وكان للعرب حجارة تعبدها وتذبح عليها، قال:
{ كأنهم إلى نصب يوفضون } [المعارج: 43]. قال: {وما ذبح على النصب} [المائدة: 3].
وقد يقال في جمعه: أنصاب. قال:
{ والأنصاب والأزلام } [المائدة: 90]. اهـ. وقال في اللسان: والنصب (بالفتح) والنصب (بالضم) والنصب (بضمتين): الداء والبلاء والشر، وفي التنزيل: { مسني الشيطان بنصب وعذاب } [ص: 41]. والنصيبة والنصب بضمتين: كل ما نصب فجعل علما. وقيل: النصب جمع نصيبة كسفينة وسفن، وصحيفة وصحف. الليث: النصب: جماعة النصيبة، وهي علامة تنصب للقوم، والنصب بالفتح والنصب بضمتين: العلم المنصوب، وفي التنزيل: { كأنهم إلى نصب يوفضون } [المعارج: 43] قرئ بهما جميعا، وقيل: النصب بالفتح: الغاية، والأول أصح، قال أبو إسحاق: من قرأ " إلى نصب " بالفتح; فمعناه: إلى علم منصوب يسبقون إليه، ومن قرأ " إلى نصب " بضمتين; فمعناه: إلى أصنام; كقوله وما ذبح على النصب ونحو ذلك قال الفراء، قال: والنصب بالفتح واحد، وهو مصدر، وجمعه الأنصاب، والينصوب: علم ينصب في الفلاة. والنصب والنصب: كل ما عبد من دون الله تعالى، والجمع: أنصاب. الجوهري: والنصب بالفتح: ما نصب، فعبد من دون الله تعالى، وكذلك النصب بالضم، وقد يحرك مثل عسر. اهـ.
وقال ابن جرير: والنصب: الأوثان من الحجارة، جماعة أنصاب كانت تجمع في الموضع من الأرض، فكان المشركون يقربون لها، وليست بأصنام، وكان ابن جريج يقول في صفته، وذكر سنده إليه: النصب ليست بأصنام، الصنم يصور وينقش، وهذه حجارة تنصب ثلاثمائة وستون حجرا، منهم من يقول الثلاثمائة منها بخزاعة، فكانوا إذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت، وشرحوا اللحم، وجعلوه على الحجارة. قال المسلمون: يا رسول الله، كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم، فنحن أحق أن نعظمه، فكأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكره ذلك فأنزل الله:
{ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم } [الحج: 37] ثم أيد ابن جرير قول ابن جريج بما رواه عن غيره من المفسرين، ومنه قول مجاهد: النصب: حجارة حول الكعبة تذبح عليها أهل الجاهلية، ويبدلونها إذا شاءوا بحجارة أحب إليهم منها. وقول قتادة: والنصب حجارة كان أهل الجاهلية يعبدونها ويذبحون لها فنهى الله عن ذلك. وقول ابن عباس: أنصاب كانوا يذبحون ويهلون عليها.
فعلم من هذه النصوص أن ما ذبح على النصب هو من جنس ما أهل به لغير الله، من حيث إنه يذبح بقصد العبادة لغير الله - تعالى - ولكنه أخص منه، فما أهل به لغير الله قد يكون لصنم من الأصنام بعيدا عنه وعن النصب، وما ذبح على النصب لا بد أن يذبح على تلك الحجارة أو عندها وينشر لحمه عليها. فعلم من هذا ومما قبله أن المحرمات عشرة بالتفصيل، وأربعة بالإجمال، وكما خص المنخنقة وما عطف عليها من الميتات بالذكر بسبب خاص معروف; لئلا يغتر أحد باستباحة بعض أهل الجاهلية لها - خص ما ذبح على النصب بالذكر لإزالة وهم من توهم أنه قد يحل بقصد تعظيم البيت الحرام إذا لم يذكر اسم غير الله عليه، وحسبك أنه من خرافات الجاهلية التي جاء الإسلام بمحوها.
ثم عطف على محرمات الطعام التي كان أهل الجاهلية يستحلونها عملا آخر من خرافاتهم; فقال: {وأن تستقسموا بالأزلام} أي وحرم عليكم أن تطلبوا علم ما قسم لكم - أو ترجيح قسم من مطالبكم على قسم - بالأزلام كما تفعل الجاهلية، وجعل بعضهم هذا من محرمات الطعام كما يأتي.
والزلم - محركة - كصرد; أي بضم ففتح: قدح لا ريش عليه وسهام كانوا يستقسمون بها في الجاهلية، جمعه أزلام، قاله في القاموس، والمراد أنها قطع من الخشب بهيئة السهم إلا أنها لا يلصق عليها الريش الذي يلصق على السهم الذي يرمى به; ليحمله الهواء، ولا يركب فيها النصل الذي يجرح ما يرمى به من صيد وغيره، قال بعضهم: كانت الأزلام ثلاثة مكتوب على أحدها: " أمرني ربي " وعلى الثاني: " نهاني ربي " والثالث غفل ليس عليه شيء، فإذا أراد أحدهم سفرا أو غزوا أو زواجا أو بيعا أو غير ذلك، أجال هذه الأزلام، فإن خرج له الزلم المكتوب عليه " أمرني ربي " مضى لما أراد، وإن خرج المكتوب عليه " نهاني ربي " أمسك عن ذلك، ولم يمض فيه، وإن خرج (الغفل الذي لا كتابة عليه): أعاد الاستقسام.
وروى ابن جرير عن الحسن، قال: كانوا إذا أرادوا أمرا أو سفرا يعمدون إلى قداح ثلاثة، على واحد منها مكتوب " اؤمرني " وعلى الآخر " انهني " ويتركون الآخر محللا بينهما ليس عليه شيء، ثم يجيلونها فإن خرج الذي عليه " اؤمرني " مضوا لأمرهم، وإن خرج الذي عليه " انهني " كفوا، وإن خرج الذي ليس عليه شيء أعادوها. وروي عن آخرين في الكتابة كلمات أخرى بمعنى ما ذكرنا.
وعن السدي أنها كانت تكون عند الكهان; فإذا أراد الرجل أن يسافر أو يتزوج أو يحدث أمرا أتى الكاهن فأعطاه شيئا فضرب له بها، فإن خرج شيء يعجبه منها أمره ففعل، وإن خرج شيء يكرهه نهاه فانتهى، كما ضرب عبد المطلب على زمزم، وعلى عبد الله والإبل.
وعن ابن إسحاق قال: كانت هبل أعظم أصنام قريش بمكة، وكانت في بئر في جوف الكعبة، وكانت تلك البئر التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة، وكانت عند هبل سبعة أقداح كل قدح منها فيه كتاب، أي: (كتابة شيء) وبينه بقوله: قدح فيه العقل (أي دية القتيل) إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم؟ ضربوا بالقداح السبعة، وقدح فيه " نعم " للأمر إذا أرادوه، يضرب به (أي: يجال في سائر القداح) فإن خرج قدح " نعم " عملوا به، أو قدح فيه " لا " فإذا أرادوا أمرا ضربوا في القداح، فإن خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الأمر، وقدح فيه " منكم " وقدح فيه " ملصق " وقدح فيه " من غيركم " وقدح فيه المياه; إذا أرادوا أن يخرجوا للماء ضربوا بالقداح وفيها تلك القداح، فحيث ما خرج عملوا به. وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما، أو أن ينكحوا منكحا، أو أن يدفنوا ميتا، أو يشكوا في نسب واحد منهم، ذهبوا إلى هبل بمائة درهم وبجزور - بعير يجزر - فأعطاها صاحب القداح الذي يضربها، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، ثم قالوا: يا إلهنا، هذا فلان ابن فلان قد أردنا به كذا وكذا، فأخرج الحق فيه، ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب. فيضرب فإن خرج عليه " من غيركم " كان حليفا، وإن خرج عليه " ملصق " كان على ميراثه منهم، لا نسب له ولا حلف، وإن خرج فيه سوى هذا مما يعملون به: " نعم " عملوا به، وإن خرج " لا " أخروه عامهم ذلك حتى يأتوا به مرة أخرى، ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح. اهـ.
والظاهر من اختلاف الروايات أنه كان يكون عند بعض الكهنة أزلام غير السبعة التي عند هبل، التي يفصل فيها في كل الأمور المهمة، وأنهم كانوا يتعرفون قسمتهم وحظهم، أو يرجحون مطالبهم بغير ذلك من اللعب الذي يسكن به اضطراب نفوس أصحاب الأوهام، وفسر مجاهد الأزلام: بكعاب فارس والروم التي يقمرون بها، وسهام العرب.
وقال الأزهري: الأزلام كانت لقريش في الجاهلية مكتوب عليها: أمر ونهي، وافعل ولا تفعل، وقد زلمت وسويت ووضعت في الكعبة يقوم بها سدنة البيت، فإذا أراد أحد سفرا أو نكاحا أتى السادن وقال: أخرج لي زلما، فيخرجه وينظر إليه. إلخ. قال: وربما كان مع الرجل زلمان وضعهما في قرابه، فإذا أراد الاستقسام أخرج أحدهما. اهـ. وهذا محل الشاهد.
وقال بعضهم: إن الأزلام قداح الميسر. وقال بعضهم: إنها النرد والشطرنج. والجمهور على القول الأول، وقد بينا سهام الميسر في تفسير
{ يسألونك عن الخمر والميسر } [البقرة: 219] وهي عشرة، لها أسماء لسبعة، منها أنصبة متفاوتة، فليراجعه من شاء (ص 258 ج2 ط الهيئة المصرية العامة للكتاب) واللعب بالنرد ونحوه ليس استقساما، وقد يستقسم به.
أما سبب تحريم الاستقسام فقد قيل: إنه ما فيه من تعظيم الأصنام، ويرده أن التحريم عام يشمل ما كان عند الأصنام وما لم يكن; كالزلمين اللذين يحملهما الرجل معه في رحله، وقيل: لأنه طلب لعلم الغيب الذي استأثر الله به، ويرده أنه لم يكن يطلب بها علم الغيب في مثل الأمر والنهي، على أن جعل هذا محرما وعلة للتحريم، غير ظاهر، وصرح بعضهم برده، وقيل: لأن فيها افتراء على الله إن أرادوا بقولهم " أمرني ربي " الله عز وجل، وجهلا وشركا إن أرادوا به الصنم، ويرد بأن هذا رواية عن بعض الأزلام لا عن كلها.
والصواب أن هذا قد حرم لأنه من الخرافات والأوهام التي لا يركن إليها إلا من كان ضعيف العقل يفعل ما يفعل من غير بينة ولا بصيرة، ويترك ما يترك عن غير بينة ولا بصيرة، ويجعل نفسه ألعوبة للكهنة والسدنة، ويتفاءل ويتشاءم بما لا فأل فيه ولا شؤم، فلا غرو أن يبطل ذلك دين العقل والبصيرة والبرهان، كما أبطل التطير والكهانة والعيافة والعرافة وسائر خرافات الجاهلية، ولا يليق ذلك كله إلا بجهل الوثنية وأوهامها.
ومما يجب الاعتبار به في هذا المقام أن صغار العقول كبار الأوهام في كل زمان ومكان، وعلى عهد كل دين من الأديان، يستنون بسنة مشركي الجاهلية، ولا تطمئن قلوبهم إلا بخرافات الوثنية، فإن لم يستقسموا بالأزلام استقسموا بما هو مثلها وما في معناها، ولكنهم يسمون عملهم هذا اسما حسنا، كما يفعل بعض المسلمين حتى عصرنا هذا بالاستقسام بالسبح وغيرها، ويسمونه استخارة وما هو من الاستخارة التي ورد الإذن بها في شيء، وقد يسمونه أخذ الفأل، وذلك أنهم يقتطعون طائفة من حب السبحة ويحولونه حبة بعد أخرى، يقولون " افعل " على واحدة، و " لا تفعل " على أخرى، ويكون الحكم الفصل للحبة الأخيرة، وبعضهم يقول كلمات أخرى بهذا المعنى، تختلف كلماتهم كما كانت تختلف كلمات سلفهم من الجاهلية، والمعنى والمقصد واحد، ومنهم من يستقسم بورق اللعب الذي يقامرون به أحيانا، ومنهم من يأخذ الفأل بفصوص النرد - الطاولة - وأمثاله من أدوات اللعب، وفصوص النرد هذه هي كعاب الفرس التي أدخلها مجاهد في الأزلام، وجعلها كسهام العرب في التحريم سواء، وقد ورد في الأحاديث ما يؤيد تحريمها، ومنهم من يستقسم، أو يأخذ الفأل أو الاستخارة - كما يقولون - بالقرآن العظيم; فيصبغون عملهم بصبغة الدين، وهو يتوقف على النص; لأن الزيادة في الدين كالنقص منه، وهل يحل عمل الجاهلية بتغيير صورته؟ ويلبس الباطل ثوب الحق فيصير حقا؟
اللهم إنك أنزلت القرآن هدى للمتقين، فترك قوم الاهتداء، وحرموه على أنفسهم، واكتفوا مما يدعون من الإيمان به والتعظيم له، بالاستقسام به كما كانت الجاهلية تستقسم بالأزلام، أو الاستشفاء بمداد تكتب به آياته في كاغد أو جام، اللهم لا تؤاخذنا بذنوبهم في الآخرة، فقد كفانا ما أصاب الأمة بضلالهم في هذه الحياة العاجلة، اللهم واجعل لنا فرجا ومخرجا من فتنتهم وفتنة من تركوا الدين كله استنكافا من خرافاتهم وخرافات أمثالهم.
وليعلم القارئ أن العادة والإلف يجعلان البدعة معروفة كالسنة، والسنة منكرة كالبدعة، فما حاول أحد إماتة بدعة أو إحياء سنة، إلا وأنكر الناس عليه عمله باسم الدين، ولا طال العهد على بدعة، إلا وتأولوا لفاعليها وانتحلوا لها مسوغا من الدين، ومن ذلك زعم بعضهم أن ما يفعله بعض الناس من الاستقسام بالسبح وغيرها يصح أن يعد من الفأل الحسن. وقد روى ابن ماجه عن أبي هريرة، والحاكم عن عائشة، أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يعجبه الفأل الحسن، وما هو منه، إنما الفأل ضد الطيرة التي نفتها وأبطلتها الأحاديث الصحيحة، وهو أن يسمع الإنسان اسما حسنا أو كلمة خير، فينشرح لها صدره وينشط فيما أخذ فيه، وقيل: يكون الفأل في الحسن والرديء. والطيرة بوزن عنبة ما يتشاءم به من الفأل الرديء، هذه عبارة القاموس، وهي من الطائر; إذ كانوا يتفاءلون ويتشاءمون بحركة الطير ذات اليمين وذات الشمال حتى صار زجر الطير عندهم صناعة، قال في القاموس: والطائر الدماغ، وما تيمنت به أو تشاءمت. اهـ.
وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا طيرة " في حديث الصحيحين يبطل حسن الطيرة ورديئها; لأنه خرافة مبنية على الاستدلال على الحسن والقبح بما لا يدل عليه عقلا ولا شرعا ولا طبعا، لا فرق في التطير بين أن يكون بحركة الطير أو بغيرها من الأقوال والأفعال.
وهذه الطيرة قديمة العهد في العرب، وقد أبطلها الله - تعالى - قبل الإسلام على لسان نبيه صالح عليه السلام، كما بين لنا ذلك في مجادلته لقومه (ثمود) في سورة النمل، قال تعالى:
{ قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون } [النمل: 47] والاستقسام بالأزلام أو غيرها شر من التطير الذي يقع للإنسان من غير سعي إليه، والفرق واضح بين الخرافات والأوهام التي تؤثر في نفس الإنسان عرضا لقلة عقله، أو تأثره بأحوال من تربى بينهم، وبين ما يسعى إليه منها، ويستثيره باختياره، ويجعله حاكما على قلبه، فيعمل بأمره ونهيه.
وإذا صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تساهل مع أصحابه، وأقرهم على التفاؤل بالكلمة الطيبة، ولم يعد هذا من الطيرة; لعلمه بأنه أزال تلك العقائد الوهمية الباطلة من نفوسهم، فلم تبق حاجة للتشديد عليهم فيما ينشرح له الصدر - فهذا التساهل لا يدل على جواز استقسام الجاهلية المحرم قطعا بنص القرآن الصريح; لتغير المستقسم به، فإن تحريم الاستقسام ليست علته أنه بالأزلام، بل إنه من الأباطيل والأوهام، وأي فرق بين خشبات الأزلام وخشبات السبحة، أو غير ذلك من حبها؟.
وأغرب من ذلك جعل الاستقسام من قبيل الاستخارة; إذ استحله بعض الدجالين بإطلاق اسمها عليه، وجعله بعضهم من قبيل القرعة المشروعة، وكل هذا من قياس الشيطان، والحكم في دين الله بالهوى دون بينة ولا سلطان.
بيان ذلك أن الإسلام دين البصيرة والعقل والبينة والبرهان، وآيات القرآن الكثيرة ناطقة بذلك:
{ قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } [البقرة: 111] { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة } [الأنفال: 42] { قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون } [الأنعام: 148] إلخ. وإرشاد القرآن، وهديه في الحث على الأخذ بالدليل والبرهان عام يشمل جميع شئون الإنسان، ولما كانت الدلائل والبينات تتعارض في بعض الأمور، والترجيح بينها يتعذر في بعض الأحيان، فيريد الإنسان الشيء فلا يستبين له: آلإقدام عليه خير أم تركه؟ فيقع في الحيرة - جعلت له السنة مخرجا من ذلك بالاستخارة حتى لا يضطرب عليه أمره ولا تطول غمته، وذلك المخرج هو الاستخارة، وهي عبارة عن التوجه إلى الله، عز وجل، والالتجاء إليه بالصلاة والدعاء بأن يزيل الحيرة ويهيئ وييسر للمستخير الخير، وجدير هذا بأن يشرح الصدر لما هو خير الأمرين، وهذا هو اللائق بأهل التوحيد، أن يأخذوا بالبينة والدليل الذي جعله الله - تعالى - مبينا للخير والحق، فإن اشتبه على أحدهم أمر التجأ إلى الله تعالى، فإذا شرح صدره لشيء أمضاه وخرج به من حيرته، والقرعة تشبه ذلك، بل أمرها أظهر، فإنها إنما تكون للترجيح بين المتساويين قطعا، كالقسمة بين اثنين، فإنه لا وجه لإلزام من تقسم بينهما بأن يأخذ زيد منهما هذه الحصة، وعمرو الأخرى; فالقرعة طريقة حسنة عادلة، وقس على هذا ما يشبهه.
والذي صح في الاستخارة ما رواه الجماعة (أحمد والشيخان وأصحاب السنن الأربع) من حديث جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله - فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به قال: ويسمي حاجته. وهذا لفظ البخاري، والخلاف في ألفاظ رواياته قليل; كأرضني به من الإرضاء، ورضني من الترضية.
ليس في هذه الرواية التي رواها الجماعة إشارة ما إلى معنى يقرب من معنى الاستقسام ولا التفاؤل، بل هي أمر بعبادة ودعاء عند الاهتمام بالأمر والعزم عليه حتى لا ينسى المؤمن ربه - تعالى - عند اهتمامه بالشأن من شئون الدنيا، وما بيناه من فقه الاستخارة وحكمتها في بدء الكلام عنها مبني على ما اشتهر من معناها عند الجمهور، ولا أعرف له أصلا صحيحا في السنة، ولكن روى ابن السني، في عمل يوم وليلة، والديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس: إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات، ثم انظر إلى الذي يسبق إلى قلبك فإن الخيرة فيه، قال النووي فيه: إنه يفعل بعد الاستخارة ما ينشرح له صدره، لكنه لا يقدم على ما كان له فيه هوى قبل الاستخارة، قال الحافظ ابن حجر في الفتح بعد ما عزى الحديث إلى ابن السني: لو ثبت لكان هو المعتمد، ولكن سنده واه جدا. اهـ. أقول: وآفته إبراهيم بن البراء، ضعفوه جدا، بل قال ابن حبان فيه: شيخ كان يدور بالشام ويحدث عن الثقات بالموضوعات، لا يجوز ذكره إلا على سبيل القدح فيه.
ثم قال تعالى: {ذلكم فسق}. ذهب ابن جرير في تفسيره إلى أن الإشارة هنا راجعة إلى جميع ما سبق من المحرمات، أي كل محرم منها خروج من طاعة الله، ورغبة عن شرعه، وذكر الرازي فيه وجها آخر، وهو أنه راجع إلى الأخير فقط، وهو الاستقسام بالأزلام.
ثم قال عز وجل: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون} إنني أتنسم من وضع هذا الخبر في هذا الموضع، وترتيب هذا الأمر والنهي عليه أن حكمة الاكتفاء في أول الإسلام بذكر محرمات الطعام الأربعة الواردة في بعض السور المكية، وترك تفصيل ما يندرج فيها مما كرهه الإسلام للمسلمين من سائر ما ذكر في هذه الآية إلى ما بعد فتح مكة - هو التدريج في تحريم هذه الخبائث والتشديد فيها، كما كان التدريج في تحريم الخمر; لئلا ينفر العرب من الإسلام، ويرون فيه حرجا عليهم يرجون به أن يرتد إليهم من آمن من الفقراء، وهم أكثر السابقين الأولين. جاء هذا التفصيل للمحرمات بعد قوة الإسلام، وتوسعة الله على أهله وإعزازهم، وبعد أن يئس المشركون بذلك من نفور أهله منه، وفرارهم من تكاليفه، وزال طمعهم في الظهور عليهم وإزالة دينهم بالقوة القاهرة، فكان المؤمنون أجدر بألا يبالوا بمداراتهم، ولا يهتموا بما ينفرهم من الإسلام، وألا يخافوهم على أنفسهم وعلى دينهم.
قيل: إن المراد باليوم في هذه الجملة وفيما بعدها مطلق الوقت والزمن، كما تقول: كنت بالأمس طفلا أو غلاما، وقد صرت اليوم رجلا، والصحيح أن المراد به: يوم عرفة من عام حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة وكان يوم جمعة، وهو اليوم الذي نزلت فيه هذه الآية المبينة لما بقي من الأحكام التي أبطل بها الإسلام بقايا مهانة الجاهلية وخبائثها وأوهامها، والمبشرة بظهور المسلمين على المشركين ظهورا تاما لا مطمع لهم في زواله، ولا حاجة معه إلى شيء من مداراتهم أو الخوف من عاقبة أمرهم، وستأتي الروايات في ذلك، والمعنى: أن الله أخبر المؤمنين بأن الكفار أنفسهم قد يئسوا من زوال دينهم. وأنه ينبغي لهم وقد بدلهم بضعفهم قوة وبخوفهم أمنا وبفقرهم غنى، ألا يخشوا غير الذي جربوا فضله عليه، وإعزازه لهم، ثم قال:
{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} نبدأ تفسير هذه البشارات الثلاث مع حمد الله وشكره، والثناء عليه بما هو أهله، بذكر صفوة ما ورد فيها عن مفسري السلف من معناها وزمن نزولها ومكانه.
روى البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} يقول: يئس أهل مكة أن ترجعوا إلى دينهم عبادة الأوثان أبدا {فلا تخشوهم} في اتباع محمد {واخشوني} في عبادة الأوثان وتكذيب محمد، فلما كان - أي النبي صلى الله عليه وسلم - واقفا بعرفات نزل عليه جبريل، وهو رافع يده والمسلمون يدعون {اليوم أكملت لكم دينكم} يقول: حلالكم وحرامكم فلم ينزل بعده حلال ولا حرام وأتممت عليكم نعمتي قال: منتي فلم يحج معكم مشرك ورضيت يقول: اخترت لكم الإسلام دينا. مكث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول هذه الآية واحدا وثمانين يوما، ثم قبضه الله إليه.
وروى ابن جرير وابن المنذر عنه - أي عن ابن عباس - قال: أخبر الله نبيه والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبدا، وقد أتمه فلا ينقص أبدا، وقد رضيه فلا يسخطه أبدا.
وروى أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن حبان والبيهقي في سننه عن طارق بن شهاب: قال: قالت اليهود لعمر: إنكم تقرءون آية في كتابكم، لو علينا معشر اليهود أنزلت; لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: وأي آية؟ قالوا: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} قال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه، والساعة التي نزلت فيها، نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشية عرفة في يوم جمعة.
وفي رواية عند إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد، أن عمر قال لرجل من اليهود قال له ذلك: الحمد لله الذي جعله لنا عيدا واليوم الثاني، نزلت يوم عرفة، واليوم الثاني يوم النحر، فأكمل الله لنا الأمر، فعلمنا أن الأمر بعد ذلك في انتقاص.
وأخرج ابن جرير عن عيسى بن حارثة الأنصاري، قال: كنا جلوسا في الديوان، فقال لنا نصراني: يا أهل الإسلام، لقد أنزلت عليكم آية لو أنزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم وتلك الساعة عيدا ما بقي منا اثنان {اليوم أكملت لكم دينكم} فلم يجبه أحد منا، فلقيت محمد بن كعب القرظي، فسألته عن ذلك، فقال: ألا رددتم عليه؟ فقال: قال عمر بن الخطاب: أنزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو واقف على الجبل يوم عرفة فلا يزال ذلك اليوم عيدا للمسلمين ما بقي منهم أحد. وروى البزار بسند صحيح عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بعرفة، وروى ابن جرير عن ابن عباس، نحو ما رواه هو وغيره من جواب عمر، وهو أنه قرأ الآية، فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدا، فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين; يوم عيد ويوم جمعة، وروي عنه أيضا أنه قال في تفسير اليوم ليس بيوم معلوم يعلمه الناس، ورجح الرواية عن عمر في تعيينه بصحة سندها.
وأما الذي اختاره ابن جرير في تفسير إكمال الدين لهم فهو خلوص البيت الحرام لهم، وإجلاء المشركين عنه حتى حجه المسلمون، وهم لا يخالطهم المشركون، واستدل على ذلك بخلاف السلف في مسألة إكمال الفرائض والأحكام في ذلك اليوم، وذكر ما رواه قبل ذلك عن ابن عباس، والسدي من تفسير الإكمال بإكمال الفرائض والأحكام، وما يعارضه من قول البراء بن عازب، في آية {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} إنها آخر آية نزلت، ونقول: لا معارضة فإن مراده أنها آخر آيات الفرائض، وهذا لا ينفي أن تكون نزلت قبل آية المائدة وسورة المائدة، واستدل على الترجيح أيضا باتفاق العلماء على أن الوحي لم ينقطع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أن قبض، وكونه كان قبل وفاته أكثر ما كان تتابعا، وجعل منه آية الفتوى في الكلالة، وأصحاب القول الآخر يمنعون أن تكون هذه الآية مما نزل بعد آية المائدة، ولا يمنعون غيرها مما ليس فيه فرائض ولا حلال ولا حرام، وبهذا يبطل ترجيحه إثبات نزول شيء من الأحكام على نفيه بتقديم المثبت على النافي.
وقد كان قدم قول من قالوا بخلاف ما اختاره وبينه أتم بيان; إذ قال: اليوم أكملت لكم أيها المؤمنون، فرائضي عليكم وحدودي وأمري إياكم ونهيي وحلالي وحرامي وتنزيلي من ذلك ما أنزلت منه في كتابي، وتبياني ما بينت لكم منه بوحيي على لسان رسولي، والأدلة التي نصبتها لكم على جميع ما بكم الحاجة إليه من أمر دينكم، فأتممت لكم جميع ذلك، فلا زيادة فيه بعد اليوم. انتهى المراد منه، ثم ذكر تاريخ ذلك اليوم، وأنه لم ينزل بعده من الفرائض والحلال والحرام شيء، وأيده بالرواية عن ابن عباس، والسدي، وأما مقابله، وهو تفسير الدين بالحج خاصة فأيده بالرواية عن قتادة وسعيد بن جبير، وسنبين رأينا في رده.
وأما مفسرو الخلف فقد نظروا في الآية نظرا آخر، وهو أنه استدل بها أهل الظاهر على بطلان القياس وكل ما ترتب عليه من أحكام العبادات والحلال والحرام; فأرادوا دفع ذلك، واستشكل بعضهم ما في مفهوم الإكمال من سبق النقص; فأرادوا التفصي منه، وقد سبق صاحب الكشاف إلى قول جامع في الأمرين، تبعه فيه البيضاوي والرازي وأبو السعود كعادتهم، قال: اليوم أكملت لكم دينكم كفيتكم أمر عدوكم، وجعلت اليد العليا لكم، كما تقول الملوك: اليوم كمل لنا الملك وكمل لنا ما نريد، إذا كفوا من ينازعهم الملك ووصلوا إلى أغراضهم ومنافعهم، أو أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام والتوقيف على الشرائع وقوانين القياس وأصول الاجتهاد {وأتممت عليكم نعمتي} بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين، وهدم منار الجاهلية ومناسكهم، وأن لم يحج معكم مشرك ولم يطف بالبيت عريان، أو أتممت عليكم نعمتي بذلك; لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام. اهـ.
وقال البيضاوي: {اليوم أكملت لكم دينكم} بالنصر والإظهار على الأديان كلها بالتنصيص على قواعد العقائد، والتوقيف على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد {وأتممت عليكم نعمتي} بالهداية والتوفيق وبإكمال الدين، أو بفتح مكة وهدم منار الجاهلية. اهـ.
وتبعهما في ذلك أبو السعود باللفظ والفحوى، قال: وتقديم الجار والمجرور، أي تقديم لكم على قوله: دينكم للإيذان من أول الأمر بأن الإكمال لمنفعتهم ومصلحتهم، كما في قوله:
{ ألم نشرح لك صدرك } [الشرح: 1] وشرح الرازي احتجاج منكري القياس بالآية ورد مثبتيه عليهم، والرد مبني على إثبات الاجتهاد لكل مكلف، وهو يستلزم بطلان التقليد، واعتمد في مسألة إكمال الدين من أوله قول القفال أن كل ما نزل في وقت كان كافيا لأهله فيه، ولم تكن مست الحاجة إلى غيره، وأن هذا الإكمال في الآية هو إكماله بالنسبة إلى نزول الآية وما بعدها إلى يوم الساعة.
(إكمال الدين بالقرآن)
لم أر لعالم من حكماء الشريعة الإسلامية كلاما في هذه المسألة العظيمة مثل كلام الإمام أبي إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي، فقد ذكرها في غير ما موضع من كتابه (الموافقات) الذي لم يؤلف مثله في أصول الإسلام وحكمته، ومن أوسع كلامه فيها ما ذكره في الطرف الثاني من كتاب " الأدلة الشرعية " منه، وقد رأينا أن نلخصه هنا تلخيصا، قالرحمه الله - تعالى - في (المسألة السادسة) منه:" القرآن فيه بيان كل شيء على ذلك الترتيب المتقدم، فالعالم به على التحقيق عالم بجملة الشريعة، لا يعوزه منها شيء، والدليل على ذلك أمور:
(منها) النصوص القرآنية من قوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} الآية، وقوله:
{ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } [النحل: 89] وقوله: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } [الأنعام: 38] وقوله: { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } [الإسراء: 9] يعني الطريقة المستقيمة، ولو لم يكمل فيه جميع معانيها - أي الشريعة - لما صح إطلاق هذا المعنى عليه حقيقة. وأشباه ذلك من الآيات الدالة على أنه هدى وشفاء لما في الصدور، ولا يكون شفاء لجميع ما في الصدور إلا وفيه تبيان كل شيء.
(ومنها): ما جاء من الأحاديث والآثار المؤذنة بذلك; كقوله عليه السلام:
"إن هذا القرآن حبل الله، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيستعتب ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد" ، إلخ; فكونه حبل الله بإطلاق والشفاء النافع إلى تمامه، دليل على كمال الأمر فيه، ونحو هذا في حديث علي عن النبي عليه السلام، وعن ابن مسعود: أن كل مؤدب يجب أن يؤتى أدبه، وأن أدب الله القرآن. وسئلت عائشة عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: كان خلقه القرآن، وصدق ذلك قوله { وإنك لعلى خلق عظيم } [القلم: 4].
ثم أورد الشاطبي طائفة من كلام علماء السلف الصحابة والتابعين ومن بعدهم في تأييد هذه المسألة، وقال:
" ولقائل أن يقول: إن هذا غير صحيح لما ثبت في الشريعة من المسائل والقواعد غير الموجودة في القرآن، وإنما وجدت في السنة، ويصدق ذلك ما في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم:
" لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه " وهذا ذم ومعناه اعتماد السنة أيضا، ويصححه قوله تعالى: { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } [النساء: 59] الآية، قال ميمون بن مهران: الرد إلى الله: الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول إذا كان حيا فلما قبضه الله - تعالى - فالرد إلى سنته. ومثله: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا } [الأحزاب: 36] الآية. يقال: إن السنة يؤخذ بها على أنها بيان لكتاب الله بقوله تعالى: { لتبين للناس ما نزل إليهم } [النحل: 44] وهو جمع بين الأدلة; لأنا نقول: إن كانت السنة بيانا للكتاب ففي أحد قسميها; فالقسم الآخر زيادة على حكم الكتاب، كتحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها، وتحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع، وقيل لعلي بن أبي طالب: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة، قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر، وهذا وإن كان فيه دليل على أنه لا شيء عندهم إلا كتاب الله، ففيه دليل أن عندهم ما ليس في كتاب الله، وهو خلاف ما أصلت. والجواب عن ذلك مذكور في الدليل الثاني، وهو السنة بحول الله. اهـ. ثم قال في (المسألة الثانية) من مسائل الدليل الثاني (السنة) ما نصه، وفيه بيان ما وعد به:
" رتبة السنة التأخر عن الكتاب في الاعتبار، والدليل على ذلك أمور (أحدها): أن الكتاب مقطوع به والسنة مظنونة، والقطع فيها إنما يصح في الجملة لا في التفصيل، بخلاف الكتاب فإنه مقطوع به في الجملة والتفصيل، والمقطوع به مقدم على المظنون; فلزم من ذلك تقديم الكتاب على السنة.
(والثاني): أن السنة إما بيان للكتاب، أو زيادة على ذلك، فإن كان بيانا كان ثانيا على المبين في الاعتبار، إذ يلزم من سقوط المبين سقوط البيان، ولا يلزم من سقوط البيان سقوط المبين، وما شأنه هذا فهو أولى في التقدم، وإن لم يكن بيانا فلا يعتبر إلا بعد ألا يوجد في الكتاب، وذلك دليل على تقدم اعتبار الكتاب.
(والثالث): ما دل على ذلك من الأخبار والآثار; كحديث معاذ: " بم تحكم؟ " قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي " الحديث، وعن عمر بن الخطاب، أنه كتب إلى شريح: إذا أتاك أمر فاقض بما في كتاب الله، فإن أتاك ما ليس في كتاب الله فاقض بما سن فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلخ. وفي رواية: إذا وجدت شيئا في كتاب الله فاقض فيه، ولا تلتفت إلى غيره. بين معنى هذا في رواية أخرى، أنه قال له: انظر ما تبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحدا، وما لم يتبين لك في كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومثل هذا عن ابن مسعود: من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه - صلى الله عليه وسلم - الحديث. وعن ابن عباس، أنه كان إذا سئل عن شيء فإن كان في كتاب الله قال به، فإن لم يكن في كتاب الله، وكان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال به. وهو كثير في كلام السلف والعلماء، وما فرق به الحنفية بين الفرض والواجب راجع إلى تقدم اعتبار الكتاب على اعتبار السنة، فإن اعتبار الكتاب أقوى من اعتبار السنة، وقد لا يخالف غيرهم في معنى تلك التفرقة " والمقطوع به في المسألة أن السنة ليست كالكتاب في مراتب الاعتبار ".
فإن قيل: هذا مخالف لما عليه المحققون:
أما أولا: فإن السنة عند العلماء قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاض على السنة; لأن الكتاب يكون محتملا لأمرين فأكثر، فتأتي السنة بتعيين أحدهما، فيرجع إلى السنة، ويترك مقتضى الكتاب، وأيضا فقد يكون ظاهر الكتاب أمرا، فتأتي السنة فتخرجه عن ظاهره، وهذا دليل على تقديم السنة، وحسبك أنها تقيد مطلقه، وتخص عمومه، وتحمله على غير ظاهره، حسبما هو مذكور في الأصول; فالقرآن آت بقطع يد كل سارق فخصت السنة من ذلك سارق النصاب المحرز، وأتى بأخذ الزكاة من جميع الأموال ظاهرا; فخصته السنة بأموال مخصوصة، وقال تعالى:
{ وأحل لكم ما وراء ذلكم } [النساء: 24] فأخرجت من ذلك نكاح المرأة على عمتها أو خالتها. فكل هذا ترك لظواهر الكتاب، وتقديم للسنة عليه، ومثل ذلك لا يحصى كثرة.
وأما ثانيا: فإن الكتاب والسنة إذا تعارضا، فاختلف أهل الأصول هل يقدم الكتاب على السنة أم بالعكس أم هما متعارضان؟ وقد تكلم الناس في حديث معاذ، ورأوا أنه خلاف الدليل، فإن كل ما في الكتاب لا يقدم على كل السنة; فإن الأخبار المتواترة لا تضعف في الدلالة عن أدلة الكتاب وأخبار الآحاد في محل الاجتهاد مع ظواهر الكتاب; ولذلك وقع الخلاف، وتأولوا التقديم في الحديث على معنى البداية بالأسهل الأقرب وهو الكتاب، فإذا كان الأمر على هذا فلا وجه لإطلاق القول بتقديم الكتاب بل المتبع الدليل.
فالجواب: أن قضاء السنة على الكتاب ليس بمعنى تقديمها عليه وإطراح الكتاب، بل إن ذلك المعبر في السنة هو المراد في الكتاب، فكأن السنة بمنزلة التفسير والشرح لمعاني أحكام الكتاب، ودل على ذلك قوله:
{ لتبين للناس ما نزل إليهم } [النحل: 44] فإذا حصل بيان قوله تعالى: { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } [المائدة: 38] بأن القطع من الكوع، وأن المسروق نصاب فأكثر من حرز مثله; فذلك هو المعنى المراد من الآية، لا أن نقول إن السنة أثبتت هذه الأحكام دون الكتاب، كما إذا بين مالك أو غيره من المفسرين معنى آية أو حديث، فعملنا بمقتضاه، فلا يصح لنا أن نقول: إننا عملنا بقول المفسر الفلاني، دون أن نقول عملنا بقول الله أو قول رسوله عليه السلام. وهكذا سائر ما بينته السنة من كتاب الله، فمعنى كون السنة قاضية على الكتاب; أنها مبينة له، فلا يوقف مع إجماله واحتماله وقد بينت المقصود منه لا أنها مقدمة عليه.
" وأما خلاف الأصوليين في التعارض، فقد مر في أول كتاب الأدلة أن خبر الواحد إذا استند إلى قاعدة مقطوع بها فهو في العمل مقبول، وإلا فالتوقف، وكونه مستندا إلى مقطوع به راجع إلى أنه جزئي تحت معنى قرآني كلي، وتبين معنى هذا الكلام هنالك، فإذا عرضنا هذا الموضع على تلك القاعدة، وجدنا المعارضة في الآية والخبر معارضة أصلين قرآنيين، فيرجع إلى ذلك، وخرج عن معارضة كتاب مع سنة، وعند ذلك لا يصح هذا التعارض إلا من تعارض قطعيين، وأما إذا لم يستند الخبر إلى قاعدة قطعية، فلا بد من تقديم القرآن على الخبر بإطلاق.
" وأيضا فإن ما ذكر من تواتر الأخبار، إنما غالبه فرض أمر جائز، ولعلك لا تجد في الأخبار النبوية ما يقضي بتواتره إلى زمن الواقعة، فالبحث المذكور في المسألة بحث في غير واقع أو نادر الوقوع، ولا كبير جدوى فيه، والله أعلم.
(المسألة الثالثة): السنة راجعة في معناها إلى الكتاب; فهي تفصيل مجمله، وبيان مشكله، وبسط مختصره; وذلك لأنها بيان له، وهو الذي دل عليه قوله تعالى:
{ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } [النحل: 44] فلا تجد في السنة أمرا إلا والقرآن قد دل على معناه دلالة إجمالية أو تفصيلية، وأيضا فكل ما دل على أن القرآن هو كلية الشريعة وينبوع لها; فهو دليل على ذلك، ولأن الله قال: { وإنك لعلى خلق عظيم } [القلم: 4] وفسرت عائشة ذلك بأن خلقه القرآن، واقتصرت في خلقه على ذلك، فدل على أن قوله وفعله وإقراره راجع إلى القرآن، لأن الخلق محصور في هذه الأشياء، ولأن الله جعل القرآن تبيانا لكل شيء، فيلزم من ذلك أن تكون السنة حاصلة فيه في الجملة; لأن الأمر والنهي أول ما في الكتاب. ومثله قوله: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } [الأنعام: 38] وقوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} وهو يريد: بإنزال القرآن، فالسنة إذا في محصول الأمر بيان لما فيه، وذلك معنى كونها راجعة إليه، وأيضا فالاستقراء التام دل على ذلك، حسبما يذكر بعد بحول الله، وقد تقدم في أول كتاب الأدلة أن السنة راجعة إلى الكتاب، وإلا وجب التوقف عن قبولها، وهو أصل كاف في هذا المقام ".
ثم أورد الشاطبي الشبهات على هذا مع ردها، وملخصها أنه غير صحيح من أوجه:
(1) الآيات الواردة في تحكيم النبي - صلى الله عليه وسلم - واتباعه وطاعته، وأخذ ما أعطى والانتهاء عما نهى، وحذر المخالفة عن أمره.
(2) الأحاديث الدالة على ذم ترك السنة.
(3) الاستقراء الدال على أن في السنة أحكاما كثيرة لم ينص عليها القرآن; كتحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها، وتحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع.
(4) " إن الاقتصار على الكتاب رأي قوم لا خلاق لهم خارجين عن السنة; إذ عولوا على ما بنيت عليه من أن الكتاب فيه بيان كل شيء، فأطرحوا أحكام السنة، فأداهم ذلك إلى الانخلاع عن الجماعة وتأويل القرآن على غير ما أنزل الله. وأورد بعض الأخبار والآثار عن الصحابة في ذلك.
ثم أجاب: بأن هذه الوجوه المذكورة لا حجة فيها على خلاف ما تقدم، وتكلم عن كل وجه منها. وملخص الجواب عن الوجه الأول والثاني:
إن السنة تطاع لأنها بيان للقرآن، فطاعة الله العمل بكتابه، وطاعة الرسول العمل بما بين به كتاب الله - تعالى - قولا أو عملا أو حكما، ولو كان في السنة شيء لا أصل له في الكتاب لم تكن بيانا له، ولا يخرج من هذا ما في السنة من التفصيل لأحكام القرآن الإجمالية وإن كان تتراءى أنها ليست منه كالصلاة المجملة في القرآن، المفصلة في السنة، ولكننا علمنا بهذا التفصيل أنه هو مراد الله من الصلاة التي ذكرها في كتابه مجملة.
وملخص الجواب عن الرابع: أن خروج أولئك الخوارج عن السنة لمكان اتباعهم الرأي والهوى، وإطراحهم السنن المبينة للقرآن; يعني أنهم جعلوا بيانهم له أولى من بيان الرسول الذي جعله الله مبينا له. وقال في هذا الموضع: نعم يجوز أن تأتي السنة بما ليس فيه مخالفة ولا موافقة، بل بما يكون مسكوتا عنه في القرآن، إلا إذا قام البرهان على خلاف هذا الجائز، وهو الذي ترجم له في هذه المسألة; فحينئذ، لا بد في كل حديث من الموافقة لكتاب الله، كما صرح به الحديث المذكور; فمعناه صحيح صح سنده أولا; أي فهذا الأمر الجائز غير واقع، والمراد بالحديث الذي أشار إليه الحديث الذي فيه وجوب موافقة الحديث للقرآن بعد عرضه عليه، وقد أطال في تأييده.
وأما الوجه الثالث: فقد عقد له مسألة خاصة (وهي المسألة الرابعة) استغرقت خمس عشرة صفحة من الكتاب، بين فيها بالأدلة والأمثلة والشواهد أنه لم يصح في السنة حكم لا أصل له في القرآن، بل كل ما ورد في ذلك له أصل هو بيان له، فليراجع ذلك من شاء.
أما المسلك الذي سلكه (الشاطبي) في إرجاع بعض الأحكام الثابتة في السنة إلى القرآن; فهو أنه ذكر الأصول الكلية التي تدور عليها أحكام القرآن في جلب المصالح ودفع المفاسد من الضروريات والحاجات والتحسينات، وبين أن كل ما في السنة راجع إليها، وضرب الأمثلة في الضرورات الخمس الكلية، وهي: حفظ الدين والنفس والمال والعقل والعرض، وقال: " ويلحق بها مكملاتها والحاجات، ويضاف إليها مكملاتها، ولا زائد على هذه الثلاثة المقررة في كتاب المقاصد - أي من كتابه هذا - وإذا نظرنا إلى السنة وجدناها لا تزيد على تقرير هذه الأمور; فالكتاب أتى بها أصولا يرجع إليها، والسنة أتت بها تفريعا على الكتاب وبيانا لما فيه منها، فلا تجد في السنة إلا ما هو راجع إلى تلك الأقسام.
ثم بين أن الحاجات تدور على قطب التوسعة والتيسير والرفق ورفع الحرج، وأصل ذلك في القرآن، وبيان السنة له بالعمل والقول، وأن التحسينات كالحاجات، فإنها ترجع إلى الآداب ومحاسن الأخلاق، وأصلها في القرآن، وبيان السنة لها كذلك بما هو أوضح في الفهم، وأشفى في الشرح، وبين مسلك السنة في الاجتهاد في القرآن والقياس على أصوله وعلله; لحفظ مقاصدها وبيانها للناس وأخذ المعنى العام من مجموع أدلته المتفرقة، وفقه مقاصده منها.
وقد أورد الشواهد على ذلك والأمثلة له، مثال من ذلك قوله في أصل حفظ المال: وله أمثلة، أحدها: أن الله، عز وجل، حرم الربا وربا الجاهلية الذي قالوا فيه: " إنما البيع مثل الربا " هو فسخ الدين في الدين، يقول الطالب: إما أن تقضي، وإما أن تربي. وهو الذي دل عليه أيضا في قوله:
{ وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون } [البقرة: 279] فقال صلى الله عليه وسلم: " وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله " وإذا كان كذلك، وكان المنع فيه إنما هو من أجل كونه زيادة على غير عوض، ألحقت السنة به كل ما فيه زيادة بذلك المعنى. وذكر حديث بيع الأصناف الستة سواء بسواء يدا بيد، ومن أراد الاطلاع على أمثلة كل نوع مما ذكره فليرجع إلى كتابه.
وقال في أواخر هذه المسألة: (فصل) وقد ظهر مما تقدم الجواب عما أوردوا من الأحاديث التي قالوا: إن القرآن لم ينبه عليها، فقوله صلى الله عليه وسلم: "يوشك رجل منكم متكئ على أريكته" إلى آخره، لا يتناول ما نحن فيه; فإن الحديث إنما جاء في من يطرح السنة معتمدا على رأيه في فهم القرآن، وهذا لم ندعه في مسألتنا هذه، بل هو رأي أولئك الخارجين عن الطريقة المثلى، وقوله:
" ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله " صحيح على الوجه المتقدم، إما بتحقيق المناط الدائر بين الطرفين الواضحين والحكم عليه، وإما بالطريقة القياسية، وإما بغيرها من المآخذ المتقدمة. اهـ.
أقول: الحديث الذي ذكر بعضه اكتفاء بذكره كله في الحجج التي أوردها على قاعدته هو حديث المقدام بن معدي كرب، رواه أحمد وابن ماجه والحاكم، بلفظ: يوشك أن يقعد الرجل متكئا على أريكته يحدث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله; فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله وسنده حسن، فيه زيد بن الحباب، قال فيه الإمام أحمد: إنه صدوق كثير الخطأ، وذكره ابن حبان في الثقات، ووصفه بكثرة الخطأ أيضا، وتكلموا في أحاديث له عن سفيان تستغرب، وقد تركه الشيخان لذلك، واللفظ الآخر: لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري; مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي رافع، وقال الترمذي: حسن، وذكر أن بعضهم رواه مرسلا.
ومن القواعد التي يجب مراعاتها في هذا الباب ما ينهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - من المباحات لكراهته لا لتحريمه، أو للمنع منه مؤقتا لعلة عارضة، ويوشك أن النهي عن أكل لحوم السباع من الأول، وعن الحمر الأهلية مع الإذن بأكل الخيل يوم خيبر من الثاني، لولا ما روي بلفظ التحريم، ومثال العلة العارضة: قلة الشيء مع الحاجة إليه، كما تنهى بعض الحكومات أحيانا عن بيع الخيل في أيام الحرب، أو عن ذبح البقر لشدة الحاجة إليها في الفلاحة. وقد يرد الحديث بلفظين; أحدهما: لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - والآخر: لفظ بمعناه بحسب فهم الراوي، فقد روى مسلم، وأصحاب السنن ما عدا الترمذي، من حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير. وعن أبي هريرة أنه قال: كل ذي ناب من السباع فأكله حرام، فيجوز أن يكون روى أحدهما بالمعنى، فإن كان حديث أبي هريرة هو المروي بالمعنى يجوز حمل النهي على الكراهة، فلا يكون الحديث معارضا لحصر المحرمات فيما حصرها فيه القرآن، وفي معناه حديث أبي ثعلبة الخشني عند الجماعة ما عدا البخاري، وأبا داود، وله روايات أخرى، ولعل مالكا كان يفهم منه هذا، فقد روي عنه قول بكراهة أكل هذه الأشياء، وقول بإباحتها، وقد فات هذا صاحب الموافقات مع أنه من فقهاء مذهب مالك، وسنعود إلى مسألة السباع في تفسير الآية الآتية.
وجملة القول: أن الله - تعالى - أكمل الدين بالقرآن وبيان نبيه - صلى الله عليه وسلم - للناس ما نزل إليهم فيه، فما صح من بيانه لا يعدل عنه إلى غيره، وما بعد سنته نور يهتدى به في فهم أحكامه للعالم بلغته مثل إجماع الصحابة، أو عمل السواد الأعظم منهم وممن تبعهم في هداهم، فمن رغب عن سنتهم ضل وغوى ولم يسلم من اتباع الهوى، وأما ما توسع فيه بعض المصنفين في الفقه بعد الصحابة والتابعين من أحكام العبادات والحلال والحرام بدعوى القياس الشرعي فهو ينافي إكمال الدين ويسره، ورفع الحرج منه، وقد أنكر بعض أئمة العلماء هذا القياس، وخصه بعضهم بما عدا العبادات، وفي معناها الحلال والحرام، على أنهم يستنبطون من عبارات شيوخهم فيجعلونها كنصوص الشرع، وإن لم تضبط بالرواية كما ضبطت نصوص الشرع، ويعدون تعليلاتهم كتعليلات الكتاب والسنة، فيجعلونها دليلا على الأحكام ومدارا للاستنباط، بل صاروا يقدمونها على الكتاب والسنة، فما وافقها منهما جعلوه دليلا لها، وما خالفته منهما أوجبوا العمل بها دونهما، فصارت أحكام الدين المستنبطة على هذه الطريقة أضعاف أضعاف الأحكام المنصوصة، وهجر الكتاب والسنة لأجلها، فهل يتفق هذا مع الاعتقاد بأن الله أكمل الدين بكتابه، وبينه بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟ أما القياس الصحيح وما نيط منه بأولي الأمر من المؤمنين، فقد بيناه في تفسير
{ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } [النساء: 59] وسيأتي لهذه المباحث مزيد في تفسير { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } [المائدة: 101] من هذه السورة إن شاء الله تعالى.
والمختار عندنا في إكمال الدين ما قاله ابن عباس، وتبعه عليه الجمهور، من أن المراد بالدين فيه عقائده وأحكامه وآدابه (العبادات وما في معناها بالتفصيل، والمعاملات بالإجمال ونوطها بأولي الأمر) ويدخل فيه ما اختاره ابن جرير من أمر الحج دخولا أوليا بقرينة الحال; أمر القوة واكتفاء أمر المشركين، قد علم من قوله {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} ويزيده تقريرا وتأكيدا قوله: {وأتممت عليكم نعمتي} ولولا أن المراد بالدين جملته ومجموعه لما قال: {ورضيت لكم الإسلام دينا} فالعجب من ابن جرير كيف أذهله ما توهمه من تعارض الروايات عن هذا النص!.
هذا وإن قول ابن عباس (رضي الله عنه): إن الله أكمله فلا ينقصه أبدا، أثبت وأظهر من قول عمر رضي الله عنه: ما بعد الكمال إلا النقص، إلا أن يجمع بينهما بأن ابن عباس أراد الدين نفسه، وعمر أراد قوة الأخذ والاستمساك به والإخلاص فيه; إذ لا شك في أن هذا المعنى كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أتم وأكمل، فالراجح أنه هو مراد عمر، ويؤيده ما روي عنه أنه فهم من الآية قرب وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وروي ذلك عن أبي بكر أيضا، رضي الله عنهما وعن سائر الآل والصحب الصادقين المخلصين، الذين حفظوا لنا بحفظ القرآن والعمل به وبالسنة، هذا الدين، فالعمدة في معرفته حق المعرفة القرآن والسنة العملية التي لم تعرف إلا بجريهم عليها، ولا سعة لمسلم أن يخرج عن هذين الأمرين باجتهاده ورأيه، أما ما لم يجر عليه العمل، ولم يرد في القرآن من أخبار الآحاد القولية أو العملية التي لم تكن سنة متبعة للسواد الأعظم منهم، فهي التي يجوز أن تكون محلا لاجتهاد المجتهدين من حيث صحة روايتها وتحقيق المراد منها، وسلامتها من المعارضة، والترجيح بين المتعارضات منها، ولا يصح أن يكون شيء من ذلك عقيدة، ولا أمرا كليا من أمور الدين; إذ لو صح هذا لكان منافيا لمنة الله على المؤمنين كافة بأنه أكمل لهم الدين، وأتم عليهم النعمة، ولا يعقل أن يكون هذا الإكمال والإتمام متوقفا على ما لم يطلع عليه إلا الآحاد من الناس، بل يكون هذا النوع في الفروع والمسائل الجزئية التي ينفع العلم بها ولا يضر أحدا في دينه أن يجهلها; ولهذا لم يشترط أحد من العلماء في الاجتهاد والإمامة في فهم الدين الإحاطة بأحاديث الآحاد المتعلقة بهذه الجزئيات.
ثم قال عز وجل: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم} الاضطرار هو دفع الإنسان إلى ما يضره وحمله عليه أو إلجاؤه إليه; فهو صيغة افتعال من الضرر، وأصل معناه: الضيق، وهذه الصيغة تدل على التكلف، فالاضطرار تكلف ما يضر بملجئ يلجئ إليه، والملجئ إلى ذلك إما أن يكون من نفس الإنسان، وحينئذ لا بد أن يكون ضررا حاصلا أو متوقعا يلجئ إلى التخلص منه بما هو أخف منه، عملا بقاعدة: " ارتكاب أخف الضررين " الثابتة عقلا وطبعا وشرعا، وإما أن يكون من غير نفسه; كإكراه بعض الأقوياء بعض الضعفاء على ما يضرهم، ومن هذا القبيل قوله تعالى:
{ ثم أضطره إلى عذاب النار } [البقرة: 126].
وما نحن فيه من القسم الأول، والضرر الملجئ فيه هو: المخمصة، أي المجاعة، وهي مأخوذة من خمص البطن، أي ضموره لفقد الطعام، فالجوع ضرر يدفع الإنسان إلى تكلف أكل الميتة، وإن كان يعافها طبعا ويتضرر بها لو تكلف أكلها في حال الاختيار، سواء أكان بها علة أم لا، وقد وافق الشرع الفطرة فأباح للمضطر أكل الميتة وغيرها من المحرمات لهذه الضرورة، ولا يبيح ذلك أي جوع يعرض للإنسان، ولا الجوع الشديد مطلقا، بل الجوع الذي لا يجد معه الجائع شيئا يسد به رمقه إلا المحرم مما ذكر. يدل على هذا المعنى قوله: {في مخمصة} أي: فمن اضطر فأكل مما ذكر حال كونه في مجاعة محيطة به إحاطة الظرف بالمظروف، لا يجد منفذا منها إلا ما ذكر، وحال كونه: {غير متجانف لإثم} أي: غير جائر فيه أو متمايل إليه متعمد له، فالجنف: الميل والجور، ويصدق بالميل إلى الأكل ابتداء، وبالجور فيه بأكل الكثير، وهو في معنى قوله في آيتي الأنعام والنحل:
{ فمن اضطر غير باغ ولا عاد } [الأنعام: 145] أي غير طالب له ولا متعد ومتجاوز قدر الضرورة فيه; فعبارة سورة المائدة أوجز، وإنما اشترط هذا لأن الإباحة للضرورة، فيشترط تحققها أولا وكونها هي الحامل على الأكل، وأن تقدر بقدرها، فيأكل بقدر ما يدفع الضرر لا يعدوه إلى الشبع، وهذا الشرط معقول في حكم الضرورات، فهو نافع للمضطر أدبا وطبعا; لأنه يمنعه أن يتجرأ على تعود ما فيه مهانة له وضرر.
والظاهر أن المضطر مخير بين تلك المحرمات، أو يختار أقلها ضررا، وقد يكون أشهاها إليه.
{فإن الله غفور رحيم} أي فمن اضطر إلى أكل شيء مما ذكر، فأكل منه في مجاعة لا يجد فيها غيره، وهو غير مائل إليه لذاته ولا جائر فيه متجاوز قدر الضرورة - فإن الله غفور لمثله لا يؤاخذه على ذلك، رحيم به يرحمه ويحسن إليه.
الأصل في الأشياء الحل; إذ من المعلوم بسنن الفطرة وآيات الكتاب أن الله سخر هذه الأرض وما فيها للناس ينتفعون بها ويظهرون أسرار خلق الله وحكمه فيها، وإنما المحظور عليهم هو ما يضرهم. ولكن الناس لا يقفون عند حدود الفطرة واتقاء المضرة وجلب المنفعة، بل دأبهم الجناية على فطرتهم، والتصدي أحيانا لفعل ما يضرهم وترك ما ينفعهم، ومن ذلك أن العرب استباحت أكل الميتة والدم المسفوح من الخبائث الضارة، وحرمت على أنفسها بعض الطيبات من الأنعام بأوهام باطلة; كالبحيرة والسائبة وغير ذلك، كما سيأتي بيانه في أواخر هذه السورة وفي سورة الأنعام، ولأجل هذا كانت الحاجة قاضية ببيان ما يحله الله مما حرموه، بعد بيان ما حرمه مما أحلوه، وذلك قوله تعالى:
{يسألونك ماذا أحل لهم} إلخ; أي يسألك المؤمنون أيها الرسول: ماذا أحل لهم من الطعام أو اللحوم خاصة؟ والسؤال يتضمن معنى القول، فهو حكاية لقولهم، وإنما قال: لهم لا: " لنا " مراعاة لضمير الغائب في يسألونك ويجوز في مثله مراعاة اللفظ كما هنا، ومراعاة المعنى، يقولون: أقسم زيد ليفعلن كذا، و: لأفعلن كذا.
وقد ذكر أهل التفسير المأثور عدة روايات في هذا السؤال، منها حديث أبي رافع عند الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، وملخصه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر أبا رافع بقتل الكلاب في المدينة جاء الناس، فقالوا: يا رسول الله، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فأنزل الله الآية، فقرأها، وذكر مسألة صيد الكلاب، وأكل ما أمسكن منه، كأنه تفسير لها.
وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، أن عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائيين، سألا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالا: يا رسول الله، قد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا؟ فنزلت. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عامر، أن عدي بن حاتم الطائي، أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن صيد الكلاب، فلم يدر ما يقول حتى أنزل الله هذه الآية في المائدة {تعلمونهن مما علمكم الله} فإذا صحت هذه الروايات بلفظها فهي دليل على أن آية المائدة لم تنزل دفعة واحدة كما هو ظاهر روايات أخرى، وإلا فهي مروية بالمعنى، وهو المختار عندنا.
{قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله} الطيب: ضد الخبيث، والمقابلة بينهما في القرآن كثيرة كقوله تعالى:
{ قل لا يستوي الخبيث والطيب } [المائدة: 100] وقد استعملا في الأناسي والأشياء والأفعال والأقوال، ومنه مثل الكلمة الخبيثة والكلمة الطيبة في سورة إبراهيم، ومنه "بلدة طيبة".
قال الراغب: المخبث والخبيث ما يكره رداءة وخساسة محسوسا كان أم معقولا، وأصله: الرديء الدخلة الجاري مجرى خبث الحديد. اهـ. وقال في الحرف الآخر: وأصل الطيب ما تستلذه الحواس، وما تستلذه النفس. اهـ. فجعل الطيب أخص من مقابله في بابه، والصواب ما قلناه.
والطيبات من الطعام هي ما تستطيبه النفوس السليمة الفطرة المعتدلة المعيشة، بمقتضى طبعها، فتأكله باشتهاء، وما أكله الإنسان باشتهاء هو الذي يسيغه ويهضمه بسهولة، فيتغذى به غذاء صالحا، وما يستخبثه ويعافه لا يسهل عليه هضمه، ولا ينال منه غذاء صالحا، بل يضره غالباً.
فما حرمه الله في الآية السابقة خبيث بشهادة الله الموافقة لفطرته التي فطر الناس عليها، فما زال السواد الأعظم من أصحاب الطباع السليمة والفطرة المعتدلة يعافون أكل الميتة حتف أنفها، وما مثلها من فرائس السباع والمترديات والنطائح ونحوها، وكذلك الدم المسفوح، وأما لحم الخنزير فإنما يعافه من يعرف ضرره وانهماكه في أكل الأقذار.
و " الجوارح ": جمع جارحة، وهي الصائدة من الكلاب والفهود والطيور كما قال الراغب. قال المفسرون: سميت الصوائد جوارح من الجرح، بمعنى الكسب; فهي كالكاسب من الناس، قال تعالى:
{ ويعلم ما جرحتم بالنهار } [الأنعام: 60] أي: كسبتم، وقيل: من الجرح: بمعنى الخدش، أي إن من شأنها أن تجرح ما تصيده.
و " مكلبين " اسم فاعل من التكليب، وهو تعليم الجوارح وتأديبها وإضراؤها بالصيد، وأصله تعليم الكلاب، غلب لأنه الأكثر، وقيل: إنه من الكلب بالتحريك، بمعنى الضراوة، يقال: هو كلب - ككتف - بكذا، إذا كان ضاريا به، وموضع مكلبين: النصب على الحال، وكذلك جملة تعلمونهن مما علمكم الله أو هي استئناف، أي: أنتم تعلمونهن مما علمكم الله، أي مما ألهمكم الله إياه وهداكم إليه من ترويضها والانتفاع بتعليمها، وما ألهمكم ذلك الانتفاع إلا وهو يبيحه لكم، ونكتة هذه الجملة على القول بأنها حالية مراعاة استمرار تعاهد الجوارح بالتعليم; لأن إغفالها ينسيها ما تعلمت، فتصطاد لنفسها ولا تمسك على صاحبها، وإمساكها عليه شرط لحل صيدها، نص عليه في الجملة التي بعد هذه.
وهذا التعليل الذي ألهمنيه الله - تعالى - أظهر مما قالوه من أنه المبالغة في اشتراط التعليم، وإذا كانت الجملة استئنافا فنكتتها تذكير الناس بفضل الله عليهم بهدايتهم إلى مثل هذا التعليم على سنة القرآن في مزج الأحكام بما يغذي التوحيد وينمي الاعتراف بفضل الله وشكر نعمه. وغاية تعليم الجارح أن يتبع الصيد بإغراء معلمه أو الصائد به، ويجيب دعوته وينزجر بزجره، ويمسك الصيد عليه.
والمعنى: أحل لكم أكل الطيبات كلها، وصيد ما علمتم من الجوارح بشرطه. أما الطيبات فظاهر الحصر في آيتي الأنعام والنحل أن كل ما عدا المنصوص من المحرمات طيب فهو حلال، ولولاه لكان الظاهر أن يقال: إن من الطعام ما هو خبيث محرم بنص الكتاب، وهو ما ذكر في الآية السابقة، ومنه ما هو طيب حل بنص الكتاب; كبهيمة الأنعام وصيد البر والبحر، أي ما شأنه أن يصاد منهما. فأما البحر فكل حيوانه يصاد، وأما البر فإنما يصاد منه للأكل في العادة والعرف الغالب، ما عدا سباع الوحش والطير، فتكون هذه السباع حراما، وهو ظاهر حديث ابن عباس: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير. وحديث أبي ثعلبة الخشني: كل ذي ناب من السباع فأكله حرام رواهما أحمد ومسلم وأصحاب السنن، ما عدا الترمذي في الأول، وأبا داود في الثاني. ومن أخذ بالحصر في الآيتين جعل النهي عما ذكر نهي كراهة، وهو المشهور من مذهب مالك، كما قاله ابن العربي، وقال ابن رسلان: مشهور مذهبه على إباحة ذلك، وهو لا ينافي كراهة التنزيه، وكأنه يرى أن حديث أبي ثعلبة مروي بالمعنى إن كان قد بلغه. والسبع عند الشافعي: ما يعدو على الناس والحيوان; فيخرج الضبع والثعلب; لأنهما لا يعدوان على الناس، وعند أبي حنيفة كل ما أكل اللحم، قالوا: فيدخل فيه الضبع والضب والنمر واليربوع والفيل، على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أجاز أكل الضب، كما في حديث خالد بن الوليد، وحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما، وأحاديث أخرى، وصرح بأنه يعافه لأنه لم يكن في أرض قومه. وأجاز أكل الضبع، رواه أحمد والشافعي وأصحاب السنن وغيرهم، وصححه الترمذي وغيره، وهو يدل لما ذكرناه من أخذ تحريم السباع من مفهوم الصيد، ونصه عن عبد الرحمن بن عبد الله عن عبد الله بن أبي عمارة، قال: " قلت لجابر: الضبع أصيد هي؟ قال: نعم، قلت: آكلها؟ قال: نعم. قلت: آكلها؟ قال: نعم. قلت: أقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم.
ويمكن أن يقال أيضا - لولا ما ذكر من الحصر - أن ما لا نص في الكتاب على حله أو على حرمته قسمان: طيب حلال وخبيث حرام، وهل العبرة في التمييز بينهما ذوق أصحاب الطباع السليمة، أو يعمل كل أناس بحسب ذوقهم؟ كل من الوجهين محتمل، والموافق لحكمة التحريم: الثاني، وهو أنه يحرم على كل أحد أن يأكل ما تستخبثه نفسه وتعافه; لأنه يضره ولا يصلح لتغذيته، ولذلك قال بعض الحكماء: ما أكلته وأنت تشتهيه فقد أكلته، وما أكلته وأنت لا تشتهيه فقد أكلك. ويروى عن الشافعي أن العبرة ذوق أصحاب الطباع السليمة من العرب الذين خوطبوا بهذا أولا، ويرد عليه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عاف أكل الضب وعلله بأنه ليس في أرض قومه، وأذن لغيره بأكله وصرح بأنه لا يحرمه، فلا يحكم بذوق قوم على ذوق غيرهم، وليس هذا أمرا يتعلق باللغة حتى يقال: إنهم هم الذين خوطبوا بهذا النص أولا، فالعبرة بما يفهمونه منه، والناس لهم فيه تبع، بل هو أمر متعلق بالأذواق والطباع.
ومعناه: أحل لكم أيها المكلفون ما يستطاب أكله ويشتهى، دون ما يستخبث ويعاف، وحينئذ تكون العبرة بالسواد الأعظم من سليمي الطباع غير ذوي الضرورات والمعيشة الشاذة، أو يختلف باختلاف الطباع بين الأقوام. واختلف الفقهاء فيما ينتن: أيحرم أم يكره؟ وهو خبيث لغة وعرفا، ولا يرد على الحصر المار لأن خبثه عارض، وكل حلال يعرض له وصف يصير به ضارا يحرم - كاختمار العصير - فإن زال حل; كتخلل الخمر.
وأما صيد الجوارح فقد قيد النص حله بأن يكون الجارح الذي صاده مما أدبه الناس وعلموه الصيد حتى يصح أن ينسب الصيد إليهم، ويكون قتل الجارح له كتذكية مرسله إياه، فيخرج بذلك عن أن يكون من الفرائس، ويمسك الصيد على الصائد، وذلك أن قوله: {فكلوا مما أمسكن عليكم} أي: فكلوا من الصيد ما تمسكه الجوارح عليكم، أي تصيده لأجلكم، فتحبسه وتقفه عليكم بعدم أكلها منه، فإن أكلت منه لا يحل أكل ما فضل عنها عند الجمهور; لأنه مثل فريسة السبع المحرمة في الآية السابقة، بل هي منها; لأن الكلاب ونحوها من السباع، وكذلك تسمى السباع كلابا، ومنه حديث اللهم سلط عليه كلبا من كلابك روى أحمد، والشيخان عن عدي بن حاتم، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك، إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل; فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه وفي رواية: " إذا أرسلت كلبك المعلم فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك، فأدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله; فإن أخذ الكلب ذكاة " الحديث متفق عليه، والحكم مجمع عليه.
وروي عن بعض السلف الأخذ بظاهر عموم مما أمسكن فقالوا: كل ما جاء به الكلب أو غيره، أكل منه أو لم يأكل، فهو قد أمسكه على صاحبه، فله أكله. روى ابن جرير وغيره نحو هذا عن ابن عمر وسعد، وعن أبي هريرة وسلمان أنهما قالا: وإن أكل ثلثيه، وبقي الثلث فكل، وعليه مالك.
وفرق آخرون بين الكلاب ونحوها من السباع وبين الطير كالبازي; فأباحوا ما أكل منه الطير دون ما أكل منه الكلب. روى ابن جرير، هذا عن ابن عباس وعطاء والشعبي وإبراهيم النخعي.
ومن أسباب الخلاف في المسألة الخلاف في حد التعليم الذي اشترطه الكتاب في حل صيد الجوارح، وأكد اشتراطه حتى لا يتساهل المسلم الضعيف النفس في أكل فضلات الكلاب والسباع، وقد اكتفى بعض العلماء في حد التعليم بطاعة الكلب ونحوه لمعلمه ثلاث مرات، روي هذا عن أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وعن أبي حنيفة: مرتين، وعند الشافعية: العبرة بالعرف. وحقيقة التعليم عند الجمهور أن يطلب الكلب أو البازي أو غيرهما الصيد إذا أغري به، ويجيب إذا دعي، ويسمى ذلك إشلاء واستشلاء، ولا ينفر من صاحبه، وأن يمسك الصيد عليه.
وموضع الخلاف في هذا الإمساك المنصوص هل يشترط فيه ألا يأكل الجارحة منه شيئا قط؟ أم يعد كل ما جاء به إمساكا على صاحبه، وإن أكل بعضه؟ الجمهور على الأول وهو الذي قدمناه; لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عدي المتفق عليه:
"فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه" وهذا الحديث معارض بحديث أبي ثعلبة الخشني، قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في صيد الكلب: "إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله - تعالى - فكل وإن أكل منه، وكل ما ردت عليك يدك" رواه أبو داود، وفي إسناده داود بن عمرو الأودي الدمشقي عامل واسط وثقه يحيى بن معين. وقال أحمد: حديثه مقارب. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال ابن عدي: ولا أرى برواياته بأسا، وقال العجلي ليس بالقوي، وقال أبو زرعة الرازي هو شيخ.
ومعنى قوله: ما ردت يدك، ما صدته بيدك مباشرة، قال الحافظ ابن كثير: وقد طعن في حديث ثعلبة، وأجيب بأنه صحيح لا شك فيه، وفي رواية أخرى له عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" كل ما ردت عليك قوسك وكلبك " زاد ابن حرب: المعلم ويدك; فكل ذكيا وغير ذكي قال الخطابي في تفسير " ذكي وغير ذكي ": يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون أراد بالذكي ما أمسك عليه، فأدركه قبل زهوق نفسه فذكاه في الحلق أو اللبة، وغير الذكي: ما زهقت نفسه قبل أن يدركه.
والثاني: أن يكون أراد بالذكي: ما جرحه الكلب بسنه أو مخالبه فسال دمه، وغير الذكي: ما لم يجرحه. اهـ.
والأول أظهر لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمى أخذ الكلب ذكاة كما تقدم. والحديث يدل على حل ما صاده الإنسان بيده فمات بأخذه ولم يذكه; لأن موته بيده ليس دون موته بأخذ الكلب ونحوه، وله وللنسائي أيضا من طريق ابن شعيب عن أبيه عن جده، أن أعرابيا يقال له أبو ثعلبة، قال: يا رسول الله، إن لي كلابا مكلبة (كمعلمة وزنا ومعنى) فأفتني في صيدها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن كان لك كلاب مكلبة فكل مما أمسكن عليك قال: ذكيا أو غير ذكي؟ قال: نعم، قال: فإن أكل منه؟ قال: وإن أكل منه قال: يا رسول الله أفتني في قوسي. قال: كل ما ردت عليك قوسك قال: ذكيا وغير ذكي؟ قال: " ذكي وغير ذكي " قال: وإن تغيب عني؟ قال: " وإن تغيب عنك، ما لم يصل - أي: ينتن - أو يتغير أو تجد فيه أثر غير سهمك " ثم سأله عن آنية المجوس، فأفتاه بغسلها والأكل فيها.
قال الحافظ ابن حجر: ولا بأس بإسناده، وقد اختلفوا في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولهم فيه أقوال كثيرة، سببها أنه لم يسمع كل ما رواه عن جده، بل كان عنده صحيفة مكتوبة أو كتاب، وهو ما يسمونه " الوجادة " فمن ههنا ضعفه بعضهم، وممن وثقه البخاري، وإن لم يرو عنه في صحيحه; لما له من الشروط فيه غير ثقة الراوي، قال: رأيت أحمد وعليا، وإسحاق والحميدي يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، فمن الناس بعدهم؟! والتحقيق ما قاله الذهبي: " لسنا نقول إن حديثه من أعلى أقسام الصحيح، بل هو من قبيل الحسن ".
فإذا كان حديث أبي ثعلبة مما يحتج به كما تقدم وهو معارض لحديث عدي، والجمع بينهما ممكن بحمل النهي في حديث عدي على كراهة التنزيه، فلم لا يصار إليه؟ قال بعضهم: إن عديا كان موسرا فاختير له الحمل على الأولى، بخلاف أبي ثعلبة; فإنه كان أعرابيا فقيرا، وردوا هذا بتعليل الحديث بخوف أن يكون إنما أمسك على نفسه، وأقول: إن مفهوم هذا التعليل أن من علم بالقرينة أنه أمسك عليه فله أن يأكل منه، وإن أكل الجارح قطعة منه لشدة جوعه - مثلا - كما يأكل من سائر طعام معلمه، وإن علم بالقرينة أنه إنما صاد لنفسه وأمسك لها لعدم انتهاء تعليمه وتكليبه، فليس له أن يأكل إلا إذا اعتقد أن النهي لكراهة التنزيه، كما قال بعضهم والخوف من الإمساك على نفسه ترجيح له.
أما " من " في قوله تعالى: {مما أمسكن عليكم} فذهب ابن جرير إلى أنها للتبعيض، فإن ما يمسكه الجارحة حلال لحمه حرام فرثه ودمه، فيؤكل بعضه وهو اللحم. ورد قول بعض النحويين أنها زائدة. وأقول: هي هنا مثلها في قوله تعالى:
{ كلوا من الطيبات } [المؤمنون: 51] { كلوا من طيبات ما رزقناكم كلوا واشربوا من رزق الله } [البقرة: 60] { كلوا مما في الأرض حلالا طيبا } [البقرة: 168] { كلوا من ثمره إذا أثمر } [الأنعام: 141] فـ " من " في كل ذلك للابتداء على أصل معناها، فإن كانت للتبعيض; فلأنه الواقع غالبا، لا لإفادة حل بعض ما ذكر وتحريم بعض. ثم قال تعالى: {واذكروا اسم الله} الظاهر المتبادر من هذا الأمر: اذكروا اسم الله على ما أمسكت عليكم جوارحكم من الصيد عند أكله، والمشهور أن المراد به التسمية عند إرسال الكلب ونحوه أخذا من حديث عدي بن حاتم إذا أرسلت كلبك وسميت، فأخذ فقتل فكل وفي رواية: فإن وجدت مع كلبك كلبا غيره، وقد قتل فلا تأكل; فإنك لا تدري أيهما قتله وفي رواية: فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره، وقد يقال: إن هذا لم يرد في تفسير الآية، فهو حكم قد ثبت بالسنة على رأي من يقول: إن الأحكام تثبت بها، وإن لم يكن لها أصل في الكتاب، أو هو مأخوذ من آية أخرى كظاهر: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق } [الأنعام: 121] أو يقال: إن التسمية عند إرسال الكلب سنة. وقد اختلف العلماء في حكم التسمية; إذ ليس فيها نص صريح أجمع السلف عليه. روى ابن جرير عن ابن عباس أنه قال في تفسير الآية هنا: إذا أرسلت جوارحك، فقل بسم الله، وإن نسيت، فلا حرج. فهو يرى أن التسمية عند إرسال الكلب سنة، وقد روي ذلك عن أبي هريرة أيضا، وتقدم عن طاوس، وروى البخاري والنسائي وابن ماجه من حديث عائشة، أن قوما قالوا: يا رسول الله، إن قوما يأتوننا باللحم، لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: " سموا عليه أنتم وكلوا " قال: وكانوا حديثي عهد بالكفر. وهذا يؤيد ما قلناه قبل من أن ظاهر الآية طلب التسمية عند الأكل، وأما فقهاء الأمصار فقد قال الشافعي منهم بأن التسمية على الذبيحة مستحبة، لا واجبة ولا شرط، وقال أبو حنيفة ومالك، وأحمد في المشهور عنه: هي واجبة، وتسقط مع السهو والنسيان، وفي رواية عن أحمد أنها تجب مطلقا. والعمدة في هذا الباب آية الأنعام { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق } [الأنعام: 121] فقد ذهب بعض مفسري الأثر إلى أن المراد به ما ذبح لغير الله، وذهب آخرون إلى أنه عام في جميع الذبائح، قال ابن جرير بعد ذكر الروايات في الآية: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عنى بذلك: ما ذبح للأصنام والآلهة، أو ما مات، أو ذبحه من لا تحل ذبيحته، وأما من قال عنى بذلك ما ذبحه المسلم فنسي ذكر اسم الله - فقول بعيد من الصواب; لشذوذه، وخروجه عما عليه الحجة مجمعة من تحليله، وكفى بذلك شاهدا على فساده، وقد بينا فساده من جهة القياس في كتابنا المسمى " لطيف القول في أحكام شرائع الدين " فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
وأما قوله: {وإنه لفسق} فإنه يعني أن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه من الميتة وما أهل به لغير الله لفسق. اهـ. وخصه بعض الشافعية بما أهل به لغير الله، وجعل الجملة حالية أخذا من قوله، تعالى:
{ أو فسقا أهل لغير الله به } [الأنعام: 145] وهذا هو المختار عندنا، وسنعود إلى هذا المبحث في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى.
{واتقوا الله إن الله سريع الحساب} أي واتقوا الله أيها المؤمنون فيما أمركم به بأن تأتمروا به، وفيما نهاكم عنه بأن تنتهوا عنه، إن الله سريع الحساب; لأن سنته في الجزاء على الأعمال أنه أثر طبيعي لها، لا يتخلف عنها، فاعلموا أنه لا يضيع شيئا من أعمالكم، بل تحاسبون وتجازون عليها في الدنيا والآخرة، وهو يحاسب الناس كلهم يوم القيامة في وقت واحد، فأجدر بحسابه أن يكون سريعا، وقد تقدم تفسير هذه الجملة في سورة البقرة فليرجع إليه من شاء.
ثم قال عز وجل: {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم} للاتصال بين هذه الآية وما قبلها مناسبة غير سرد أحكام الطعام وبيان أحكام الحلال والحرام، وهي أن سبب مشروعية التذكية التفصي من أكل المشركين للميتة، وسبب التشديد في التسمية على الطعام من صيد وذبيحة هو إبعاد المسلمين عما كان عليه المشركون من الذبح لغير الله - تعالى - بالإهلال به لأصنامهم، أو وضعها على النصب واستبدال اسم الله وحده بتلك الأسماء التي سموها هم وآباؤهم، ما أنزل الله بها من سلطان، ليطهرهم من كل ما كانوا عليه من أدران الشرك، ولما كان أهل الكتاب في الأصل أهل توحيد ثم سرت إليهم نزغات الشرك ممن دخل في دينهم من المشركين، ولم يشددوا في الفصل بينهم وبين ماضيهم، وكان هذا مظنة التشديد في مؤاكلة أهل الكتاب ومناكحتهم، كما شدد في أكل ذبائح مشركي العرب ونكاح نسائهم.
بيّن الله لنا في هذه الآية: ألا نعامل أهل الكتاب معاملة المشركين في ذلك، فأحل لنا مؤاكلتهم، ونكاح نسائهم، وقد يستشكل إحلال الطيبات في ذلك اليوم على القول بأن المراد به يوم عرفة سنة حجة الوداع، فإن حلها ذكر في بعض السور المكية كالأعراف، ويجاب بأن المراد أنها كانت حلالا بالإجمال، فلما حرم الله يوم إنزال هذه السورة أنواع الخبائث التي تدخل في عموم الميتة، كما تقدم في الآية السابقة، وكانت العرب تستحلها، ونفى تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي من طيبات الأنعام، وكانت العرب تحرمها - صار حل الطيبات مفصلا تمام التفصيل، وحكمه مستقرا دائما، فهذا هو المراد بالنص، وقيل: إنه تمهيد لما بعده.
وفسر الجمهور الطعام هنا بالذبائح أو اللحوم; لأن غيرها حلال بقاعدة أصل الحل، ولم تحرم من المشركين، وإلا فالظاهر أنه عام يشملها، ومذهب الشيعة أن المراد بالطعام: الحبوب أو البر; لأنه الغالب فيه، وقد سئلت عن هذا في مجلس كان أكثره منهم وذكرت الآية، فقلت: ليس هذا هو الغالب في لغة القرآن; فقد قال الله - تعالى - في هذه السورة، أي المائدة:
{ أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة } [المائدة: 96] ولا يقول أحد إن الطعام من صيد البحر هو البر أو الحبوب، وقال: { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة } [آل عمران: 93] ولم يقل أحد إن المراد بالطعام هنا البر أو الحب مطلقا; إذ لم يحرم شيء منه على بني إسرائيل، لا قبل التوراة ولا بعدها، فالطعام في الأصل كل ما يطعم; أي يذاق أو يؤكل، قال - تعالى - في ماء النهر حكاية عن طالوت: { فمن شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فإنه مني } [البقرة: 249] وقال: { فإذا طعمتم فانتشروا } [الأحزاب: 53] أي أكلتم وليس الحب مظنة التحليل والتحريم، وإنما اللحم هو الذي يعرض له ذلك; لوصف حسي كموت الحيوان حتف أنفه، وما في معناه، أو معنوي كالتقرب به إلى غير الله; ولذلك قال تعالى: { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا } [الأنعام: 145] الآية، وكله يتعلق بالحيوان، وهو نص في حصر التحريم فيما ذكر; فتحريم ما عداه يحتاج إلى نص، وقد شدد الله فيما كان عليه مشركو العرب; من أكل الميتة بأنواعها المتقدمة والذبح للأصنام; لئلا يتساهل به المسلمون الأولون تبعا للعادة. وكان أهل الكتاب أبعد منهم عن أكل الميتة والذبح لغير الله، ولأنه كان من سياسة الدين التشديد في معاملة مشركي العرب حتى لا يبقى في الجزيرة منهم أحد إلا ويدخل في الإسلام، وخفف في معاملة أهل الكتاب; استمالة لهم حتى إن ابن جرير روى عن أبي الدرداء وابن زيد، أنهما سئلا عما ذبحوه للكنائس، فأفتيا بأكله، قال ابن زيد: أحل الله طعامهم ولم يستثن منه شيئا. وأما أبو الدرداء فقد سئل عن كبش ذبح لكنيسة يقال لها " جرجس " أهدوه لها: أنأكل منه؟ فقال أبو الدرداء للسائل: اللهم عفوا، إنما هم أهل كتاب طعامهم حل لنا، وطعامنا حل لهم، وأمره بأكله. وروى ابن جرير أيضا وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس، والبيهقي في سننه عن ابن عباس، في قوله: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} قال: ذبائحهم. وروى مثله عبد بن حميد عن مجاهد، وعبد الرزاق عن إبراهيم النخعي، وقد أجمع الصحابة والتابعون على هذا، وأكل النبي - صلى الله عليه وسلم - من الشاة التي أهدتها إليه اليهودية، ووضعت له السم في ذراعها، وكان الصحابة يأكلون من طعام النصارى في الشام بغير نكير، ولم ينقل عن أحد منهم خلاف، إلا في بني تغلب، وهم بطن من العرب انتسبوا إلى النصارى، ولم يعرفوا من دينهم شيئا، فنقل عن علي كرم الله وجهه أنه لم يجز أكل ذبائحهم، ولا نكاح نسائهم; معللا ذلك بأنهم لم يأخذوا من النصارى إلا شرب الخمر، يعني أنهم على شركهم، لم يصيروا أهل كتاب، واكتفى جمهور الصحابة بانتمائهم إلى النصرانية.
روى ابن جرير عن عكرمة، قال: سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى بني تغلب، فقرأ هذه الآية:
{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم } [المائدة: 51] وفي رواية له عنه أنه قال: كلوا من ذبائح بني تغلب، وتزوجوا من نسائهم فإن الله - تعالى - قال... وقرأ الآية. فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم; أي يكفي في كونهم منهم نصرهم لهم، وتوليهم إياهم في الحرب.
ولما كان من شأن كثير من الناس التعمق في الأشياء، وحب التشديد مع المخالفين، استنبط بعض الفقهاء في هذا المقام مسألة جعلوها محل النظر والاجتهاد، وهي: هل العبرة في حل طعام أهل الكتاب والتزوج منهم بمن كانوا يدينون بالكتاب كالتوراة والإنجيل كيفما كان كتابهم وكانت أحوالهم وأنسابهم، أم العبرة باتباع الكتاب قبل التحريف والتبديل، وبأهله الأصليين; كالإسرائيليين من اليهود؟ المتبادر من نص القرآن ومن السنة وعمل الصحابة أنه لا وجه لهذه المسألة ولا محل; فالله - تعالى - قد أحل أكل طعام أهل الكتاب، ونكاح نسائهم على الحال التي كانوا عليها في زمن التنزيل، وكان هذا من آخر ما نزل من القرآن; وكان أهل الكتاب من شعوب شتى، وقد وصفهم بأنهم حرفوا كتبهم، ونسوا حظا مما ذكروا به، في هذه السورة نفسها، كما وصفهم بمثل ذلك فيما نزل قبلها، ولم يتغير يوم استنبط الفقهاء تلك المسألة شيء من ذلك، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى:
{ لا إكراه في الدين } [البقرة: 256] أن سبب نزولها محاولة بعض الأنصار إكراه أولاد لهم كانوا تهودوا، على الرجوع إلى الإسلام، فلما نزلت أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بتخييرهم، ولا شك أنه كان في يهود المدينة وغيرهم كثير من العرب الخلص، ولم يفرق النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا الخلفاء الراشدون بينهم في حكم من الأحكام.
واستنبط بعضهم علة أخرى لتحريم طعام أهل الكتاب والتزوج منهم، وهي إسناد الشرك إليهم في سورة التوبة بقوله تعالى:
{ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } [التوبة: 31] مع قوله في سورة البقرة { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } [البقرة: 221] وهذا هو عمدة الشيعة في هذه المسألة، وأجيب عنه.
(أولا): بأن الشرك المطلق في القرآن، إذا كان وصفا أو عد أهله صنفا من أصناف الناس لا يدخل فيه أهل الكتاب، بل يعدون صنفا آخر مغايرا لهذا الصنف، كما قال تعالى:
{ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة } [البينة: 1] وقال: { إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا } [الحج: 17] الآية.
(وثانيا): بأننا إذا فرضنا أن " المشركين " في آية البقرة عام، فلا مندوحة لنا عن القول بأن هذه الآية قد خصصته، أو نسخته لتأخرها بالاتفاق، ولجريان العمل عليها، ومنه أن حذيفة بن اليمان من أكبر علماء الصحابة قد تزوج يهودية، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة.
فقوله تعالى: {والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} معناه أنهن حل لكم مطلقا; لأنه معطوف على قوله {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} وهل المحصنات هنا الحرائر أو العفيفات - أي غير الزواني - فلا فرق بين المسلمة والكتابية؟ خلاف سيأتي تحقيقه، وخص بعضهم الكتابية بالذمية، وقال بعضهم: إنه عام فلا فرق بين الذمية والحربية، ومن قال المراد بالمحصنات: الحرائر، منع نكاح الكتابية المملوكة، وبه قال الشافعي، وقوّوه بقوله - تعالى - في سورة النساء:
{ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات } [النساء: 25] وقد يقال: إن هذا علق هنالك على العجز عن المحصنات المؤمنات فقط; لأن الله - تعالى - لم يكن أحل المحصنات الكتابيات وقد أحلهن هنا، فصارت حرائرهن كحرائر المسلمات، وإماؤهن كإمائهن، وقول الشافعي: اجتمع في الأمة الكتابية نقصان: الكفر والرق، لا يقتضي التحريم، وإنما المقتضي له نص الشارع; ككون المراد بالمحصنات: الحرائر، وهو محل النظر والخلاف، وأيده ابن جرير بأمر عمر بتزويج من زنت وكادت تبخع نفسها، فأنقذت، وبعد البرء استشير. وروى عدة روايات في هذا المعنى.
كأنه يريد أن العفة لا تشترط في النكاح، وأن عمر كان يجيز نكاح الزانية، وليس هذا هو مراد عمر، وإنما أراد أنها خرجت بالتوبة من كونها زانية، والروايات صريحة في ذلك، ففي بعضها: أليس قد تابت؟ قال السائل: بلى، وفي رواية المرأة الهمدانية التي شرعت في ذبح نفسها فأدركوها، فداووها، فبرئت، قال لهم: أنكحوها نكاح العفيفة المسلمة، وفي رواية له: أن رجلا من أهل اليمن أصابت أخته فاحشة فأمرت الشفرة على أوداجها فأدركت، فداوى جرحها حتى برئت، ثم إن عمها انتقل بأهله حتى قدم المدينة، فقرأت القرآن، ونسكت حتى كانت من أنسك نسائهم، فخطبت إلى عمها، وكان يكره أن يدلسها ويكره أن يفشي على ابنة أخيه، فأتى عمر فذكر ذلك له، فقال عمر: لو أفشيت عليها لعاقبتك، إذا أتاك رجل صالح ترضاه فزوجها إياه.
وفي رواية أخرى: أتى رجل عمر فقال: إن ابنة لي كانت وئدت في الجاهلية فاستخرجتها قبل أن تموت، فأدركت الإسلام فلما أسلمت أصابت حدا من حدود الله فعمدت إلى الشفرة لتذبح نفسها فأدركتها، وقد قطعت بعض أوداجها فداويتها حتى برئت، ثم إنها أقبلت بتوبة حسنة فهي تخطب إلي يا أمير المؤمنين، فأخبر من شأنها بالذي كان؟ فقال عمر: أتخبر بشأنها؟ تعمد إلى ما ستره الله فتبديه؟ والله لئن أخبرت بشأنها أحدا من الناس لأجعلنك نكالا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاح العفيفة المسلمة.
وروى ابن جرير أيضا عن الحسن قال، قال عمر بن الخطاب: لقد هممت ألا أدع أحدا أصاب فاحشة في الإسلام أن يتزوج محصنة، قال له أبي بن كعب: يا أمير المؤمنين الشرك أعظم من ذلك، وقد يقبل منه إذا تاب. اهـ.
والإباضية يشددون في النكاح بعد الزنا، لا فرق عندهم بين من تاب ومن لم يتب، ولما كنت في " مسقط " في العام الماضي (1330) كانت قد عرضت واقعة في ذلك على السلطان السيد فيصل فسألني عنها، فقلت: إن الأصل في هذه المسألة قوله تعالى:
{ الزاني لا ينكح إلا زانية والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين } [النور: 3] ولما كانت التوبة من الشرك تبيح نكاح التي آمنت وإنكاح الذي آمن، والشرك أقوى المانعين والإباضية مجمعون مع سائر المسلمين على ذلك، كان ينبغي بالأولى أن يجيزوا مثل ذلك في التوبة من الزنا، وهو ما أجمع عليه سائر المسلمين.
روي القول بأن المراد بالمحصنات هنا الحرائر عن ابن عباس ومجاهد واختاره ابن جرير والقول بأنهن العفيفات عن مجاهد أيضا وعن سفيان والحسن والشعبي والسدي والضحاك، وزاد بعضهم الاغتسال من الجنابة. قال الشعبي وعامر: إحصان اليهودية والنصرانية ألا تزني وأن تغتسل من الجنابة.
وجملة القول: أن مفسري السلف اختلفوا في المحصنات هنا فقال جماعة منهم: هن الحرائر. وجماعة: هن العفائف عن الزنا، وكلا المعنيين صحيح، فإذا جاز استعمال اللفظ فيهما على قول من يقول باستعمال المشترك في معنييه، واللفظ في حقيقته ومجازه فهو يتناولهما معا، وإلا فالراجح المختار أن المراد بالمحصنات هنا الحرائر. وتحريم نكاح الزواني يعرف من آية سورة النور، وما هنا لا ينافيه، ذلك بأن نكاح الإماء المسلمات يشترط فيهن العجز عن الحرائر، كما في سورة النساء، وتقدم آنفا، فالكتابيات بالأولى، والحل هنا مطلق في الفريقين، وإنما يصح الإطلاق في الحرائر دون الإماء بالإجماع، ولم يقل أحد من المسلمين بنسخ ما اشترط في نكاح الأمة هنالك بما هنا، وتفسير المحصنات بالعفائف لا يدخل في عمومه الإماء بالنص; لأن الأصل في الخطاب الأحرار، والحرائر بالرق أمر عارض; ولذلك احتيج إلى النص على نكاحهن في سورة النساء، والغالب فيهن عدم العفة، فإذا صح هذا - خلافا لمن أدخل الإماء في عمومه من المفسرين - لا يبقى وجه لإحلال الأمة الكتابية إلا القياس على الأمة المسلمة، ومن قال: إن الأمة تدخل في عموم المحصنات بمعنى العفيفات، فلا مندوحة له عن اشتراط استطاعة عدم نكاح حرة مسلمة أو كتابية لصحة نكاحها، إما بقياس الأولى، وإما باعتبار ذلك الشرط نفسه هنا من قبيل تقييد المطلق بقيد المقيد، وعليه الجمهور في حال اتحاد الحكم والسبب كما هنا، ونقل بعضهم الاتفاق عليه كأنه لضعف الخلاف فيه لم يعتدّ به.
وقد استدل بعضهم بقوله تعالى: {إذا آتيتموهن أجورهن} على أن المراد بالمحصنات الحرائر; لأن معناه إذا أعطيتموهن مهورهن، والأمة لا تأخذ مهرها، وإنما يأخذه المالك، ويرده قوله تعالى:
{ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات... وآتوهن أجورهن } [النساء: 25] فهو عين ما هنا، وقد رجحنا في تفسير تلك الآية القول بأن مهر الأمة حق لها على الزوج، لا لمولاها، وهو مذهب مالك، ومن ذا الذي يستطيع أن يقول: إن الإماء لا يعطين مهورهن، والله - عز وجل - يقول {إذا آتيتموهن أجورهن} ولا خلاف في أن الأجور هي المهور؟ غاية ما يقوله الذين يقولون إن الأمة لا تملك شيئا، ولا يستثنون المهر من قاعدتهم بدليل الآية: أن للسيد أن يبقي لها المهر الذي تأخذه من زوجها، وأن يأخذه بحق الملك.
ولك أن تقول: إن دلالة قوله تعالى: {محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان} على ترجيح كون المراد بالمحصنات العفائف أقوى مما ذكر; إذ يكون الشرط في الرجال عين الشرط في النساء، وقوله: محصنين هنا حال، وهي قيد في عاملها فتفيد الشرطية; أي هن حل لكم إذا آتيتموهن أجورهن فعلا أو فرضا حال كونكم محصنين إلخ.
والمراد بالمحصنين هنا الأعفاء عن الزنا فعلا أو قصدا دون الأحرار; لأنهم الأصل في الخطاب، ولا نعلم في هذا خلافا، ويطلق " المحصن " بكسر الصاد بمعنى اسم الفاعل وبمعنى اسم المفعول، فالزواج يقصد به أن يكون الرجل محصنا، والمرأة محصنة يعف كل منهما الآخر، ويجعله في حصن يمنعه من الفاحشة جهرا أو على الشيوع، وهو المراد بالمسافحة، أو سرا، أو اختصاصا باتخاذ خدن من الأخدان وهو يطلق على الصاحب والصاحبة بألا يكون للمرأة صاحب أو خليل يزني بها سرا، ولا يكون للرجل امرأة كذلك، وقد تقدم تفسير مثل هذا في سورة النساء.
روى ابن جرير عن قتادة أنه قال: " ذكر لنا أن أناسا من المسلمين قالوا: كيف نتزوج نساءهم - يعني نساء أهل الكتاب - وهم على غير ديننا؟ فأنزل الله عز ذكره: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين} فأحل الله تزويجهن على علم. اهـ.
والذي أراه أن هذه الجملة نزلت مع الآية لا متأخرة عنها، وأن ما قاله قتادة عن الصحابة رضي الله عنهم معناه أنه لما استغرب بعضهم نكاح نساء أهل الكتاب واستنكروه، وكأنهم كانوا قريبي عهد بالإسلام، أنكر عليهم ذلك أهل العلم ووعظوهم بهذه الجملة التي ختمت بها الآية، ومعناها أن الإيمان لا يكون إلا بالإذعان لما أحله الله وحرمه، ومن لم يذعن كان كافرا، ومن كفر بما يجب عليه الإيمان به من كتاب الله حبط عمله أي بطل ثوابه، وخسر في الآخرة ما أعده الله للمؤمنين من الجزاء العظيم على الإيمان الصحيح، وهو إيمان الإذعان والعمل. روى ابن جرير عن مجاهد وعطاء تفسير (يكفر بالإيمان) بالكفر بالله عز وجل، وعن ابن عباس أنه قال في الآية: " أخبر الله سبحانه أن الإيمان هو العروة الوثقى، وأنه لا يقبل عملا إلا به، ولا يحرم الجنة إلا على من تركه " ووجه ابن جرير قول مجاهد، بأنه تفسير بالمراد لا بظاهر اللفظ، وذلك أن الإيمان هو التصديق بالله وبرسله وما ابتعثهم به من دينه، والكفر جحود ذلك، وفسرها هو على الوجه الذي يعطيه ظاهر اللفظ بقوله: ومن يأب الإيمان بالله ويمتنع من توحيده والطاعة له فيما أمره به ونهاه عنه - فقد حبط عمله، وذلك الكفر هو الجحود في كلام العرب، والإيمان التصديق والإقرار، ومن أبى التصديق بتوحيد الله والإقرار به فهو من الكافرين. اهـ. ووجه الرازي قول مجاهد وعزاه إلى ابن عباس أيضا بأنه مجاز حسنه أن الله - تعالى - رب الإيمان ورب كل شيء، وجعل الإيمان بمعنى القرآن في قول قتادة أنها نزلت في من استنكروا نكاح الكتابيات، أي من حيث اشتماله على ما ذكر من الأحكام، وفسره الزمخشري بشرائع الإسلام وما أحل الله وحرم، أي كما ذكر في الآية، وتبعه على ذلك البيضاوي وغيره.
ومجمل معنى الآية: اليوم أحل لكم الطيبات من الطعام، فلا بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام، وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم بمقتضى الأصل لم يحرمه الله عليكم قط، وطعامكم حل لهم كذلك أيضا، فلكم أن تأكلوا من اللحوم التي ذكوا حيوانها، أو صادوها كيفما كانت تذكيته وصيده عندهم، وأن تطعموهم مما تذكون وتصطادون، ويدخل في ذلك لحم الأضحية خلافا لمن منعه، ولا يخرج منه إلا ما كان خاصا بقوم لا يشملهم وصفهم; كالمنذور على أناس معينين بالذوات أو بالوصف. والمحصنات من المؤمنات، والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، حل لكم كذلك بمقتضى الأصل، وما قرره في آية النساء
{ وأحل لكم ما وراء ذلكم } [النساء: 24] لم يحرمهن الله عليكم إذا أعطيتموهن مهورهن التي تفرضونها لهن عند العقد، وإلا وجب لهن مهر المثل، بشرط أن تكونوا قاصدين بالزواج إحصان أنفسكم وأنفسهن، لا الفجور المراد به سفح الماء جهرا ولا سرا، وسيأتي بيان ما هو الاحتياط وبحث اختلاف الزمان في المسألة. والتعبير بقوله {اليوم أحل لكم الطيبات} إنشاء لحلها العام الدائم كما تقدم، ولكنه لم يقل مثل ذلك فيما بعده بل قال: {حل لكم} وهو خبر مقرر للأصل في المسألتين: مسألة مؤاكلة أهل الكتاب، ومسألة نكاح نسائهم، فلم يكن شيء منهما محرما من قبل وأحل في ذلك اليوم، لا بتحريم من الله ولا بتحريم الناس على أنفسهم; كما حرموا بعض الطيبات.
فهذا ما ظهر لنا من نكتة اختلاف التعبير، وسكت عنه الباحثون في نكت البلاغة الذين اطلعنا على كلامهم، وحكمة النص على هذا الحل قطع الطريق على الغلاة أن يحرموه باجتهادهم وأهوائهم، على أن منهم من حرمه مع النص الصريح، ونص على أن طعامنا حل لهم دون نسائنا، فليس لنا أن نزوجهم منا; لأن كمال الإسلام وسماحته لا يظهران من المرأة؛ لسلطان الرجل عليها، هذا هو المتبادر لمن يفهم العبارة مجردا من تقاليد المذاهب، فمن فهم مثل فهمنا، ففهمه حاكم عليه، ولا نجيز لأحد أن يقلدنا فيه تقليدا.
(فصل في طعام الوثنيين ونكاح نسائهم)
أخذ الجماهير من مفهوم أهل الكتاب أن طعام الوثنيين لا يحل للمسلمين، وكذا نكاح نسائهم، سواء منهم من يحتج بمفهوم المخالفة في اللقب; كالدقاق وبعض الشافعية، ومن لا يحتج به وهم الجمهور. والقرآن لم يحرم طعام الوثنيين ولا طعام مشركي العرب مطلقا كما حرم نكاح نسائهم، بل حرم ما أهل به لغير الله من ذبائحهم، كما حرم ما كان يأكله بعضهم من الميتة، والدم المسفوح، وحرم لحم الخنزير، واختلف الفقهاء في المجوس والصابئين، فالصابئون عند أبي حنيفة كأهل الكتاب، والمجوس كذلك عند أبي ثور خلافا للجمهور الذين يقولون: إنهم يعاملون معاملة أهل الكتاب في أخذ الجزية فقط، ويروون في ذلك حديث: سنوا بهم سنة أهل الكتاب، غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم ولا يصح هذا الاستثناء، كما صرح به المحدثون، ولكنه اشتهر عند الفقهاء، ويقال: إن الفريقين كانا أهل كتاب، ففقدوه بطول الأمد.
وهذا ما كنت أعتقده قبل أن أرى فيه نقلا عن أحد من سلفنا وعلماء الملل والتاريخ منا، وذكرته في المنار غير مرة، ثم رأيت في كتاب (الفرق بين الفرق) لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي (المتوفى سنة 429) في سياق الكلام على الباطنية: " إن المجوس يدعون نبوة زرادشت، ونزول الوحي عليه من عند الله - تعالى - والصابئين يدعون نبوة (هرمس) و (واليس) (ودوريتوس) و (أفلاطون) وجماعة من الفلاسفة، وسائر أصحاب الشرائع كل صنف منهم مقرون بنزول الوحي من السماء على الذين أقروا بنبوتهم، ويقولون: إن ذلك الوحي شامل للأمر والنهي والخبر عن عاقبة الموت، وعن ثواب وعقاب وجنة ونار يكون فيهما الجزاء عن الأعمال السالفة، ثم ذكر أن الباطنية ينكرون ذلك.
وقد نشرنا في فتاوى المجلد الثاني عشر من المنار سؤالا من جاوه عن تزوج المسلم بغير المسلمة كالوثنية الصينية، وأجبنا عنه بما نصه (ص 261): ذهب بعض السلف إلى أنه لا يجوز للمسلم أن يتزوج بغير المسلمة مطلقا، ولكن الجمهور من السلف والخلف على حل الزواج بالكتابية وحرمة الزواج بالمشركة، ويريدون من الكتابية: اليهودية والنصرانية، وأحل بعضهم المجوسية أيضا، وبالمشركة: الوثنية مطلقا، بل عدوا جميع الناس وثنيين ما عدا اليهود والنصارى، ومن الناس من قال: إنهم من المشركين، ولكن التحقيق أنهم لا يطلق عليهم لقب المشركين; لأن القرآن عندما يذكر أهل الأديان يعد المشركين أو الذين أشركوا صنفا، وأهل الكتاب صنفا آخر يعطف أحدهما على الآخر، والعطف يقتضي المغايرة كما هو مقرر، وكذا المجوس، وسيأتي بيان ذلك.
والذي كان يتبادر إلى الذهن من مفهوم لفظ المشركين في عصر التنزيل مشركو العرب; إذ لم يكن لهم كتاب ولا شبهة كتاب، بل كانوا أميين.
والأصل في الخلاف في المسألة آيتان في القرآن; إحداهما في سورة البقرة وهي قوله تعالى:
{ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } [البقرة: 221] الآية، والثانية في المائدة وهي قوله عز وجل: {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] وقد زعم من حرم التزوج بالكتابيات أن هذه الآية منسوخة بتلك، وردوه بأن سورة المائدة نزلت بعد سورة البقرة ليس فيها منسوخ، فإن فرضنا أن أهل الكتاب يدخلون في عداد المشركين، يجب أن تكون آية المائدة مخصصة لآية البقرة، مستثنية أهل الكتاب من عمومها، وإلا فهي نص مستقل في جواز التزوج بنسائهم.
وقد سكت القرآن عن النص الصريح في حكم التزوج بغير المشركات والكتابيات من أهل الملل الذين لهم كتاب أو شبهة كتاب; كالمجوس والصابئين، ومثلهم البوذيون والبراهمة وأتباع (كونفوشيوس) في الصين، وقد علمت أن علماءنا الذين حرص بعضهم على إدخال أهل الكتاب في عداد المشركين، لا يترددون في إدخال هؤلاء كلهم في عموم المشركين، وإن ورد في الكتاب والسنة ما هو صريح في التفرقة والمغايرة، فكما غاير القرآن بين المشركين وأهل الكتاب خاصة في مثل قوله:
{ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة } [البينة: 1] وقوله: { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا } [آل عمران: 186] وذكر أهل الكتاب بقسميهم في معرض المغايرة في قوله { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى } [المائدة: 82] الآية، كذلك ذكر الصابئين والمجوس وعدهم صنفين غير أهل الكتاب والمشركين والمسلمين، فقال في سورة الحج: { إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد } [الحج: 17] فهذا العطف في مقام تعداد أهل الملل يقتضي أن يكون كل من الصابئين والمجوس طائفتين مستقلتين، ليستا من الصنف الذي يعبر عنه الكتاب بالمشركين وبالذين أشركوا، وذلك أن كلا من الصابئين والمجوس عندهم كتب يعتقدون أنها إلهية، ولكن بعد العهد وطول الزمان جعل أصلها مجهولا لنا، ولا يبعد أن يكون من جاءوا بها من المرسلين; لأن الله - تعالى - يقول: { إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } [فاطر: 24] وقال: { إنما أنت منذر ولكل قوم هاد } [الرعد: 7] وإنما قويت فيهم الوثنية لبعد العهد بأنبيائهم على القاعدة المفهومة من قوله تعالى: { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون } [الحديد: 16] ومعلوم أن فسق الكثير من أهل الكتاب عن هداية كتبهم، ودخول نزغات الوثنية والشرك عليهم - لم يسلبهم امتيازهم في كتاب الله على المشركين، وعدهم صنفا آخر، كما أن فسق الكثيرين من المسلمين عن هداية القرآن، ودخول نزغات الوثنية في عقائدهم، لا يخرجهم من الصنف الذين يطلق عليه لفظ المسلمين ولفظ المؤمنين، وإن كانوا هم الذين يعنيهم الخطباء على المنابر بقولهم: لم يبق من الإسلام إلا اسمه، ويطبق العلماء عليهم حديث الصحيحين: لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: " فمن؟ " وبهذا يرد قول من حاولوا إدخال أهل الكتاب في المشركين، وتحريم التزوج بنسائهم; مستدلين بقوله - تعالى - بعد ذكر اتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله: { سبحانه عما يشركون } [التوبة: 31] فإن إطلاق اللقب على صنف من أصناف الناس، لا يقتضي مشاركة صنف آخر له فيه إن أسند إليه مثل فعله، كما بيناه في تفسير آية { ولا تنكحوا المشركات } [البقرة: 221] لا سيما إذا كان الفعل الذي أسند إلى الصنف الآخر ليس هو أخص صفاته، وليس عاما شاملا لأفراده; كاتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أربابا يتبعونهم فيما يحلون لهم ويحرمون عليهم، فإن وصفهم الأخص اتباع الكتاب، وإن كثيرين منهم يخالفون رؤساءهم في التحليل والتحريم، ومنهم الموحدون كأصحاب (آريوس) عند النصارى، وقد كثر في هذا الزمان فيهم الموحدون القائلون بنبوة المسيح بسبب الحرية في أوربة وأمريكة، وكانوا قلوا باضطهاد الكنيسة لهم.
والظاهر أن القرآن ذكر من أهل الملل القديمة الصابئين والمجوس، ولم يذكر البراهمة والبوذيين وأتباع كونفوشيوس; لأن الصابئين والمجوس كانوا معروفين عند العرب الذين خوطبوا بالقرآن أولا; لمجاورتهم لهم في العراق والبحرين، ولم يكونوا يرحلون إلى الهند واليابان والصين فيعرفوا الآخرين، والمقصود من الآية حاصل بذكر من ذكر من الملل المعروفة، فلا حاجة إلى الإغراب بذكر من لا يعرفه المخاطبون في عصر التنزل من أهل الملل الأخرى، ولا يخفى على المخاطبين بعد ذلك أن الله يفصل بين البراهمة والبوذيين وغيرهم أيضاً.
ومن المعلوم أن القرآن صرح بقبول الجزية من أهل الكتاب، ولم يذكر أنها تؤخذ من غيرهم، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء رضي الله عنهم لا يقبلونها من مشركي العرب، وقبلوها من المجوس في البحرين وهجر وبلاد فارس، كما في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث، وقد روى أخذ النبي الجزية من مجوس هجر، أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي وغيرهم، من حديث عبد الرحمن بن عوف، أنه شهد لعمر بذلك عندما استشار الصحابة فيه، وروى مالك والشافعي عنه أنه قال: أشهد لسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
"سنوا بهم سنة أهل الكتاب" وفي سنده انقطاع، واستدل به صاحب المنتقى وغيره على أنهم لا يعدون أهل الكتاب، وليس بقوي، فإن إطلاق كلمة " أهل الكتاب " على طائفتين من الناس لتحقق أصل كتبهما ولزيادة خصائصهما، لا يقتضي أنه ليس في العالم أهل كتاب غيرهم، مع العلم بأن الله بعث في كل أمة رسلا مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط. كما أن إطلاق لقب " العلماء " على طائفة معينة من الناس لها مزايا مخصوصة، لا يقتضي انحصار العلم فيهم وسلبه عن غيرهم.
وقد ورد في آيات أخرى التصريح بأنهم كانوا أهل الكتاب، قال في نيل الأوطار عند قول صاحب المنتقى: " واستدل بقوله: (سنة أهل الكتاب) على أنهم ليسوا أهل كتاب " ما نصه: لكن روى الشافعي وعبد الرزاق، وغيرهما بإسناد حسن عن علي، كان المجوس أهل كتاب يدرسونه وعلم يقرءونه، فشرب أميرهم الخمر فوقع على أخته، فلما أصبح دعا أهل الطمع فأعطاهم وقال: إن آدم كان ينكح أولاده بناته، فأطاعوه، وقتل من خالفه، فأسري على كتابهم وعلى ما في قلوبهم منه، فلم يبق عندهم منه شيء. وروى عبد بن حميد في تفسير سورة البروج بإسناد صحيح عن ابن أبزى: لما هزم المسلمون أهل فارس قال عمر: اجتمعوا - أي قال للصحابة اجتمعوا للمشاورة، كما هي السنة والفريضة اللازمة - فقال: إن المجوس ليسوا أهل كتاب فنضع عليهم الجزية، ولا من عبدة الأوثان فتجري عليهم أحكامهم، فقال علي: بل هم أهل كتاب. فذكر نحوه، لكن قال: فوقع على ابنته، وقال في آخره: فوضع الأخدود لمن خالفه. فهذه حجة من قال كان لهم كتاب، وأما قول ابن بطال: لو كان لهم كتاب ورفع لرفع حكمه، لما استثني حل ذبائحهم ونكاح نسائهم، فالجواب: أن الاستثناء وقع تبعا للأمر الوارد; لأن في ذلك شبهة تقتضي حقن الدم، بخلاف النكاح فإنه يحتاط له، وقال ابن المنذر: ليس تحريم نكاحهم وذبائحهم متفقا عليه، ولكن الأكثر من أهل العلم عليه. اهـ.
إذا علمت هذا تبين لك أن العلماء لم يجمعوا على أن لفظ المشركين والذين أشركوا يتناول جميع الذين كفروا بنبينا ولم يدخلوا في ديننا، ولا جميع من عدا اليهود والنصارى منهم، فهذا نقل صحيح في المجوس، ومنه تعلم أن للاجتهاد مجالا لجعل لفظ المشركات والمشركين في القرآن خاصا بوثنيي العرب، وأن يقاس عليهم من ليس لهم كتاب ولا شبهة كتاب يقربهم من الإسلام، كما أن أهل الكتاب فيه خاص باليهود والنصارى، ويقاس عليهم من عندهم كتب لا يعرف أصلها، ولكنها تقربهم من الإسلام بما فيها من الآداب والشرائع; كالمجوس وغيرهم ممن على شاكلتهم، وقد صرح قتادة من مفسري السلف بأن المراد بالمشركين والمشركات في الآية: العرب. كما سيأتي.
وعلى هذا لا يكون قوله تعالى:
{ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } [البقرة: 221] نصا قاطعا في تحريم نكاح الصينيات الذي أكثر منه المسلمون في الصين، وانتقل الاقتداء بهم فيه إلى جاوه أو كاد، وقد كان ذلك من أسباب انتشار الإسلام في الصين، ولا أدري مبلغ أثره في ذلك عندكم (الخطاب للمستفتي) وبنفي كونه نصا قاطعا في ذلك لا يكون استحلاله كفرا وخروجا من الإسلام، وإلا لساغ لنا أن نحكم بكفر من لا يحصى من مسلمي الصين.
هذا وإن المشهور عند العلماء أن الأصل في النكاح الحرمة، وإن كان الأصل في سائر الأشياء الإباحة، وعلى هذا لا بد من النص في الحل، ويمكن أن يقال: إذا لم نقل بأن هذا يدخل في القاعدة العامة: إن الأصل الإباحة في كل شيء "حتى يرد النص بحظره" فإننا نرد الأمر إلى الكتاب العزيز، فنسمعه يقول بعد النهي عن نكاح أزواج الآباء:
{ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين } [النساء: 23، 24] الآية. فنقول على أصولهم: إن قوله تعالى: { وأحل لكم ما وراء ذلكم } [النساء: 24] لا يخلو أن يكون قد نزل بعدما جاء في البقرة من النهي عن نكاح المشركات، وفي سورة النور من تحريم نكاح المشركة والزانية أو قبله، فإن كان نزل بعده صح أن يكون ناسخا له، وإن كان نزل قبله يكون تحريم نكاح المشركة والزانية مستثنى من عموم وأحل لكم ما وراء ذلكم بطريق التخصيص، سواء سمي نسخا أم لا، كما يستثنى منه ما ورد في الحديث; من منع الجمع بين البنت وعمتها أو خالتها، قياسا على تحريم الجمع بين الأختين أو إلحاقا به، وجعل ما يحرم من الرضاع كالذي يحرم من النسب، على القول المشهور في الأصول بجواز تخصيص القرآن بالسنة، على أن الجمهور أحلوا التزوج بالزانية. وعلى كل حال يكون نكاح الكتابيات ومن في حكمهن كالمجوسيات عند من قال بذلك كما نقل الحافظ ابن المنذر داخلا في عموم نص {وأحل لكم ما وراء ذلكم} وأكد حل نكاح الكتابيات في سورة المائدة التي نزلت بعد ما تقدم كله.
وخلاصة ما تقدم: أن نكاح الكتابيات جائز لا وجه لمنعه، ونكاح المشركات محرم. وكون لفظ المشركات عاما لجميع الوثنيات، أو خاصا بمشركات العرب محل اجتهاد وخلاف بين علماء السلف. قال ابن جرير في تفسير {ولا تنكحوا المشركات}: "وقال آخرون: بل أنزلت هذه الآية مرادا بحكمها مشركات العرب لم ينسخ منها شيء" وروي ذلك عن قتادة من عدة طرق، وعن سعيد بن جبير، ولكن هذا قال: " مشركات أهل الأوثان " ولم يمنع ذلك ابن جرير من عده قائلا بأنها خاصة بمشركات العرب، ثم قال بعد ذكر سائر روايات الخلاف: " وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله قتادة من أنه تعالى ذكره عنى بقوله: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} من لم يكن من أهل الكتاب من المشركات، وأن الآية عام ظاهرها خاص باطنها لم ينسخ منها شيء، وأن نساء أهل الكتاب غير داخلات فيها " إلى آخر ما أطال به في بيان حل نكاح الكتابيات.
هذا ما يظهر بالبحث في الدليل، ولكننا لم نطلع على قول صريح لأحد من العلماء في حل التزوج بما عدا الكتابيات والمجوسيات من غير المسلمين، وقد صرح بحل المجوسية الإمام أبو ثور صاحب الإمام الشافعي الذي تفقه به حتى صار مجتهدا، وصرحوا بأن تفرده لا يعد وجها في مذهب الشافعي، فالشافعية لا يبيحون نكاح المجوسية فضلا عن الوثنية الصينية.
ولا يأتي في هذا المقام قول بعض أهل الأصول: إن النهي لا يقتضي البطلان في العقود والمعاملات، وهو مذهب الحنفية، فإنهم استثنوا منه النكاح، وعللوا ذلك بأنه عقد موضوع للحل، فلما انفصل عنه ما وضع له بالنهي المقتضي للحرمة، كان باطلا بخلاف البيع; لأن وضعه للملك لا للحل بدليل مشروعيته في موضع الحرمة كالأمة المجوسية; فلذلك كان النهي عن شيء منه غير مقتض لبطلان العقد، فلا يقال عندهم: إن نكاح الصينية يقع صحيحا وإن كان محرماً.
وأما البحث في المسألة من جهة حكمة التشريع، فقد بين - تعالى - ذلك في آية النهي عن التناكح بين المؤمنين والمشركين في آية البقرة بقوله:
{ أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه } [البقرة: 221] وقد وضحنا ذلك في تفسير الآية، وبينا الفرق بين المشركة والكتابية، فيراجع في الجزء الثاني من التفسير (من ص 280 - 284 ط الهيئة) ومنه أن أهل الكتاب لكونهم أقرب إلى المؤمنين شرعت موادتهم; لأنهم بمعاشرتنا ومعرفة حقيقة الإسلام منا بالتخلق والعمل، يظهر لهم أن ديننا هو عين دينهم مع مزيد بيان وإصلاح يقتضيه ترقي البشر، وإزالة بدع وأوهام دخلت عليهم من باب الدين، وما هي من الدين في شيء. وأما المشركون فلا صلة بين ديننا ودينهم قط; ولذلك دخل أهل الكتاب في الإسلام مختارين بعدما انتشر بينهم، وعرفوا حقيقته، ولو قبلت الجزية من مشركي العرب كما قبلت من أهل الكتاب لما دخلوا في الإسلام كافة، ولما قامت لهذا الدين قائمة، ومن الفرق بينهما في القرب من الإسلام أو الدعوة إلى النار: أن أهل الكتاب لم يكونوا يعذبون من يقدرون عليه من المسلمين ليرجع عن دينه، كما كان يفعل مشركو العرب.
ثم إن للإسلام سياسة خاصة في العرب وبلادهم، وهي: أن تكون جزيرة العرب حرم الإسلام المحمي، وقلبه الذي تتدفق منه مادة الحياة إلى جميع الأطراف، وموئله الذي يرجع إليه عند تألب الأعداء عليه; ولذلك لم يقبل من مشركي جزيرة العرب الجزية حتى لا يبقى فيها مشرك، بل أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - بألا يبقى فيها دينان، كما بينا ذلك في الفتوى الرابعة المنشورة في الجزء الثاني (ص 97) من المجلد (الثاني عشر) وتدل عليه الأحاديث الواردة في كون الإسلام يأرز في المستقبل إلى الحجاز، كما تأرز الحية إلى جحرها، وهذا يؤيد تفسير قتادة " المشركين والمشركات " في الآية.
إذا كان الازدواج بين المسلمين والمشركين ينافي هذه السياسة التي هي الأصل الأصيل في انتشار الإسلام، وكان تزوج المسلمين بالصينيات مدعاة لدخولهن في الإسلام، كما هو حاصل في بلاد الصين، فلا يكون تعليل الآية للحرمة صادقا عليهن، وكيف يعطى الضد حكم الضد؟!
وقد حذرنا في التفسير من التزوج بالكتابية إذا خشي أن تجذب المرأة الرجل إلى دينها; لعلمها وجمالها، وجهله وضعف أخلاقه، كما يحصل كثيرا في هذا الزمان في تزوج بعض ضعفاء المسلمين ببعض الأوربيات، أو غيرهن من الكتابيات، فيفتنون بهن، وسد الذريعة واجب في الإسلام. اهـ.
ملخص هذه الفتوى: أن المشركات اللاتي حرم الله نكاحهن في آية البقرة هن مشركات العرب، وهو المختار الذي رجحه شيخ المفسرين ابن جرير الطبري، وأن المجوس والصابئين ووثنيي الهند والصين، وأمثالهم كاليابانيين - أهل كتب مشتملة على التوحيد إلى الآن، والظاهر من التاريخ ومن بيان القرآن أن جميع الأمم بعث فيها رسل، وأن كتبهم سماوية طرأ عليها التحريف كما طرأ على كتب اليهود والنصارى التي هي أحدث عهدا في التاريخ، وأن المختار عندنا أن الأصل في النكاح الإباحة، ولذلك ورد النص بمحرمات النكاح، وأن قوله - تعالى - بعد بيان محرمات النكاح
{ وأحل لكم ما وراء ذلكم } [النساء: 24] يفيد حل نكاح نسائهم، فليس لأحد أن يحرمه إلا بنص ناسخ للآية أو مخصص لعمومها، وقد بينا في تفسير الآية التي نحن بصدد تفسيرها هنا أن الناس أخذوا بمفهوم أهل الكتاب، وخصصوا أهل الكتاب باليهود والنصارى، وهذا مفهوم مخالفة، منع الجمهور الاحتجاج به في اللقب، ولكن جرى العمل على هذا لأنه موافق للشعور الذي غلب على المسلمين في أول نشأتهم بعزة الإسلام وغلبته، وظهور انحطاط جميع المخالفين له عن أهله; ولهذا مال بعض المؤلفين إلى تحريم نكاح الكتابيات المنصوص على حله في آخر سور القرآن نزولا، فمنهم من تأول النص بأن معنى أوتوا الكتاب من قبلكم عملوا به قبل الإسلام، أو دانوا به قبل التحريف، وهو تأويل ظاهر الفساد، لا يصح لغة، فإن معنى أوتوه من قبلنا: أعطوه; أي أنزله الله عليهم، والمفسرون متفقون على هذا المعنى في كل مكان ورد فيه هذا اللفظ، وفي معناه قوله تعالى: { أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا } [الأنعام: 156] ولولا أن هذا هو المعنى لما كان للآية فائدة.
ومنهم من التمس نقلا عن بعض المتقدمين ليجعله حجة على القرآن، فوجدوا في بعض الكتب أن ابن عمر منع التزوج بالكتابية، متأولا لآية البقرة، وأنه قال: لا أعلم شركا أعظم من قولها أن ربها عيسى، وهو معارض بما رواه عبد بن حميد عن ميمون بن مهران، قال: سألت ابن عمر عن نساء أهل الكتاب، فتلا علي هذه الآية {والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} وآية
{ ولا تنكحوا المشركات } [البقرة: 221] انتهى من الدر المنثور. وظاهر معنى العبارة أن الله أحل المحصنات من أهل الكتاب، وحرم المشركات من العرب، والقول الأول رواه عنه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، مع التصريح بأنه تأول آية البقرة، فهو إذا صح اجتهاد منه، ولم يقل أحد من الأصوليين أن اجتهاد الصحابي يعمل به في مسألة فيها نص، بل منعه الجمهور مطلقا، ومن قال به اشترط عدم النص، وألا يكون له مخالف من الصحابة، أي لئلا يكون ترجيحا بغير مرجح، وهذا القول مع وجود النص مخالف لما كان عليه سائر الصحابة، ومنهم والده عمر أمير المؤمنين، فقد روى عنه عبد الرزاق وابن جرير، أنه قال: " المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة ".
وتمسك بعضهم بقوله تعالى:
{ ولا تمسكوا بعصم الكوافر } [الممتحنة: 10] وهو جهل عظيم، فإن هذا نزل في النساء المشركات اللواتي أسلم أزواجهن وبقين على شركهن. وأقول: إن الجاهلين بأخلاق البشر يظنون أن الغلظة في معاملة المخالف في الدين هي التي يظهر بها الدين، وتعلو كلمته، وتنتشر دعوته، والصواب: أن سوء المعاملة هو أعظم المنفرات { ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } [آل عمران: 159] وما انتشر الإسلام في العصر الأول بتلك السرعة التي لم يسبق لها نظير في دين من الأديان إلا بحسن معاملة أهله لمن يعاشرونهم، ويعيشون معهم، ولولا ترك الخلف لسنة السلف في ذلك لما بقي في البلاد الإسلامية أحد لم يدخل الإسلام باختياره، بل لعم الإسلام العالم كله.
نقول هذا تمهيدا لبيان حكمة مؤاكلة أهل الكتاب بلا تحرج من تذكيتهم، وحل نسائهم، وهي أن من غرض الشارع بذلك تألفهم ليعرفوا حقيقة الإسلام الذي هو أصل دينهم، فقد أكمله الله - تعالى - بحسب سنته في الترقي البشري والتدريجي في كل شيء إلى أن ينتهي إلى كماله، وهذا من مناسبات جعل هذه الآية بعد الآية المصرحة بإكمال الدين. قال الأستاذ الإمام في بيان حقيقة الإسلام من (رسالة التوحيد):
التفت إلى أهل العناد، فقال لهم:
{ قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } [البقرة: 111] وعنف المنازعين إلى الشقاق على ما زعزعوا من أصول اليقين، ونص على أن التفرق بغي وخروج عن سبيل الحق المبين، ولم يقف في ذلك عند حد الموعظة بالكلام والنصيحة بالبيان، بل شرع شريعة الوفاق وقررها في العمل، فأباح للمسلم أن يتزوج من أهل الكتاب وسوغ مؤاكلتهم، وأوصى أن تكون مجادلتهم بالتي هي أحسن، ومن المعلوم أن المحاسنة هي رسول المحبة وعقد الألفة، والمصاهرة إنما تكون بعد التحاب بين أهل الزوجين، والارتباط بينهما بروابط الائتلاف، وأقل ما فيها محبة الرجل لزوجته، وهي على غير دينه، قال تعالى: { خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة } [الروم: 21] انتهى المراد منه.
وإذا كانت الحكمة فيما شرعه الله - تعالى - من مؤاكلة أهل الكتاب والتزوج منهم، هي إزالة الجفوة التي تحجبهم عن محاسن الإسلام; بإظهار محاسنه لهم بالمعاملة كما تقدم - فينبغي لكل مسلم يريد الزواج منهم أن يكون مظهرا لهذه الحكمة وسالكا سبيلها، وذلك بأن يكون قدوة صالحة لامرأته ولأهلها في الصلاح والتقوى ومكارم الأخلاق، فإن لم ير نفسه أهلا لذلك فلا يقدم عليه، وإننا نرى بعض المسلمين من المصريين والترك يتزوجون من نساء الإفرنج، ولكنهم يستدبرون بذلك هذه الحكمة، فيرى أحدهم نفسه دون امرأته ويجعلها قدوة له، ولا يرى نفسه أهلا لأن يكون قدوة لها، ومنهم من يسمح لها بتنصير أولاده، ومثل هؤلاء ليسوا من المسلمين إلا في الجنسية السياسية، ففتنتهم بالكفر أكبر من فتنتهم بالنساء، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
(تتمة واستدراك في مباحث حل الطعام وحرامه والتذكية والتسمية)
كتبنا ما تقدم في تفسير الآية مستعينين على فهمها ببيان سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما جرى عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين في الصدر الأول، وذلك شأننا في فهم كتاب الله عز وجل، نستعين عليه بما ذكر وبأساليب لغة العرب وسنن الله في خلقه. ثم راجعنا بعد ذلك ما كتبناه في مسألة حل الطعام وحرامه في المجلد السادس من المنار، فرأينا ما كان منه بفهمنا واجتهادنا موافقا لما هنا مع زيادة بيان لحكمة تحريم الميتة، ونقول من كتب مذاهب الفقهاء المشهورة، فأحببنا أن نلخص منه ما يأتي إتماما للفائدة؛ حتى لا يبقى للمضلين الجاهلين سلطان على المطلع عليه يضلونه به، كما فعل أشياعهم من نحو عشر سنين; إذ سئل الأستاذ الإمام المفتي عن قوم من أهل الكتاب (في الترنسفال) يضربون رأس الثور بالبلطة، ثم يذبحونه ولا يسمون الله، كما يذبحون الشاة بدون تسمية، فأفتى بحل ذبيحتهم هذه، فقام بعض أصحاب الأهواء يشنع على هذه الفتوى في بعض الجرائد، ويعد هذه الذبيحة من الموقوذة ويدعي الإجماع على حرمة الأكل منها، فكتبنا في مجلد المنار السادس بيان الحق في هذه المسألة وما يتعلق بها، وجاءتنا رسائل من بعض علماء مصر والغرب، فنشرناها تأييدا لما كتبناه في تأييد الفتوى، ثم اجتمع طائفة من علماء المذاهب الأربعة في الأزهر وألفوا رسالة أيدوا بها الفتوى بنصوص مذاهبهم، وطبعها الشيخ عبد الحميد حمروش (من علماء الأزهر وقضاة الشرع لهذا العهد) وهاك ما رأينا زيادته الآن:
(حكمة تحريم الميتة) بينا (في ص 818 و819 م 6 المنار) حكمة تحريم ما مات حتف أنفه من ثلاث وجوه، أو ذكرنا له ثلاث حكم:
(1) تعظيم شأن القصد في الأمور كلها ليكون الإنسان معتمدا على كسبه وسعيه، فإن التزكية عبارة عن إزهاق روح الحيوان لأجل أكله، ولها صور وكيفيات كثيرة، كما علم من تفسيرنا للآية.
(2) أن الميت حتف أنفه يغلب أن يكون قد مات لمرض أو أكل نبات سام، وبذلك يكون لحمه ضارا، وكذا إذا مات من شدة الضعف وانحلال الطبيعة.
(3) استقذار الطباع السليمة له واستخباثه وعد أكله مهانة تنافي عزة النفس وكرامتها، ثم قلنا هنالك ما نصه:
" وأما ما هو في معنى الميتة حتف أنفها من المنخنقة والموقوذة إلخ، فيظهر في علة تحريمه كل ما ذكر إلا حكمة توقي الضرر في الجسم، فيظهر فيه بدلها تنفير الناس عن تعريض البهيمة للموت بإحدى هذه الميتات القبيحة في حال من الأحوال، وأن يعرفوا أن الشرع يأمر بالمحافظة على حياة الحيوان، وينهى عن تعذيبه، أو تعريضه للتعذيب، ويعاقب من يتهاون في ذلك بتحريم أكل الحيوان عليه كيلا يتهاون في حفظ حياته، فإن الرعاة يغضبون أحيانا على بعض البهائم، فيقتلونه بالضرب، ويحرشون بين البهائم فيغرون الكبشين بالتناطح حتى يهلكا أو يكادا، ومن كان يرعى أنعام غيره بالأجرة يقع له مثل هذا أكثر، ولو كان كل ما هلك بتلك الميتات حلالا لما بعد أن يتعمد الرعاة وأمثالهم من التحوت تعريض البهائم لها ليأكلوها بعذر، ويدل على هذه الحكمة أحاديث صحيحة; منها قوله - صلى الله عليه وسلم - بعد النهي عن الحذف - وهو الرمي بالحصا - والبندق - الطين المشوي - لذلك: إنها لا تصيد صيدا ولا تنكأ عدوا، ولكنها تكسر السن وتفقأ العين رواه أحمد والبخاري ومسلم. انتهى.
ثم ذكرنا (في ص 822 م 6) حكمة أخرى في ضمن مقالة وعظية لعالم مغربي أيد بها فتوى الأستاذ الإمام، قال: وهل عرف أولئك العلماء حكمة الذبح المعتاد، وشيوعه بين المسلمين بقطع الحلقوم والمريء، مع قيام غيره مقامه في الصيد والدابة الشاردة والسمك والجراد والجنين في بطن أمه؟ فليعلموا أن كل قتل بحسب الأصل موصل للمقصود، ولكن الله لحكمته ورحمته بنا وبالحيوان، جعل بيننا قسمة عادلة ومنة عامة، فحرم علينا ما قتله الحيوان، وما مات في الخلاء بغير قصد منا، ليبقى ذلك كله للحيوان يأكله; لأنها أمم أمثالنا، وكأنه - تعالى - لم يرض أن نأكل ما لم نقصده ولم نفكر فيه، فأما المذكى والصيد والسمك، والجراد ونحوها، فإنها كلها لا تؤخذ إلا بالنصب والتعب. انتهى.
أقول: إنني لما رأيت هذه الحكمة التي لم تكن خطرت في بالي تذكرت أن أراجع كتاب حجة الله البالغة; لعلي أجد فيه من الحكمة ما أقتبسه في هذا المقال، فرأيته أطال في بيان (6/163) حكمة محرمات الطعام مراعيا فيها المعتمد في بعض المذاهب، ولم يذكر في الميتة والدم المسفوح إلا أنهما نجسان، وفي الخنزير إلا أنه مسخ بصورته قوم، وقد أعجبني في هذا الباب قوله: " في اختيار أقرب طريق لإزهاق الروح اتباع داعية الرحمة، وهي خلة يرضى بها رب العالمين، ويتوقف عليها أكثر المصالح المنزلية والمدنية، قال صلى الله عليه وسلم:
"ما يقطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة" أقول: كانوا يجبون أسنمة الإبل ويقطعون أليات الغنم، وفي ذلك تعذيب ومناقضة لما شرع الله من الذبح، فنهي عنه. قال صلى الله عليه وسلم: "من قتل عصفورا فما فوقه بغير حقه سأله الله - عز وجل - عن قتله قيل: يا رسول الله وما حقه؟ قال: أن يذبحه فيأكله، ولا يقطع رأسه فيرمي به" أقول: ههنا شيئان مشتبهان لا بد من التمييز بينهما، أحدهما: الذبح للحاجة واتباع إقامة مصلحة النوع الإنساني، والثاني: السعي في الأرض بإفساد نوع الحيوان، واتباع داعية قسوة القلب. انتهى. وهو موافق ومؤيد لما ذكرناه من قبل.
(حكمة إباحة قتل الحيوان لأجل أكله)
ذهب بعض البراهمة والفلاسفة إلى أن تذكية الحيوان وصيده لأجل أكله قبيح لا ينبغي للعاقل أن يأتيه، ولا يحسن أن يعذب غيره من الأحياء لأجل شهوته، ويترتب على هذا الاعتراض على الشرائع الإلهية التي أباحت أكل الحيوان كالموسوية والعيسوية والمحمدية، ومما يطعن به الناس في أبي العلاء المعري الفيلسوف العربي أنه كان لا يأكل اللحم استقباحا له، وأنه كان يعده توحشا، لا أنه كان يعافه بطبعه ككثير من الناس، وقد يشعر بهذا ما حكي عنه أنه مرض فوصف له الطبيب فروجا، فلما جيء به مطبوخا وضع يده عليه وقال: استضعفوك فوصفوك، هلا وصفوا شبل الأسد؟. والجواب عن هذا: أن الشرائع الإلهية لو لم تبح للناس أكل الحيوان لكان هذا الاعتراض يرد على نظام الخلقة؛ لأن من سننه أن يأكل بعض الحيوان بعضا في البر والبحر، فالإنسان أجدر بأن يأكل بعض الحيوان; لأن الله فضله على جميع أنواع الحيوان وسخرها له كما سخر له جميع ما في الأرض من الأجسام والقوى; ليستعين بذلك على معرفته وعبادته وإظهار آياته في خلقه، وما أودع فيها من الحكم والعجائب واللطائف والمحاسن. وامتناع الناس عن أكل ما يأكلون من الحيوان كالأنعام لا يعصمها من الموت بالمرض أو التردي، أو فرس السباع لها، وربما كانت كل ميتة من هذه الميتات أهون وأخف ألما من التذكية الشرعية التي كتب الله فيها الإحسان ومنتهى العناية بالحيوان، ونحن نرى الشاة إذا شمت رائحة الذئب أو سمعت عواءه تنحل قواها، وكذلك شأن الدجاج مع الثعلب، وسائر الحيوانات غير المفترسة مع السباع المفترسة، وإنما ألم الذبح لحظة واحدة، ويقول علماء الحياة: إن إحساس الأنعام والدواب بالألم أضعف من إحساس الإنسان به، فلا يقاس أحدهما على الآخر، على أن من الناس من لا يعظم ألمهم من الجرح، فربما يقطع عضو الواحد منهم لعلة به ولا يتأوه، وقد يغمى على غيره من مثل ذلك، ولا يحتمله الأكثرون إلا إذا خدروا تخديرا لا يجدون معه ألما ولا شعورا.
(مذهب الحنفية في ذبائح أهل الكتاب ومناكحتهم)
جاء في ص (97 من الجزء الثاني من العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية) لابن عابدين الشهير، صاحب الحاشية الشهيرة على الدر المختار ما نصه:
سئل في ذبيحة العربي الكتابي هل تحل مطلقا أو لا (الجواب) تحل ذبيحة الكتابي; لأن من شرطها كون الذابح صاحب ملة التوحيد حقيقة كالمسلم، أو دعوى كالكتابي; ولأنه مؤمن بكتاب من كتب الله تعالى، وتحل مناكحته، فصار كالمسلم في ذلك، ولا فرق في الكتابي بين أن يكون ذميا يهوديا، حربيا أو عربيا تغلبيا; لإطلاق قوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب} والمراد بطعامهم: مذكاهم، قال البخاريرحمه الله تعالى في صحيحه: قال ابن عباس رضي الله عنهما: " طعامهم: ذبائحهم " ولأن مطلق الطعام غير المذكى يحل من أي كافر كان بالإجماع، فوجب تخصيصه بالمذكى، وهذا إذا لم يسمع من الكتابي أنه سمى غير الله; كالمسيح والعزير، وأما لو سمع فلا تحل ذبيحته; لقوله تعالى: وما أهل لغير الله به وهو كالمسلم في ذلك، وهل يشترط في اليهودي أن يكون إسرائيليا، وفي النصراني ألا يعتقد أن المسيح إله؟ مقتضى إطلاق الهداية وغيرها عدم الاشتراط، وبه أفتى " الجد " في الإسرائيلي، وشرط في " المستصفى " لحل مناكحتهم عدم اعتقاد النصراني ذلك، وكذلك في " المبسوط " فإنه قال: " ويجب ألا يأكلوا ذبائح أهل الكتاب إذا اعتقدوا أن المسيح إله، وأن عزيرا إله، ولا يتزوجوا نساءهم " لكن في " مبسوط شمس الأئمة ": وتحل ذبيحة النصراني مطلقا سواء قال ثالث ثلاثة أو لا، ومقتضى إطلاق الآية: الجواز، كما ذكره التمرتاشي في فتاواه، والأولى ألا يأكل ذبيحتهم ولا يتزوج منهم، إلا لضرورة كما حققه الكمال ابن الهمام، والله ولي الإنعام، والحمد لله على دين الإسلام، والصلاة والسلام على محمد سيد الأنام.
" قال العلامة قاسم في رسائله: قال الإمام: ومن دان دين اليهود والنصارى من الصابئة والسامرة، أكل ذبيحته وحل نساؤه، وحكى عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إليه فيهم، أو في أحدهم، فكتب مثل ما قلنا، فإذا كانوا يعترفون باليهودية والنصرانية، فقد علمنا أن النصارى فرق، فلا يجوز إذا جمعت النصرانية بينهم أن نزعم أن بعضهم تحل ذبيحته ونساؤه، وبعضهم يحرم، إلا بخبر ملزم، ولا نعلم في هذا خبرا، فمن جمعته اليهودية والنصرانية فحكمه واحد " انتهى بحروفه. انتهى ما في الفتاوى الحامدية بحروفه، وبهذه الفتوى أيد بعض علماء الأزهر الفتوى الترنسفالية للأستاذ الإمام.
(حكم ما خنقه أهل الكتاب عند الحنفية)
ذكر الشيخ محمد بيرم الخامس الفقيه الحنفي في كتابه (صفوة الاعتبار) مبحثا طويلا في ذبائح أهل أوربة، ونقل عن علماء مذهبه أن ذبائح أهل الكتاب حلال مطلقا، وجاء بتفصيل في أنواع المأكول في أوربة ثم قال ما نصه:
" وأما مسألة الخنق، فإن كان لمجرد شك فلا تأثير له، كما تقدم، وإن كان لتحقق فلم أر حكم المسألة مصرحا به عندنا، وقياسها على تحقيق تسمية غير الله أنها محرمة عند الحنفية، وأما عند من يرى الحل في مسألة التسمية، كما هو مذهب جمع عظيم من الصحابة، والتابعين والأئمة المجتهدين; فالقياس عليها يفيد الحلية، حيث خصصوا بآية {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} وآية
{ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } [الأنعام: 121] وآية {وما أهل لغير الله به} وكذلك تكون مخصصة لآية المنخنقة، ويكون حكم الآيتين خاصا بفعل المسلمين والإباحة عامة في طعام أهل الكتاب، كذلك الثاني، وقد كنت رأيت رسالة لأحد أفاضل المالكية نص فيها على الحل، وجلب النصوص من مذهبه بما ينثلج به الصدر، سيما إذا كان عمل الخنق عندهم من قبيل الذكاة، كما أخبر كثير من علمائهم، وأن المقصود: التوصل إلى قتل الحيوان بأسهل قتلة; للتوصل إلى أكله، بدون فرق بين طاهر ونجس، مستندين في ذلك لقول الإنجيل، على زعمهم - فلا مرية في الحلية على هاته المذاهب.
فإن قلت: كيف يسوغ تقليد الحنفي لغير مذهبه؟ قلت: أما إن كان المقلد من أهل النظر وقلد الحنفي عن ترجيح برهان فهذا ربما يقال: إنه لا يسوغ له ذلك، أي إلا أن يظهر له ترجيح دليل الحل ثانيا، وأما إن كان من أهل التقليد البحت، كما هو في أهل زماننا، فقد نصوا على أن جميع الأئمة بالنسبة إليه سواء، والعامي لا مذهب له، وإنما مذهبه مذهب مفتيه، وقوله: أنا حنفي أو مالكي; كقول الجاهل أنا نحوي، لا يحصل له منه سوى مجرد الاسم، فبأي العلماء اقتدى فهو ناج، على أن الكلام وراء ذلك، فقد نصوا على الجواز والوقوع بالفعل في تقليد المجتهد لغيره، والكلام مبسوط في ذلك في كثير من كتب الفقه، وقد حرر البحث أبو السعود في شرح الأربعين حديثا النووية، وألف في ذلك رسالة عبد الرحيم المكي، فليراجعها من أراد الوقوف على التفصيل.
"فإن قيل: قد ذكرت أن الخنزير محرم، وهو من طعامهم، فلماذا لا يجعل مخصصا بالحلية بهذه الفتوى، أي آية طعامهم، وإذا جعلت آية تحريمه محكمة غير منسوخة، فكذلك تكون المنخنقة، ولماذا تقيسها على مسألة التسمية، ولا تقيسها على مسألة الخنزير، وأي مرجح لذلك؟ فالجواب: إن المأكولات منها ما حرم لعينه، ومنها ما حرم لغيره ; فالخنزير وما شاكله من الحيوانات محرمة لعينها; ولهذا تبقى على تحريمها في جميع أطوارها وحالاتها، وأما متروك التسمية، أو ما أهل به لغير الله والمنخنقة، فإن التحريم أتى فيه لعارض، وهو ذلك الفعل، ثم أتى نص آخر عام في طعام أهل الكتاب، وأنه حلال، فأخرج منه محرم العين ضرورة وبالإجماع أيضا، وبقي المحرم لغيره; وهو مسألتان، إحداهما مسألة التسمية، والثانية مسألة المنخنقة، فبقيتا في محل الشك; لتجاذب كل من نصي التحريم والإباحة لهما، فوجدنا إحداهما - وهي مسألة التسمية - وقع الخلاف فيها بين المجتهدين من الصحابة وغيرهم، وذهب جمع عظيم منهم إلى الإباحة، وبقيت مسألة المنخنقة التي يتخذها أهل الكتاب طعاما لهم مسكوتا عنها، فكان قياسها على مسألة التسمية هو المتعين; لاتحاد العلة، وأما قياسها على مسألة الخنزير فهو قياس مع الفارق فلا يصح، إذ شرط القياس: المساواة، وإنما أطلنا الكلام في هذا المجال لأنه مهم في هذا الزمان، وكلام الناس فيه كثير، والله يؤيد الحق وهو يهدي السبيل. انتهى ".
(مذهب المالكية في طعام أهل الكتاب)
جاء في كتاب الذبائح من (المدونة) ما نصه " قلت: أفتحل لنا ذبائح نساء أهل الكتاب وصبيانهم؟ قال: ما سمعت من مالك فيه شيئا، ولكن إذا حل ذبائح رجالهم فلا بأس بذبائح نسائهم وصبيانهم إذا أطاقوا الذبح، قلت: أرأيت ما ذبحوا لأعيادهم وكنائسهم أيؤكل؟ قال: قال مالك: أكرهه ولا أحرمه، وتأول مالك فيه:
{ أو فسقا أهل لغير الله به } [الأنعام: 145] وكان يكرهه من غير أن يحرمه، قلت: أرأيت ما ذبحت اليهود من الغنم فأصابوه فاسدا عندهم لا يستحلونه لأجل الرئة وما أشبهها التي يحرمونها في دينهم، أيحل أكله للمسلمين؟ قال: كان مالك مرة يجيزه فيما بلغني. انتهى " و (المدونة) عند المالكية، أصل المذهب فهي كالأم عند الشافعية.
وجاء في كتاب أحكام القرآن للإمام عبد المنعم بن الفرس الخزرجي الأندلسي المتوفى سنة 599 هـ ما نصه:
{وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} اتفق على أن ذبائحهم داخلة تحت عموم قوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب} فلا خلاف في أنها حلال لنا، وأما سائر أطعمتهم مما يمكن استعمال النجاسات فيه; كالخمر والخنزير فاختلف فيه، فذهب الأكثرون إلى أن ذلك من أطعمتهم، وذهب ابن عباس إلى أن الطعام الذي أحل لنا: ذبائحهم، فأما ما خيف منهم استعمال النجاسة فيه، فيجب اجتنابه، وإذا قلنا: إن الطعام يتناول ذبائحهم باتفاق، فهل يحمل لفظه على عمومه أم لا؟ فالأكثر إلى أن حمل لفظ الطعام على عمومه في كل ما ذبحوه، مما أحل الله لهم أو حرم الله عليهم، أو حرموه على أنفسهم، وإلى نحو هذا ذهب ابن وهب وابن عبد الحكم، وذهب قوم إلى أن المراد من ذبائحهم ما أحل الله خاصة، وأما ما حرم الله عليهم بأي وجه كان فلا يجوز لنا، وهذا هو المشهور من مذهب ابن القاسم.
وذهب قوم إلى أن المراد بلفظ الطعام ذبائحهم جميعا، إلا ما حرم الله عليهم خاصة، لا ما حرموه على أنفسهم، وإلى نحو هذا ذهب أشهب.
والذين قالوا: إن الله يجوز لنا أكل ما لا يجوز لهم أكله، اختلفوا: هل ذلك على جهة المنع أو الكراهة؟ وهذا الخلاف كله موجود في المذهب.
واختلف أيضا فيما ذبحوه لأعيادهم وكنائسهم أو سموا عليه اسم المسيح، هل هو داخل تحت الإباحة أم لا؟ فذهب أشهب إلى أن الآية متضمنة تحليله، وأن أكله جائز، وكرهه مالكرحمه الله ، وتأول قوله تعالى: {أو فسقا أهل لغير الله به} على ذلك.
{الذين أوتوا الكتاب} اختلف العلماء في الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى، من هم؟ وقد اختلف في المجوس والصابئة والسامرة، هل هم ممن أوتي كتابا أم لا؟ وعلى هذا يختلف في ذبائحهم ومناكحتهم. انتهى ملخصا.
وفي كتاب (أحكام القرآن للقاضي أبي بكر بن العربي المالكي) في تفسير هذه الآية - أيضا - ما نصه: " هذا دليل قاطع على أن الصيد {وطعام الذين أوتوا الكتاب} من الطيبات التي أباحها الله، وهو الحلال المطلق، وإنما كرره الله تعالى ليرفع به الشكوك.
ويزيل الاعتراضات عن الخواطر الفاسدة التي توجب الاعتراضات، وتحرج إلى تطويل القول، ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها، هل تؤكل معه أو تؤخذ منه طعاما؟ وهي المسألة الثامنة، فقلت: تؤكل لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا، ولكن الله أباح لنا طعامهم مطلقا، وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا، إلا ما كذبهم الله فيه، ولقد قال علماؤنا: إنهم يعطوننا نساءهم أزواجا، فيحل لنا وطؤهن، فكيف لا نأكل ذبائحهم، والأكل دون الوطء في الحل والحرمة. انتهى.
وفيما قاله القاضي نوع من التقييد والتشديد، إذ اعتبر في طعامهم ما يأكله أحبارهم ورهبانهم، وهذا ما اعتمده الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده مفتي مصر، في فتواه الترنسفالية.
وقد أفتى المهدي الوزاني من علماء فاس بمثل ما أفتى به مفتي مصر، ولما علم بمشاغبة أهل الأهواء في فتوى مفتي الديار المصرية، كتب رسالة في تأييد الفتوى بنصوص كتب المالكية المعتبرة، نشرناها في آخر جزء من مجلد المنار السادس، ومنها قوله:
الدليل على صحة ما قاله الإمام ابن العربي، ما ذكره العلماء فيما ذبحه أهل الكتاب للصنم، فإنه حرام مع المنخنقة وما عطف عليها، وقيدوه بما لم يأكلوه، وإلا كان حلالا لنا. قال الشيخ بناني على قول المختصر: " وذبح لصنم " ما نصه: الظاهر أن المراد بالصنم كل ما عبدوه من دون الله، سبحانه وتعالى، بحيث يشمل الصنم والصليب وغيرهما، وأن هذا شرط في أكل ذبيحة الكتابي، كما في التتائي والزرقاني، وهو الذي ذكره أبو الحسن -رحمه الله - في شرح المدونة، وصرح به ابن رشد في سماع ابن القاسم من كتاب الذبائح، ونصه: كره مالك -رحمه الله - ما ذبحه أهل الكتاب لكنائسهم وأعيادهم لأنه رآه مضاهيا لقوله عز وجل: أو فسقا أهل لغير الله به ولم يحرمه إذ لم ير الآية متناولة له، وإنما رآها مضاهية له; لأن الآية عنده إنما معناها فيما ذبحوا لآلهتهم مما لا يأكلون، قال: وقد مضى هذا المعنى في سماع عبد الملك. انتهى.
وقال في سماع عبد الملك عن أشهب: وسألته عما ذبح للكنائس، قال لا بأس بأكله. ابن رشد: " كره مالك في المدونة أكل ما ذبحوا لأعيادهم وكنائسهم، ووجه قول أشهب أن ما ذبحوا لكنائسهم، لما كانوا يأكلونه وجب أن تكون حلالا لنا; لأن الله - تبارك وتعالى - يقول: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وإنما تأول قول الله عز وجل: أو فسقا أهل لغير الله به فيما ذبحوه لآلهتهم، مما يتقربون به إليها ولا يأكلونه، فهذا حرام علينا بدليل الآيتين جميعا ". انتهى.
فتبين أن ذبح أهل الكتاب إذا قصدوا به التقرب لآلهتهم فلا يؤكل لأنهم لا يأكلونه، فهو ليس طعامهم، ولم يقصدوا بالذكاة إباحته، وهذا هو المراد هنا، وأما ما يأتي من الكراهة في ذبح الصليب، فالمراد به ما ذبحوه لأنفسهم لكن سموا عليه اسم آلهتهم فهذا يؤكل بكره; لأنه من طعامهم هذا الغرض من كلام بناني، وسلمه الرهوني بسكوته عنه، فهذا شاهد لابن العربي قطعا; لأنه علق جواز الأكل على كونه من طعامهم، والمنع منه على ضد ذلك، وأيضا ليس كل ما يحرم في ذكاتنا يحرم أكله في ذكاتهم، كمتروك التذكية عمدا; فإنها لا تؤكل بذبيحتنا وتؤكل بذبيحتهم، حسبما تقدم. فإذا المدار على كونها من طعامهم لا غير، والله أعلم ". انتهى المراد مما كتبه المفتي الوزاني.
وقد أطال علماء الأزهر في إرشاد الأمة الإسلامية إلى أقوال الأئمة في الفتوى (الترنسفالية) والقول في مذهب المالكية في طعام أهل الكتاب، وفصلوه في بضع فصول. الفصل السابع منها في بيان أن ما أفتى به ابن العربي (أي من حل ما خنقه أهل الكتاب بقصد التذكية لأكله) هو مذهب المالكية قاطبة، والفصل الثامن في رد الرهوني برأيه عليه، والتاسع في تفنيد كلام الرهوني وبيان بطلانه، قالوا في أول الفصل السابع ما نصه:
اعلم أنه أقر ابن العربي على ما أفتى به الوزاني وصاحب المعيار وأحمد بابا وابن عبد السلام وابن عرفة وغيرهم من محققي المالكية كالزياتي، وقال: وكفى به حجة، وإن رده الرهوني بالأقيسة.
وما توهمه ابن عبد السلام من التناقض بين كلامي ابن العربي في أحكام القرآن من قوله: " ما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس: ميتة حرام، وقوله: أفتيت بأن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها: تؤكل لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن ذكاة عندنا; لأن الله أباح طعامهم مطلقا، وكل ما يرونه في دينهم فهو حلال لنا، إلا ما كذّبهم الله فيه.
دفعه ابن عرفة بما حاصله أن ما يرونه مذكى عندهم حل لنا أكله وإن لم تكن ذكاته، عندنا ذكاة، وما لا يرونه مذكى لا يحل، ويرجع إلى قصد تذكيته لتحليله وعدمه، كما يعلم ذلك من التتائي على المختصر عند قول المصنف: " أو مجوسيا تنصر وذبح لنفسه... إلخ " ولم يفهم من عبارة أحد من هؤلاء المحققين، أن ما أفتى به ابن العربي مذهب له وحده، بل كل واحد وافقه على أنه مذهب المالكية.
(وبيان ذلك): أن مبنى مذهب المالكية جميعا، العمل بعموم قوله تعالى: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم فكل ما كان من طعامهم فهو حل لنا، سواء كان يحل لنا باعتبار شريعتنا أو لا، فالمعتبر في حل طعامهم ما هو حلال لهم في شريعتهم، ولا يعتبر ذلك بشريعتنا، ويدل لذلك النصوص والتعاليل الآتية، وهو ما جرى عليه مالك وأصحابه فيما ذبحوه للصليب أو لعيسى أو لكنائسهم.
قال الزياتي في شرح القصيدة: " الرابع: ما ذبح للصليب، أو لعيسى، أو لكنائسهم يكره أكله. بهرام عن ابن القاسم: " وما ذبحوه وسموا عليه باسم المسيح فهو بمنزلة ما ذبحوه لكنائسهم، وكذلك ما ذبحوه للصليب، وقال سحنون وابن لبابة: هو حرام; لأنه مما أهل لغير الله به، وذهب ابن وهب للجواز من غير كراهة ". انتهى.
وفي القلشاني أن أشهب يرى - أيضا - الكراهة فيما ذبح للمسيح كابن القاسم، وقال: يباح أكله، وقد أباح الله ذبائحهم لنا وقد علم ما يفعلونه، وذكر القلشاني - أيضا - فيما ذبحوه لكنائسهم ثلاثة أقوال: التحريم والكراهة والإباحة، وأن مذهب المدونة الكراهة.
ونقل المواق عن مالك كراهة ما ذبح لجبريل، عليه السلام. انتهى. وفي منح الجليل عن الرماصي: أجاز مالك - رضي الله عنه - في المدونة أكل ما ذكر عليه اسم المسيح مع الكراهة، والإباحة لابن حارث عن رواية ابن القاسم مع رواية أشهب. وعنه أباح الله لنا ذبائحهم، وعلم ما يفعلونه ". انتهى.
وسيقول المصنف فيما يكره: وذبح لصليب أو عيسى، وليس تحريم المذبوح للصنم لكونه ذكر عليه اسمه، بل لكونه لم تقصد ذكاته، وإلا فلا فرق بينه وبين الصليب.
قال التونسي: وقال ابن عطية، في قوله تعالى:
{ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } [الأنعام: 121] ذبائح أهل الكتاب عند جمهور العلماء في حكم ما ذكر اسم الله عليه; من حيث لهم دين وشرع، وقال قوم: نسخ من هذه الآية حل ذبائح أهل الكتاب، قاله عكرمة والحسن بن أبي الحسن، وقال في قوله تعالى: {وما أهل لغير الله به} قال ابن عباس وغيره: فالمراد ما ذبح للأصنام والأوثان، و (أهل) معناه: صيح، وجرت عادة العرب بالصياح باسم المقصود بالذبيحة، وغلب في استعماله حتى عبر به عن النية التي هي علة التحريم.
ثم قال: " والحاصل أن ذكر اسم غير الله لا يوجب التحريم عند مالك، وفيه عن البناني، وصرح ابن رشد في سماع ابن القاسم، من كتاب الذبائح، ما نصه: " كره مالك ما ذبحه أهل الكتاب لكنائسهم وأعيادهم; لأنه رآه مضاهيا لقول الله: أو فسقا أهل لغير الله به ولم يحرمه; إذ لم ير الآية متناولة له، وإنما رآها مضاهية لقول الله {أو فسقا أهل لغير الله به} لأنها عنده إنما معناها فيما ذبحوه لآلهتهم، مما لا يأكلونه.
قال: وقد مضى هذا المعنى في سماع عبد الملك من كتاب الضحايا. وقال في سماع عبد الملك من أشهب: وسألته عما ذبح للكنائس، قال: لا بأس بأكله ".
ابن رشد: " كره مالك في المدونة أكل ما ذبحوه لأعيادهم وكنائسهم، ووجه قول أشهب أن ما ذبحوه لكنائسهم، لما كانوا يأكلونه وجب أن يكون حلالا; لأن الله قال: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وإنما تأول قوله عز وجل: {أو فسقا أهل لغير الله به} فيما ذبحوه لآلهتهم، مما يتقربون به إليها ولا يأكلونه; فهذا حرام علينا بدليل الآيتين جميعا ". انتهى.
فتبين أن ذبح أهل الكتاب، إن قصدوا به التقرب لآلهتهم فلا يؤكل; لأنهم لا يأكلونه، فهو ليس من طعامهم ولم يقصدوا بذكاته إباحته، وهذا هو المراد هنا، وأما ما يأتي من المكروه في: وذبح لصليب... إلخ. فأراد به ما ذبحوه لأنفسهم وسموا عليه باسم آلهتهم، فهذا يؤكل بكره; لأنه من طعامهم. انتهى.
وذكر العلامة التتائي عن عبادة بن الصامت وأبي الدرداء وأبي أمامة، جواز أكل ما ذبح للصنم. انتهى. وأنت لا يذهب عليك أن ما ذبح للصنم مما أهل به لغير الله، وإنما جوزه هؤلاء الصحابة الأجلاء لكونه من طعام أهل الكتاب، تأمله.
وقال العلامة التتائي، عند قول المصنف: وذبح لصليب أو لعيسى: أي يكره أكل مذبوح لأجله، محمد وابن حبيب: " هو مما أهل به لغير الله، وما ترك مالك العزيمة بتحريمه، فيما ظننا، إلا للآية الأخرى {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} فأحل الله - تعالى - لنا طعامهم، وهو يعلم ما يفعلونه، وترك ذلك أفضل، وقال محمد أيضا: كره مالك ما ذبحوه للكنائس أو لعيسى أو للصليب أو ما مضى من أحبارهم، أو لجبريل أو لأعيادهم، من غير تحريم " انتهى. ووجه الكراهة قصدهم به تعظيم شركهم مع قصد الذكاة. انتهى. منه بلفظه.
وفي بهرام: وذهب ابن وهب إلى جواز أكل ما ذبح للصليب أو غيره، من غير كراهة، نظرا إلى أنه من طعامهم. انتهى.
وقال في منح الجليل، عند ذكر كراهة شحم اليهودي: عند البناني ثلاثة أقوال في شحم اليهود: الإجازة، والكراهة، والمنع، وأنها ترجع إلى الأجازة والمنع; لأن الكراهة من قبيل الإجازة، والأصل في هذا اختلافهم في تأويل قوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} هل المراد بذلك ذبائحهم، أو ما يأكلون؟ فمن ذهب إلى أن المراد به ذبائحهم أجاز أكل شحومهم لأنها من ذبائحهم، ومحال أن تقع الذكاة على بعض الشاة دون بعض، ومن قال: المراد ما يأكلون، لم يجز أكل شحومهم لأنها محرمة عليهم في التوراة على ما أخبر به القرآن، فليست مما يأكلون.
وفي منح الجليل - أيضا - بعد الكلام على التسمية، ما نصه:
وقال في البيان والتبيين: " ليست التسمية شرطا في صحة الذكاة; لأن قوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} معناه: لا تأكلوا الميتة التي لم يقصد إلى ذكاتها; لأنها فسق، ومعنى قوله:
{ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } [الأنعام: 118]: كلوا مما قصدتم إلى ذكاته، فكنى عن التذكية بالتسمية كما كنى عن رمي الجمار بذكر اسم الله - تعالى - حيث قال: { واذكروا الله في أيام معدودات } [البقرة: 203] انتهى المقصود منه.
وقال في كبير الخرشي: ودخل في قول المؤلف: " يناكح " أي يحل لنا وطء نسائه في الجملة، المسلم والكتابي، معاهدا أو حربيا، حرا أو عبدا، ذكرا أو أنثى، ولا فرق بين الكتابي الآن ومن تقدم، خلافا للطرطوشي في اختصاصه بمن تقدم، فإن هؤلاء قد بدلوا، فلا نأمن أن تكون الذكاة مما بدلوا، ورد بأن ذلك لا يعلم إلا منهم، فهم مصدقون فيه. انتهى. ومثله في التتائي بلا فرق.
وقال في شرح اللمع عند قول المصنف: وأما من يذكي فمن اجتمعت فيه أربعة شروط: أن يكون مسلما أو كتابيا... إلخ.
واعلم أن المؤلف قد أطلق الكلام على صحة ذكاة الكتابي، ولا بد من التفصيل في ذلك ليصير كلامه موافقا للمشهور من المذهب، وتلخيص القول في ذلك أن الكافر إن كان غير كتابي لم تصح ذكاته، وإن كان كتابيا كاليهودي والنصراني، سواء كان بالغا أو مميزا، ذكرا أو أنثى، ذميا كان أو حربيا، فإن كان ما ذكاه مما يستحل أكله فذكاته له صحيحة ويجوز لنا الأكل منها، وإن كان مالك قد كره الشراء من ذبائحهم.
والأصل في ذلك أن الله - تعالى - قد أباح لنا أكل طعامهم، ومن جملة طعامهم ما يذكونه، وإن كان ما ذكاه مما لا يستحله، بل مما يقول: إنه حرام عليه: فإن ثبت تحريمه عليه بنص شريعتنا كذي الظفر في قوله تعالى: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} [الأنعام: 146] فالمشهور عدم جواز أكله، وقيل: يجوز، وقيل: يكره وإن لم يثبت تحريمه عليهم بشرعنا، بل لم يعرف ذلك إلا من قولهم; كالتي يسمونها بالطريقة - بالطاء المهملة - ففي جواز أكلنا منه وكراهته قولان، وهما لمالك في المدونة.
قال اللخمي: " وثبت على الكراهة، ولم يحرمه، واقتصر الشيخ خليل في مختصره على القول بالكراهة، ووجهه ابن بشير باحتمال صدق قولهم، وهذا كله إذا كان الكتابي لا يستبيح أكل الميتة، وأما إن كان ممن يستحل أكلها فقال ابن بشير: فإن غاب الكتابي على ذبيحته، فإن علمنا أنهم يستحلون الميتة كبعض النصارى، أو شككنا في ذلك لم نأكل ما غابوا عليه، وإن علمنا أنهم يذكون أكلناه ". انتهى.
وأما ما يذبحه الكتابي لعيده أو للصليب أو لعيسى أو للكنيسة أو لجبريل أو نحو ذلك - فقد كرهه مالك مخافة أن يكون داخلا تحت قوله تعالى: {وما أهل لغير الله به} ولم يحرمه لعموم قوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} وهذا من طعامهم.
قال ابن يونس: واستخفه غير واحد من الصحابة والتابعين وقالوا: قد أحل لنا ذلك وهو عالم بما يفعلونه. انتهى.
وأما ما ذبحوه للأصنام فلا يجوز أكله، قال ابن عبد السلام: باتفاق; لأنه مما أهل به لغير الله. قال اللخمي في تبصرته، فيما ذبحه أهل الكتاب لعيدهم وكنائسهم وصلبانهم وما أشبه ذلك: " الصحيح أنه حلال، والمراد بما أهل لغير الله به: ما ذبح على النصب والأصنام، وهي ذبائح المشركين.
قال أصبغ في ثمانية أبي زيد: وما ذبح على النصب هي الأصنام التي كانوا يعبدونها في الجاهلية، قال: وأهل الكتاب ليسوا أصحاب أصنام.
وفي البخاري قال زيد بن عمرو بن نفيل: إنا لا نأكل مما تذبحون لأنصابكم; يعني الأصنام، وأما ما ذبحه أهل الكتاب فلا يراعى ذلك فيهم، وقد جعل الله - سبحانه - لهم حرمة، فأجاز مناكحتهم وذبائحهم; لتعلقهم بشيء من الحق، وهو الكتاب الذي أنزل عليهم، وإن كانوا كافرين، ولو كان يحرم ما ذبح باسم المسيح لم يجز أن يؤكل شيء من ذبائحهم، إلا أن يسأل هل سمى عليه المسيح أو ذبح للكنيسة؟ بل لا يجوز، وإن أخبر أنه لم يسم المسيح; لأنه غير صادق، وإذا لم يجب ذلك حلت ذبائحهم كيف كانت. انتهى.
فانظر كيف تضافرت كل هذه النصوص كباقي نصوص جميع المالكية، على إناطة الحل والحرمة بكونه حلالا عندهم - أي يأكلونه - وعدمه، وهذا بعينه هو ما قصد إليه ابن العربي والحفار، وقال: أهل المذهب كلهم يقولون ويفتون بحل طعام أهل الكتاب.
ومن جهة أخرى تعلم أن الذبح للصليب لم يكن من الشريعة المسيحية الحقة; لأنه حادث بعدها، إذ منشؤه حادثة الصلب المشهورة.
فكل هذا يفيد أن المعتبر عند المالكية، ما هو حلال عند أهل الكتاب في شريعتهم التي هم عليها، ومنه يعلم - أيضا - ما هو المراد من الميتة في قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} وأنها التي لم يقصد ذكاتها، كما يعلم أنه يجب تقييد المنخنقة وما معها بما لم تقصد ذكاته، ويكون هذا في المنخنقة وما معها، بدليل: {إلا ما ذكيتم} كما سبق، ومنه يتضح أن المراد بالميتة في قولهم: إن كان الكتابي يأكل الميتة فلا تأكل ما غاب... إلخ. أنها ما لم تقصد ذكاتها; لأن القصد إلى الذكاة لا بد منه، من مسلم أو كتابي، حتى لو قطع رقبة الحيوان بقصد تجريب السيف أو اللعب، لا يحل كما تقدم، ومنه يعلم أن الميتة المذكورة بالنسبة للكتابي هي الميتة عنده، وهي التي لم يقصد ذكاتها، لا الميتة عندنا، ويتبين منه - أيضا - أن الشروط المذكورة للفقهاء في الذبائح والذكاة إنما هي بيان ما يلزم في الإسلام بالنسبة للمسلم لا لغيره. انتهى.
(مذهب الشافعي في طعام أهل الكتاب)
قال الشافعي -رحمه الله تعالى - في كتاب الصيد والذبائح من الأم، ما نصه:
1- أحل الله طعام أهل الكتاب، وكان طعامهم عند بعض من حفظت عنه من أهل التفسير: ذبائحهم، وكانت الآثار تدل على إحلال ذبائحهم، فإن كانت ذبائحهم يسمونها لله - تعالى - فهي حلال، وإن كان لهم ذبح آخر يسمون عليه غير اسم الله - تعالى - مثل اسم المسيح، أو يذبحونه باسم دون الله - تعالى - لم يحل هذا من ذبائحهم، ولا أثبت أن ذبائحهم هكذا.
فإن قال قائل: وكيف زعمت أن ذبائحهم صنفان، وقد أبيحت مطلقة؟
قيل: قد يباح الشيء مطلقا، وإنما يراد بعضه دون بعض، فإذا زعم زاعم أن المسلم إن نسي اسم الله - تعالى - أكلت ذبيحته، وإن تركه استخفافا لم تؤكل ذبيحته، وهو لا يدعه للشرك، كان من يدعه على الشرك أولى أن تترك ذبيحته، وقد أحل الله - عز وجل - لحوم البدن (الإبل) مطلقة، فقال: "فإذا وجبت (أي سقطت) جنوبها فكلوا منها" ووجدنا بعض المسلمين يذهب إلى أنه لا يؤكل من البدنة التي هي نذر، ولا جزاء صيد، ولا فدية. فلما احتملت هذه الآية ذهبنا إليه وتركنا الجملة، لا أنها خلاف للقرآن، ولكنها محتملة.
ومعقول أن من وجب عليه شيء في ماله لم يكن له أن يأخذ منه شيئا، لأنا إذا جعلنا له أن يأخذ منه شيئا فلم نجعل عليه الكل، إنما جعلنا عليه البعض الذي أعطى، فهكذا ذبائح أهل الكتاب بالدلالة على شبيه ما قلنا. انتهى بحروفه (ص 196 ج 2 من الأم).
أقول: إنه -رحمه الله تعالى - حرم ما ذكروا اسم غير الله عليه، بأقيسة على مسائل خلافية جعلها نظيرا للمسألة، وقيد بها إطلاق القرآن، ومخالفوه في ذلك - كمالك وغيره - لا يجيزون تخصيص الآية بمثل هذه الأقيسة التي غاية ما تدل عليه أن تخصيص القرآن جائز بالدليل، ولهم أن يقولوا لنا: لا نسلم أن المسلم الذي يترك التسمية تهاونا واستخفافا، لا تحل ذبيحته، وإذا سلمناه جدلا، نمنع قياس الكتابي عليه فيما ذكر، ولا محل هنا لبيان المنع بالتفصيل في هذا القياس وفيما بعده، وهو أبعد منه.
والظاهر مما تقدم من نصوص المالكية من أن ما ذبحوه لغير الله، إن كانوا لا يأكلونه: فهو غير حل للمسلم، وإن كانوا يأكلونه فهو من طعامهم الذي أطلق الله - تعالى - حله وهو يعلم ما يقولون وما يفعلون، وهذا القول يظهر لنا نكتة التعبير بالطعام دون المذبوح أو المذكى; لأن من المذكى ما هو عبادة محضة لا يذكونه لأجل أكله.
2- ذهب الشافعي إلى أن ذبائح نصارى العرب لا تؤكل، واحتج بأثر رواه عن عمر - رضي الله عنه - قال: " ما نصارى العرب بأهل كتاب، وما تحل لنا ذبائحهم، وما أنا بتاركهم حتى يسلموا، أو أضرب أعناقهم ". وبقول علي - كرم الله وجهه - المشهور في بني تغلب. فأما أثر علي - كرم الله وجهه - وقد تقدم فهو حجة على الشافعي لا له; لأنه خاص ببعض العرب مصرح فيهم بأنهم ليسوا نصارى، وأما أثر عمر - رضي الله عنه - فرواه في الأم عن إبراهيم بن محمد بن يحيى، وقد ضعفه الجمهور وصرح بعضهم بكذبه، وممن طعن فيه مالك وأحمد، ومما قيل فيه أنه جمع أصول البدع: فكان قدريا جهميا معتزليا رافضيا، وقد سئل الربيع حين نقل عن الشافعي أنه كان قدريا: ما حمل الشافعي على أن روى عنه؟ فأجاب بأنه كان يبرئه من الكذب ويرى أنه ثقة في الحديث; أي والعبرة في الحديث بالصدق لا بالمذهب.
وقال ابن حبان بعد أن وصفه بالبدعة وبالكذب في الحديث: وأما الشافعي فإنه كان يجالس إبراهيم في حداثته ويحفظ عنه، فلما دخل مصر في آخر عمره وأخذ يصنف الكتب احتاج إلى الأخبار، ولم تكن كتبه معه، فأكثر ما أودع الكتب من حفظه، وربما كنى عن اسمه. وقال إسحاق بن راهويه: ما رأيت أحدا يحتج بإبراهيم بن يحيى مثل الشافعي، قلت للشافعي: وفي الدنيا أحد يحتج بإبراهيم بن يحيى؟. انتهى ملخصا من تهذيب التهذيب. ومما يدل على عدم صحة الأثر، عدم العمل به على أنه رأي صحابي خالفه فيه الجمهور، فلا يحتج به وإن صح.
3- قال الشافعي في باب الذبيحة وفيه من يجوز ذبحه (من الأم ص 205 و206 ج2): وذبح كل من أطاق الذبح من امرأة حائض، وصبي من المسلمين أحب إلي من ذبح اليهودي والنصراني، وكل حلال الذبيحة، غير أني أحب للمرء أن يتولى ذبح نسكه; أي كالأضحية والهدي، فإنه يروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لامرأة من أهله فاطمة أو غيرها:
"احضري ذبح نسيكتك; فإنه يغفر لك عند أول قطرة منها" .
قال الشافعي: وإن ذبح النسيكة غير مالكها أجزأت لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر بعض هديه ونحر بعضه غيره، وأهدى هديا فإنما نحره من أهداه معه، غير أني أكره أن يذبح شيئا من النسائك مشرك; لأن يكون ما تقرب به إلى الله على أيدي المسلمين فإن ذبحها مشرك تحل ذبيحته أجزأت، مع كراهتي لما وصفت.
ونساء أهل الكتاب إذا أطقن الذبح كرجالهم، وما ذبح اليهود والنصارى لأنفسهم مما يحل للمسلمين أكله من الصيد أو بهيمة الأنعام، وكانوا يحرمون منه، شحما أو حوايا - أي ما يحوي الطعام كالأمعاء - أو ما اختلط بعظم أو غيره، إن كانوا يحرمونه فلا بأس على المسلمين في أكله; لأن الله - عز وجل - إذ أحل طعامهم وكان ذلك عند أهل التفسير ذبائحهم; فكل ما ذبحوا لنا ففيه شيء مما يحرمون، فلو كان يحرم علينا إذا ذبحوه لأنفسهم من أصل دينهم بتحريمهم لحرم علينا إذا ذبحوه لنا، ولو كان يحرم علينا بأنه ليس من طعامهم، وإنما أحل لنا طعامهم وكان ذلك على ما يستحلون، كانوا قد يستحلون محرما علينا يعدونه لهم طعاما، فكان يلزمنا لو ذهبنا هذا المذهب أن نأكله; لأنه من طعامهم الحلال لهم عندهم، ولكن ليس هذا معنى الآية، معناها ما وصفنا، والله أعلم ".
هذا نص الشافعي، فمذهبه أن المراد بطعامهم في الآية، ذبائحهم خاصة لا عموم الطعام، فما ذبحوه مما هو حلال لنا كذبائحنا، لا فرق بين ما حرم عليهم منه وما حل لهم، وما حرم علينا لا يحل إذا كان من طعامهم.

وهو مخالف، في هذا للمذاهب الأخرى التي أخذت بعموم لفظ الآية وعدتها كالاستثناء مما حرم علينا، إلا الميتة ولحم الخنزير; فإنهما محرمان لذاتهما لا لمعنى يتعلق بالتذكية أو بما يذكر عليهما، وقد تقدم ذلك، وقد شرح كون ما أحل لنا مما حرم عليهم، لا يحرم من ذبائحهم في موضع آخر (ص 209 و210 منه) وبين هنا أنه يجب على كل عاقل بلغته دعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يتبعه في أصول شرعه وفروعه وحلاله وحرامه، فما كان حراما عليهم صار حلا لهم بشرعه وحلا لنا بالأولى.
(مذهب الشافعي في نكاح أهل الكتاب)
قال الشافعي،رحمه الله : " وأهل الكتاب الذين يحل نكاح حرائرهم: اليهود والنصارى، دون المجوس، والصابئون والسامرة من اليهود والنصارى، إلا أن يعلم أنهم، يخالفونهم في أصل ما يحلون من الكتاب ويحرمون، فيحرمون كالمجوس، وإن كانوا يجامعونهم - أي يوافقونهم - عليه ويتأولون فيختلفون، فلا يحرمون، فإذا نكحها فهي كالمسلمة فيما لها وعليها، إلا أنهما لا يتوارثان. انتهى من مختصر المزني (ص 282 ج 3 على هامش الأم) وظاهر العبارة أن المجوس عنده من أهل الكتاب إلا في نكاحهم وذبائحهم.
(مذهب أحمد وأصحابه في طعام أهل الكتاب والتسمية على الذبيحة)
قال الشيخ الموفق عبد الله بن قدامة في (المقنع ص 531 ج2) ما نصه:
ويشترط للذكاة شروط أربعة; أحدها: أهلية الذابح، وهو أن يكون عاقلا مسلما أو كتابيا; فتباح ذبيحته ذكرا أو أنثى، وعنه لا تباح ذبيحة نصارى بني تغلب، ولا من أحد أبويه غير كتابي.
وذكر في حاشيته أن الصحيح من المذهب إباحة ذبيحة بني تغلب، قال: " وأما من أحد أبويه غير كتابي فقدم المصنف أنها تباح، وبه قال مالك، وأبو ثور، واختاره الشيخ تقي الدين، وابن القيم، والثانية لا تباح، وهو المذهب وبه قال الشافعي; لأنه وجد ما يقتضي الإباحة والتحريم، فغلب التحريم، كما لو جرحه - أي الصيد - مسلم ومجوسي ". انتهى.
أقول: " وللشافعي قول آخر، هو أن العبرة بالأب، وكان اللائق بقول الشافعية أن الولد يتبع أشرف الأبوين في الدين أن يجعلوا ذبح الصغير كذبح أشرف والديه، وأما البالغ فلا وجه للبحث عن أبويه; فإنه إذا كان كتابيا كان داخلا في عموم الآية.
ثم قال (في ص 537) منه: " وإذا ذبح الكتابي ما يحرم عليه; كذي الظفر - أي عند اليهود - لم يحرم علينا، وإن ذبح حيوانا غيره لم تحرم علينا الشحوم المحرمة عليهم، وهو شحم الثرب، أي الكرش والكليتين، في ظاهر كلام أحمد،رحمه الله .
واختاره ابن حامد وحكاه عن الخرقي في كلام مفرد، واختار أبو الحسن التميمي والقاضي تحريمه، وإن ذبح لعيده أو ليتقرب به إلى شيء ما يعظمونه، لم يحرم. نص عليه " انتهى.
أي نص عليه الإمام أحمد وهو المذهب، وإن روي عنه التحريم، وهو موافق فيه لمذهب مالك، رحمهم الله تعالى.
وقال (في ص 535 منه): الرابع، أي من شروط التذكية: أن يذكر اسم الله عند الذبح، وهو أن يقول: بسم الله، لا يقوم مقامها غيرها، إلا الأخرس فإنه يومئ إلى السماء، فإن ترك التسمية عمدا لم تبح، وإن تركها ساهيا أبيحت، وعنه تباح في الحالين، وعنه لا تباح فيهما.
قال في حاشيته: " قوله فإن ترك التسمية عمدا... إلخ. هذا هو المذهب فيهما، وذكره ابن جرير إجماعا في سقوطها سهوا، وروي ذلك عن ابن عباس، وبه قال مالك، والثوري وأبو حنيفة وإسحاق، وممن أباح ما نسيت التسمية عليه عطاء وطاوس وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد، وعن أحمد تباح في الحالين، وبه قال الشافعي، واختاره أبو بكر لحديث البراء مرفوعا المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم وحديث أبي هريرة أنه سئل، فقيل: أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي الله؟ فقال: اسم الله في قلب كل مسلم.
رواه ابن عدي والدارقطني والبيهقي وضعفه. ولنا ما روى الأحوص بن حكيم عن راشد بن سعد مرفوعا ذبيحة المسلم حلال وإن لم يسم، ما لم يتعمد رواه سعيد وعبد بن حميد. لكن الأحوص ضعيف. وعن أحمد لا تباح، وإن لم يتعمد; لقوله تعالى
{ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } [الأنعام: 121] وجوابه أنها محمولة على ما إذا ترك اسم التسمية عمدا، بدليل قوله: { وإنه لفسق } [الأنعام: 121] والأكل مما نسيت التسمية عليه ليس بفسق لقوله عليه السلام: عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان انتهى.
أقول: من عجائب انتصار الإنسان لما يختاره جعل الفسق هنا بمعنى ترك التسمية عمدا، والظاهر فيه ما قاله الشافعية من أنه ما أهل لغير الله به، أخذا من قوله تعالى: {أو فسقا أهل لغير الله به} وقد تقدم.
وفي الباب من كتاب بلوغ المرام للحافظ ابن حجر، ما نصه: وعن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: المسلم يكفيه اسمه، فإن نسي أن يسمي الله حين يذبح فليسم ثم ليأكل. أخرجه الدارقطني، وفيه راو في حفظه ضعف، وفي إسناده محمد بن يزيد بن سنان، وهو صدوق ضعيف الحفظ، وأخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح إلى ابن عباس موقوفا عليه، وله شاهد عند أبي داود في مراسيله بلفظ: ذبيحة المسلم حلال ذكر الله عليها أم لم يذكر ورجاله موثقون. انتهى. وتقدم حديث عائشة عند البخاري، قالت:
"إن قوما يأتون باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا، فقال صلى الله عليه وسلم: سموا الله عليه أنتم وكلوه" . انتهى.
وقد جعل علماء الأزهر الفصل الأول من كتاب (إرشاد الأمة الإسلامية) الذي تقدم ذكره في بيان مذهب الحنابلة في الذبيحة التي أفتى بها مفتي مصر، قالوا:
ذهب الحنابلة إلى أن المعتبر في حل المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، أن تذكى وفيها حياة وإن قلت كالمريضة، وهو قول علي وابن عباس والحسن وقتادة والسيدين: الباقر والصادق، وإبراهيم وطاوس والضحاك وابن زيد، والتسمية عندهم ليست بشرط; فيحل متروك التسمية عمدا أو سهوا، من مسلم أو كتابي على رواية، وفي رواية عن أحمد تشترط من مسلم لا من كتابي، وعنه عكسها، ثم أيدوا هذه الخلاصة بنقل من كتاب (دقائق أولي النهى على متن المنتهى) ومن غيره.
(صفوة الخلاف بين الفقهاء، والمختار منه في طعام أهل الكتاب)
من تأمل ما نقلناه من كتب المذاهب الأربعة المشهورة، وما تخلله وسبقه من كلام غيرهم من أئمة السلف يظهر له أن المتفق عليه أنه يحرم علينا من طعام أهل الكتاب ما حرم علينا، في ديننا لذاته، وهو الميتة ولحم الخنزير، وكذا الدم المسفوح قطعا، وإن لم يذكر فيما تقدم من النقل ولا نعلم أن أحدا منهم يأكله أو يشربه، وكذلك الميتة كلهم يحرمونها، ولحم الخنزير محرم بنص التوراة إلى اليوم، وقد استباحه النصارى بإباحة مقدسهم بولس. وقد اختلف الفقهاء فيما عدا ذلك كما علمت، فكل ما أكلناه مما عدا ذلك من طعامهم نكون موافقين فيه لقول بعض فقهائنا الذين شدد بعضهم وخفف بعض في هذه المسائل، وأشد الفقهاء تشديدا في ذلك وفي أكثر الأحكام، الشافعية.
ومن تأمل أدلة الجميع رأى أن أظهرها قول الذين أخذوا بعموم قوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} ولم يخصصوه بذبائحهم، فضلا عن تخصيصه بحبوبهم; كالشيعة، ولا يشترط في حل طعامهم أن يأكل منه أحبارهم ورهبانهم كما قال ابن العربي، واختاره شيخنا الأستاذ الإمام مفتي مصر في الفتوى الترنسفالية، فهو تشديد لا مستند له في غير ما أهل به لغير الله، إلا الثقة بأن يكون ما يأكلونه غير محرم عليهم في كتبهم، وقد نسخت شريعتنا كتبهم كما قال الشافعي وغيره، فلا عبرة بما حرم عليهم فيها، وقد قال الله - تعالى - في صفات خاتم النبيين:
{ ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم } [الأعراف: 157].
ولا يشترط أيضا أن يكون طعامهم موافقا لشريعتنا سواء كانوا مخاطبين بفروعها قبل الإيمان كما يقول الشافعي، أو غير مخاطبين بها إلا بعد الإيمان، كما يقول الجمهور; إذ لو كان هذا شرطا لما كان لإباحة طعامهم فائدة.
قال ابن رشد في بداية المجتهد، ما نصه: " ومن فرق بين ما حرم عليهم، من ذلك في أصل شرعهم وما حرموا على أنفسهم، قال: ما حرم عليهم هو أمر حق فلا تعمل فيه الذكاة، وما حرموا على أنفسهم أمر باطل، فتعمل فيه التذكية. قال القاضي: والحق أن ما حرم عليهم أو حرموه على أنفسهم هو في وقت شريعة الإسلام أمر باطل; إذ كانت ناسخة لجميع الشرائع، فيجب ألا يراعى اعتقادهم في ذلك.
ولا يشترط أيضا أن يكون اعتقادهم في تحليل الذبائح اعتقاد المسلمين ولا اعتقاد شريعتهم; لأنه لو اشترط ذلك لما جاز أكل ذبائحهم بوجه من الوجوه; لكون اعتقاد شريعتهم في ذلك منسوخا، واعتقاد شريعتنا لا يصح منهم، وإنما هذا حكم خصهم الله - تعالى - به، فذبائحهم، والله أعلم، جائزة على الإطلاق، وإلا ارتفع حكم آية التحليل جملة، فتأمل هذا فإنه بين، والله أعلم. انتهى.
والأمر كما قال القاضي،رحمه الله تعالى. ومراده بذبائحهم مذكاهم كيفما كانت تذكيته عندهم، وقد تقدم تحقيق معنى التذكية وأنها عبارة عن قتل الحيوان بقصد أكله، وأقوال علماء السلف ومحققي المالكية في ذلك، فلله در مالك والمالكية، إن كلامهم في هذه المسألة أظهر من كلام مخالفيهم دليلا، وأليق بيسر الحنيفية السمحة. ومن العجائب أن كثيرا من الناس يحبون أن تكون الشريعة عسرا لا يسرا وحرجا لا سعة، وإن هم لم يلتزموها إلا فيما يوافق أهواءهم، فمن شدد على نفسه فذاك ذنب عقابه فيه، ومن شدد على الأمة حثونا التراب في فيه، والله أعلم وأحكم.
(واقعة في التشديد في ذبائح أهل الكتاب)
قد علم القراء أن بعض أهل الأهواء هبوا منذ عشر سنين لمعارضة فتوى الأستاذ الإمام في حل ذبائح أهل الكتاب. وقد أطلعنا بعض تلاميذنا القوقاسيين في هذه الأيام على كتاب لبعض أدعياء العلم في القوقاس، يشنع فيه على الأستاذ الإمام وعلى المنار، وينكر عليهما بعض المسائل التي لا يعقلها مثله، ومنها مسألة حل طعام الذين أوتوا الكتاب وحل نسائهم، فذكرنا ذلك في واقعة وقعت من زهاء قرن في هذه البلاد تلافاها علماء الأزهر، وقد نشرناها (في ص 786 من مجلد المنار السادس نقلا عن الجزء الرابع من تاريخ الجبرتي في حوادث سنة 1236) قال:
وفيه من الحوادث أن الشيخ إبراهيم الشهير بباشا المالكي بالإسكندرية قرر في درس الفقه أن ذبيحة أهل الكتاب في حكم الميتة، لا يجوز أكلها، وما ورد من إطلاق الآية، فإنه قبل أن يغيروا ويبدلوا في كتبهم، فلما سمع فقهاء الثغر ذلك أنكروه واستغربوه، ثم تكلموا مع الشيخ إبراهيم المذكور وعارضوه، فقال: أنا لم أذكر ذلك بفهمي وعلمي، وإنما تلقيت ذلك عن الشيخ علي المليلي المغربي، وهو رجل عالم متورع وموثوق بعلمه.
ثم إنه أرسل إلى شيخه المذكور بمصر يعلمه بالواقع، فألف رسالة في خصوص ذلك وأطنب فيها، فذكر أقوال المشايخ والخلافات في المذاهب، واعتمد قول الإمام الطرطوشي في المنع وعدم الحل، وحشا الرسالة بالحط على علماء الوقت وحكامه، وهي نحو الثلاث عشرة كراسة - كذا - وأرسلها إلى الشيخ إبراهيم فقرأها على أهل الثغر، فكثر اللغط والإنكار، خصوصا وأهل الوقت أكثرهم مخالفون للملة، وانتهى الأمر إلى الباشا، فكتب مرسوما إلى كتخدا بيك بمصر، وتقدم إليه بأن يجمع مشايخ الوقت لتحقيق المسألة، وأرسل إليه أيضا بالرسالة المصنفة، فأحضر كتخدا بيك المشايخ وعرض عليهم الأمر، فلطف الشيخ محمد العروسي العبارة، وقال: " الشيخ علي المليلي رجل من العلماء تلقى عن مشايخنا ومشايخهم، لا ينكر علمه وفضله، وهو منعزل عن خلطة الناس، إلا إنه حاد المزاج، وبعقله بعض خلل، والأولى أن نجتمع به ونتذاكر في غير مجلسكم، وننهي بعد ذلك الأمر إليكم.
فاجتمعوا في ثاني يوم وأرسلوا إلى الشيخ علي يدعونه للمناظرة، فأبى عن الحضور وأرسل الجواب مع شخصين من مجاوري المغاربة، يقولان: إنه لا يحضر مع الغوغاء، بل يكون في مجلس خاص يتناظر فيه مع الشيخ محمد بن الأمير بحضرة الشيخ حسن القويسني والشيخ حسن العطار فقط; لأن ابن الأمير يناقشه ويشن عليه الغارة، فلما قالا ذلك القول تغير ابن الأمير وأرعد وأبرق، وتشاتم بعض من بالمجلس مع الرسل، وعند ذلك أمروا بحبسهما في بيت الأغا، وأمروا الأغا بالذهاب إلى بيت الشيخ علي وإحضاره بالمجلس ولو قهرا عنه، فركب الأغا وذهب إلى بيت المذكور فوجده قد تغيب، فأخرج زوجته ومن معها من البيت وسمر البيت، فذهبت إلى بيت بعض الجيران.
ثم كتبوا عرضا محضرا وذكروا فيه بأن الشيخ عليا على خلاف الحق، وأبى عن حضور مجلس العلماء والمناظرة معهم في تحقيق المسألة وهرب واختفى; لكونه على خلاف الحق، ولو كان على الحق ما اختفى ولا هرب، والرأي لحضرة الباشا فيه إذا ظهر، وكذلك في الشيخ إبراهيم باشا السكندري - كذا - وتمموا العرض وأمضوه بالختوم الكثيرة وأرسلوه إلى الباشا، وبعد أيام أطلقوا الشخصين من حبس الأغا ورفعوا الختم عن بيت الشيخ علي، ورجع أهله إليه، وحضر الباشا إلى مصر في أوائل الشهر ورسم بنفي الشيخ إبراهيم باشا إلى بني غازي، ولم يظهر الشيخ من اختفائه " انتهى.
(استدراك في حكمة الذبح وتحريم الدم)
قال لنا أحد الأطباء بعد قراءة ما كتبناه في حكمة تحريم الدم في المنار: إن تجربة حقن الإنسان بدم الحيوان لم تنجح، فهو ضار، وإن ذبح الحيوان الكبير أو نحره أنفع; لأنه ينهر الدم الضار، وإن المواد الميتة في الدم ليست عفنة، بل سامة. انتهى.
قلت: مرادي بعفنة: المعنى اللغوي، لا الطبي أي فاسدة ضارة.