خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

الۤمۤصۤ
١
كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ
٢
ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ
٣
-الأعراف

تفسير المنار

{المص} هذه حروف مركبة في الرسم بشكل كلمة ذات أربعة أحرف ولكنها تقرأ بأسماء هذه الأحرف ساكنة هكذا: ألف، لام، ميم، صاد، والمختار عندنا أن حكمة افتتاح هذه السورة وأمثالها بأسماء حروف ليس لها معنى مفهوم غير مسمى تلك الحروف التي يتركب منها الكلام هي تنبيه السامع إلى ما سيلقى إليه بعد هذا الصوت من الكلام حتى لا يفوته منه شيء. فهي كأداة الافتتاح " ألا " و " هاء " التنبيه. وإنما خصت سور معينة من الطول والمئين المثاني والمفصل بهذا الضرب من الافتتاح؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتلوها على المشركين بمكة لدعوتهم بها إلى الإسلام وإثبات الوحي والنبوة، وكلها مكية إلا الزهراوين البقرة وآل عمران - وكانت الدعوة فيهما موجهة إلى أهل الكتاب - وكلها مفتتحة بذكر الكتاب إلا سورة مريم وسورتي العنكبوت والروم وسورة (ن). وفي كل منهما معنى مما في هذه السور يتعلق بإثبات النبوة والكتاب.
فأما سورة مريم فقد فصلت فيها قصتها بعد قصة يحيى وزكريا المشابهة لها. ويتلوهما ذكر رسالة إبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس مبدوءا كل منها بقوله تعالى: {واذكر في الكتاب} والمراد بالكتاب القرآن. فكأنه قال في كل من قصة زكريا ويحيى وقصة مريم وعيسى {واذكر في الكتاب} وذكر هذه القصص في القرآن من دلائل كونه من عند الله تعالى لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم هذا لا هو ولا قومه كما صرح به في سورة هود بعد تفصيل قصة نوح مع قومه بقوله:
{ تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين } [هود: 49] وكما قال في آخر سورة يوسف بعد سرد قصته مع إخوته: { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون } [يوسف: 102]
وختمت هذه السورة " أي سورة مريم " بإبطال الشرك وإثبات التوحيد ونفي اتخاذ الله تعالى للولد، وتقرير عقيدة البعث والجزاء. فهي بمعنى سائر السور التي كانت تتلى للدعوة ويقصد بها إثبات التوحيد والبعث ورسالة خاتم النبيين وصدق كتابه الحكيم.
وأما سورة العنكبوت وسورة الروم فكل منهما قد افتتحت بعد {الم} بذكر أمر من أهم الأمور المتعلقة بالدعوة.
فالأول الفتنة في الدين، وهي إيذاء الأقوياء للضعفاء واضطهادهم لأجل إرجاعهم عن دينهم بالقوة الظاهرة. كان مشركو قريش يظنون أنهم يطفئون نور الإسلام ويبطلون دعوته بفتنتهم للسابقين إليه وأكثرهم من الضعفاء الذين لا ناصر لهم من الأقوياء بحمية نسب ولا ولاء وكان المضطهدون من المؤمنين يجهلون حكمة الله بظهور أعدائه عليهم، فبين الله في فاتحة هذه السورة أن الفتنة في الدين من سنته تعالى في نظام الاجتماع يمتاز بها الصادقون من الكاذبين، ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، وتكون العاقبة للمتقين الصابرين. فكانت السورة جديرة بأن تفتتح بالحروف المنبهة لما بعدها.
والأمر الثاني الذي افتتحت به سورة الروم هو الإنباء بأمر وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولما يكن وصل خبره إلى قومه - وبما سيعقبه مما هو في ضمير الغيب ذلك أن دولة فارس غلبت دولة الروم في القتال الذي كان قد طال أمره بينهما فأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك، وبأن الأمر سيدول وتغلب الروم الفرس في مدى بضع سنين. وبأن الله تعالى ينصر في ذلك اليوم المؤمنين على المشركين، وقد صدق الخبر وتم الوعد فكان كل منهما معجزة من أظهر معجزات القرآن والآيات المثبتة لرسالة محمد عليه الصلاة والسلام.
ولو فات من تلاها عليهم النبي صلى الله عليه وسلم كلمة من أولها لما فهموا مما بعدها شيئا فكانت جديرة بأن تبدأ بهذه الحروف المسترعية للأسماع المنبهة للأذهان. وكان هذا بعد انتشار الإسلام بعض الانتشار، وتصدي رؤساء قريش لمنع الرسول صلى الله عليه وسلم من الدعوة وتلاوة القرآن على الناس ولا سيما في موسم الحج، وكان السفهاء يلغطون إذا قرأ ويصخبون:
{ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } [فصلت: 26].
وأما سورة " ن " ففاتحتها وخاتمتها في بيان تعظيم شأن الرسول صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم ودفع شبهة الجنون عنه، وهي أول ما نزل بعد سورة
{ اقرأ باسم ربك } [العلق: 1] وكانت شبهة رميه - حماه الله وكرمه - بتهمة الجنون مما يتبادر إلى الأذهان من غير عداوة ولا مكابرة، فإن رجلا أميا فقيرا وادعا سلما، ليس برئيس قوم ولا قائد جند، ولا ذي تأثير في الشعب بخطابة ولا شعر، يدعي أن جميع البشر على ضلال الكفر والفسق، وأنه مرسل من الله لهداية هؤلاء الخلق، وأن دينه سيهدي العرب والعجم، وإصلاح شرعه سيعم جميع الأمم، لا يستغرب من مدارك أولئك المشركين الأميين الجاهلين بسنن الله في الأمم وآياته في تأييد المرسلين، أن يكون أول ما يصفون به صاحب هذه الدعوى قبل ظهور الآيات والعلوم بقولهم: " إنه لمجنون " وبعد ظهورها بقولهم: " ساحر أو كاهن أو مجنون " وبعد ظهور العلم والعرفان: بقولهم: " معلم مجنون " { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون } [الذاريات: 52، 53].
نعم قد قيل: إن "ن" هنا بمعنى الدواة، ولذلك قرن بالقلم لبيان أن هذا الدين يقوم بالعلم والكتابة، كما قال في أول ما نزل عليه قبلها:
{ اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم } [العلق: 3، 4] وقيل: إنه بمعنى الحوت لأن في السورة ذكرا لصاحب الحوت يونس عليه السلام،
ولو صح هذا أو ذاك لما كتبت النون مفردة ونطقت ساكنة، بل كانت تذكر مركبة ومعربة كقوله:
{ وذا النون إذ ذهب مغاضبا } [الأنبياء: 87] وإنما يصح أن يكون فيها إشارة إلى ما ذكر، كما يصح في سائر تلك الحروف أن يكون فيها إشارات إلى معان معينة تظهر لبعض الناس دون بعض، أو غير معينة تذهب فيها الأفهام مذاهب تفيد أصحابها علما أو عبرة، بشرط أن تتفق مع هداية القرآن وإن لم يصح أن يقال: إنها مرادة لله تعالى بحسب دلالة الألفاظ العربية على معانيها.
ومن هذا القبيل الأخير جعل بعض مفسري السلف هذه الأحرف مقتطعة من أسماء الله تعالى أو من جمل من الكلام تشتمل عليها: أخرج أكثر رواة التفسير المأثور والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في {المص} قال أنا الله أفضل. ورواه ابن جرير عن سعيد بن جبير وروى هو وابن أبي حاتم عن السدي فيه قال: هو المصور. وروى ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي فيه قال: الألف من الله، والميم من الرحمن، والصاد من الصمد. وأبو الشيخ عن الضحاك فيه قال: أنا الله الصادق. وروى أبناء جرير، والمنذر، وأبو حاتم من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {المص} و {طه} و {طسم} و {حم عسق} و {ق} و {ن} وأشباه هذا أنه قسم أقسم الله به وهي من أسماء الله تعالى.
وأقرب من هذا إلى الفهم أنها أسماء للسور - والاسم المرتجل لا يعلل - وهو ما اخترناه في تفسير {الم} من سورتي البقرة وآل عمران وعليه الأكثر، وهو لا ينافي ما بيناه من الحكمة آنفا، وهي التي فتح علينا بها في درس التفسير الذي كنا نلقيه في مدرسة دار الدعوة والإرشاد وقد فصلناه فيه أتم تفصيل، إذ أثبتنا أن من حسن البيان وبلاغة التعبير، التي غايتها إفهام المراد من الإقناع والتأثير، أن ينبه المتكلم المخاطب إلى مهمات كلامه والمقاصد الأولى بها، ويحرص على أن يحيط علمه بما يريده هو منها، ويجتهد في إنزالها من نفسه في أفضل منازلها ومن ذلك التنبيه لها قبل البدء بها لكيلا يفوته شيء منها.
وقد جعلت العرب منه هاء التنبيه وأداة الاستفتاح، فأي غرابة في أن يزيد عليها القرآن الذي بلغ حد الإعجاز في البلاغة وحسن البيان ويجب أن يكون فيها الإمام المقتدى، كما أنه هو الإمام في الإصلاح والهدى؟ ومنه ما يقع في أثناء الخطاب من رفع الصوت وتكييفه بما تقتضيه الحال من صيحة التخويف والزجر، أو غنة الاسترحام والعطف، أو رنة النعي وإثارة الحزن أو نغمة التشويق والشجو، أو هيعة الاستصراخ عند الفزع، أو صخب التهويش وقت الجدل. ومنه الاستعانة بالإشارات، وتصوير المعاني بالحركات ومنه كتابة بعض الكلمات أو الجمل بحروف كبيرة أو وضع خط فوقها أو تحتها.
هذا وإنني بعد أن هديت إلى هذه الحكمة لبدء سور مخصوصة بهذه الأحرف بحثت عن سلف لي في ذلك فراجعت التفسير الكبير للرازي لسعة اطلاعه وبسطه لكل ما اطلع عليه ولم أكن أقرأ مثل هذا منه، فألفيته قد ذكر للناس قولين في هذه الأحرف.
أحدهما أنها علم مستور وسر محجوب استأثر الله تعالى به، وأنه روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: في كل كتاب سر، وسره في القرآن أوائل السور، وعن علي كرم الله وجهه: إن لكل كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي. (ونقول: قد نقل أهل الأثر عن الخلفاء الأربعة وابن مسعود أن هذه الحروف مما استأثر الله بعلمه) ثم ذكر أن المتكلمين أنكروا هذا القول واحتجوا عليه بالآيات والأحاديث والمعقول، وفصل ذلك.
ثانيهما أن معناها معلوم، ونقل من أقوالهم فيها 21 قولا، الثاني عشر منها قول ابن روق وقطرب أن الكفار لما قالوا:
{ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } [فصلت: 26] وتواصوا بالإعراض عنه أراد الله تعالى - لما أحب من صلاحهم ونفعهم - أن يورد عليهم ما لا يعرفونه ليكون سببا لإسكاتهم واستماعهم لما يرد عليهم من القرآن، فأنزل الله عليهم هذه الحروف فكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجبين: اسمعوا إلى ما يجيء به محمد - عليه السلام - فإذا أصغوا هجم عليهم القرآن، فكان ذلك سببا لاستماعهم، وطريقا إلى انتفاعهم اهـ. ثم سمي هذا حكمة في مواضع أخرى، وهو كما قلنا، ثم علمت أن للشيخ محيي الدين بن عربي تفسيرا مختصرا - على طريقة المفسرين لا الصوفية - اقتصر فيه على هذا المعنى.
وفي شرح الإحياء بعد ذكر القول بأن هذه الحروف تنبيهات ما نصه " قال الحربي: القول بأنها تنبيهات جيد؛ لأن القرآن كلام عزيز وفوائده عزيزة، فينبغي أن يرد على سمع منتبه، فكان من الجائز أن يكون قد علم في بعض الأوقات كون النبي صلى الله عليه وسلم في عالم البشر مشغولا فأمر جبريل بأن يقول عند نزوله: الم، وحم ليسمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت جبريل فيقبل عليه ويصغى إليه (قال) وإنما لم تستعمل الكلمات المشهورة في التنبيه كـ " ألا " و " أما " لأنها من الألفاظ التي تعارفها الناس في كلامهم، والقرآن كلام لا يشبه الكلام فناسب أن يؤتى فيه بألفاظ تنبيه لم تعهد ليكون أبلغ في قرع سمعه اهـ. وقيل: إن العرب كانوا إذا سمعوا القرآن لغوا فيه فأنزل الله هذا النظم البديع ليعجبوا منه ويكون تعجبهم له سببا لاستماعهم له، واستماعهم له سببا لاستماع ما بعده فترق القلوب وتلين الأفئدة اهـ.
وأقول: إن جعل التنبيه للنبي صلى الله عليه وسلم مستبعد، وقد كان يتنبه وتغلب الروحانية على طبعه الشريف بمجرد نزول الروح الأمين عليه ودنوه منه كمايعلم مما ورد في نزول الوحي من الأحاديث الصحيحة، ولا يظهر فيه وجه تخصيص بعض السور بالتنبيه،
وإنما كان التنبيه أولا وبالذات للمشركين في مكة، ثم لأهل الكتاب في المدينة كما تقدم قريبا؛ إذ كان المؤمنون يتوجهون بكل قواهم إلى ما يتلوه الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم وكله عندهم سواء، فهم مقصودون بهذا التنبيه بالدرجة الثانية.
وقد ظهر بما استقصيناه من التتبع أنه لم يبين هذه الحكمة أحد بمثل ما بيناها به ابتداء ولله الحمد، ولو رأى مثل هذا البيان ابن كثير لما ضعف هذا الوجه إذ نقله موجزا مجملا عن ابن جرير، وقد رجح هو ما ذهب إليه كثير من العلماء من أن حكمة ذكر هذه الحروف بيان إعجاز القرآن بالإشارة إلى أنه مركب من هذه الحروف المفردة التي يتألف منها جميع الكلام العربي، وقد أطنب في تقرير ذلك من مفسري علماء البلاغة الزمخشري وتلاه البيضاوي واختاره من علماء المنقول والمعقول ابن تيمية وتبعه تلميذه الحافظ المزي فيراجع في محله.
{كتاب أنزل إليك} إذا قيل إن {المص} اسم للسورة فهو مبتدأ خبره كتاب وإلا فهذا خبر لمبتدأ محذوف تقديره ذلك كتاب كقوله:
{ الم ذلك الكتاب } [البقرة: 1، 2] وتنكير كتاب للتعظيم والتفخيم، والمراد به على القول الثاني جملة القرآن المشار إلى بعضه المنزل بالفعل، وجملة {أنزل إليك} صفة له دالة على كمال تعظيم قدره وقدر من أنزل إليه؛ ولذلك سميت الليلة التي كان بدء نزوله فيها بليلة القدر.
وإنما قيل: {أنزل} ولم يقل أنزل الله أو أنزلناه إيجازا مؤذنا بأن المنزل مستغن عن التعريف، وعن إسناده إلى الضمير أو الاسم الصريح، فإن هذا الكتاب البديع، لا يمكن أن يكون إلا من فوق ذلك العرش الرفيع {فلا يكن في صدرك حرج منه} حرج الصدر ضيقه وغمه وهو من الحرجة التي هي مجتمع الشجر المشتبك الملتف الذي لا يجد السالك فيه سبيلا واضحا ينفذ منه، أو الذي لا يقبل الزيادة كما قال الراغب،
وقد فسر الحرج هنا بمعناه اللغوي وروي عن الضحاك، وروي عن ابن عباس ومجاهد تفسيره بالشك كما في الدر المنثور وعزاه ابن كثير إلى مجاهد وقتادة.
ووجهوه بأن الشك ضرب من ضروب حرج الصدر وضيق القلب. وتقدم تفسير مثله في الأنعام (الآية 125) وقال الراغب في هذه الجملة قيل: هي نهي. وقيل: دعاء. وقيل: حكم منه نحو
{ ألم نشرح لك صدرك } [الشرح: 1] اهـ. والنهي أو الدعاء عن أمر يتعلق بالمستقبل دليل على أنه مظنة الوقوع في نفسه، وبحسب سنن الله ونظام الأسباب في خلقه، والأمر هنا كذلك، إلا أن يحول دون وقوعه مانع كعناية الله وتأييده؛ فإن هذا القرآن أمر عظيم بل هو أعظم شأن بين الله تعالى وبين عباده وقد كان في أول ما نزل منه قوله عز وجل: { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } [المزمل: 5] ثم نزل في تفسيره: { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون } [الحشر: 21] وكان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه الوحي وهو يتفصد عرقا، وكان يكاد يهيم بشدة وقعه وعظم تأثيره حتى يكاد يلقي بنفسه من شاهق الجبل،
وأي قلب يحتمل وصدر يتسع لكلام الله العظيم، ينزل به عليه الروح الأمين، إذا لم يتول سبحانه بفضله شرحه وإعانته على حمله، وهو ما امتن به على رسوله بقوله: {ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك} فهذا وجه مظنة وقوع الحرج بمعناه اللغوي الأصلي بالنسبة إلى الرسول نفسه، وكونه تعالى صرفه عنه بشرحه لصدره، ويصح فيه أن يكون النهي تكوينيا.
وله وجه آخر باعتبار تبليغه إياه فإنه صلى الله عليه وسلم كلف به هداية الثقلين وإصلاح أهل الخافقين، ومن المتوقع المعلوم بالبداهة أن المتصدي لذلك لا بد أن يلقى أشد الإيذاء والمقاومة، والطعن في كتاب الله، والإعراض عن آيات الله، وهي أسباب لضيق الصدر كما قال تعالى في آخر سورة الحجر:
{ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } [الحجر: 97] وفي آخر سورة النحل بعدها: { واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون } [النحل: 127] ومثله في سورة النمل. وقال تعالى في أوائل سورة هود: { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل } [هود: 12] والمراد من النهي عن أمر طبعي كهذا الاجتهاد في مقاومته والتسلي عنه بوعد الله والتأسي بمن سبق من رسله عليهم السلام.
فهذان الوجهان الوجيهان، من تفسير القرآن بالقرآن. ينافيان ما روي من تفسير الحرج بالشك، ويغنيان عما تمحله المفسرون في توجيهه بالتأويل الشبيه بالمحك، وما أكثر ما روي في التفسير بصحيح حتى بالغ الإمام أحمد فقال لا يصح فيه شيء، وما كل ما صح منه مقبول، إلا إذا صح رفعه إلى المعصوم، صلى الله عليه وآله وسلم،
وأما قوله تعالى في سورة يونس:
{ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك } [يونس: 94] فهو على سبيل فرض المحال المألوف في أمثال هذه المواضع والمحال، وشرط " إن " لا يقتضي الوقوع بحال من الأحوال. ومثله في هذه السورة قوله تعالى بعد نهيه صلى الله عليه وسلم عن دعاء غير الله: { فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين } [يونس: 106] وقوله في غيرها: { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين } [الزخرف: 81] وفي ابن جرير وغيره أنه صلى الله عليه وسلم قال في آية يونس: "لا أشك ولا أسأل" .
وقوله تعالى: {لتنذر به وذكرى للمؤمنين} تعليل لإنزال الكتاب. والجملة قبله معترضة بين العلة والمعلول لإفادة أن الإنذار به إنما يكون مطلقا أو على وجه الكمال مع انتفاء الحرج من الصدر، وانشراحه للنهوض بأعباء هذا الأمر، وقيل: تعليل للنهي عن الحرج على أن اللام مصدرية كقوله: { يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم } [الصف: 8] أي فلا يكن في صدرك حرج منه لأجل الإنذار به لئلا يكذبك الناس. والإنذار التعليم المقترن بالتخويف من سوء عاقبة المخالفة، وهو يتعدى إلى مفعولين: المنذر والعقاب الذي ينذره، أي يخوف من وقوعه به، ومنه قوله: { إنا أنذرناكم عذابا قريبا } [النبأ: 40] وقوله: {وينذرونكم لقاء يومكم هذا} والمفعولان يذكران كلاهما تارة ويذكر أحدهما تارة بعد أخرى بحسب المناسبات، وقد حذف كل منهما هنا لإفادة العموم حسب القاعدة، أي لتنذر به جميع الناس إذ تبلغهم دين الله وكل ما يتلى عليك في الكتاب من عقابه تعالى لمن يعصي رسله في الدنيا والآخرة
فهو إيجاز بليغ يدل على عموم بعثته صلى الله عليه وسلم كقوله في سورة الأنعام:
{ ولتنذر أم القرى ومن حولها } [الأنعام: 92] وقد صرح بجعل الإنذار عاما لأمة البعثة كافة بقوله: { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا } [الفرقان: 1] وكثيرا ما يوجه إلى الكفار والظالمين لأنهم هم الذين يعاقبون حتما، وقد يخص به المؤمنون المتقون بأنهم هم المنتفعون به قطعا، كقوله تعالى: { إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب } [فاطر: 18] وقوله: { إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب } [يس: 11] وقوله: { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } [الأنعام: 51] الآية.
وأما الذكرى فهي مصدر لذكر الشيء بقلبه وبلسانه، والاسم الذكر بالضم وكذا بالكسر، قال في المصباح: نص عليه جماعة منهم أبو عبيدة وابن قتيبة، وأنكر الفراء الكسر في ذكر القلب وقال: اجعلني على ذكر منك. بالضم لا غير؛ ولهذا اقتصر جماعة عليه اهـ.
وقال الراغب: والذكرى كثرة الذكر وهو أبلغ من الذكر اهـ. ولعله أخذ هذا المعنى من كثرة استعمالها في القرآن بمعنى التذكير النافع والموعظة المؤثرة - ولا أذكر أنها استعملت فيه بمعنى ذكر اللسان إلا في قوله تعالى:
{ يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها } [النازعات: 42، 43] على وجه وفسرت بالعلم - ولا بمعنى مطلق التذكر إلا في قوله: { فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين } [الأنعام: 68] لأنه في مقابل الإنساء وقد خصها هنا بالمؤمنين لأنهم هم الذين ينتفعون بالمواعظ كما قال في الذاريات: { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } [الذاريات: 55] ومثله في سورة العنكبوت: { وذكرى لقوم يؤمنون } [العنكبوت: 51] وفي سورة الأنبياء: { وذكرى للعابدين } [الأنبياء: 84] في سورة ص: { وذكرى لأولي الألباب } [ص: 43] وفي سورة ق: { تبصرة وذكرى لكل عبد منيب } [ق: 8].
والمراد بالمؤمنين هنا من كتب الله لهم الإيمان سواء كانوا آمنوا عند نزول السورة أم لا. وتقدير الكلام مع ما قبله: أنزل إليك الكتاب لتنذر به قومك وسائر الناس، وتذكر به أهل الإيمان وتعظهم ذكرى نافعة مؤثرة لأنهم هم المستعدون للاهتداء به - أو أنزل إليك للإنذار العام والذكرى الخاصة، أو هو ذكرى - أو حال كونه ذكرى - لمن آمنوا ولمن علم الله أنهم يؤمنون.
{اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} هذا بيان للإنذار العام، الذي أمر الرسول بتبليغه إلى جميع الأنام، وهو على تقدير القول الذي يكثر حذفه في مثل هذا المقام، لما يدل عليه من الأسلوب وسياق الكلام، أي قل: يا أيها الناس اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم، الذي هو خالقكم ومربيكم ومدبر أموركم، فإنه هو الذي له وحده الحق في شرع الدين لكم وفرض العبادات عليكم، والتحليل لما ينفعكم، والتحريم لما يضركم؛ لأنه أعلم بمصلحتكم منكم
{ولا تتبعوا من دونه أولياء} تتخذونهم من أنفسكم، ولا من الشياطين الذين يوسوسون لكم، بما يزين لكم ضلال تقاليدكم والابتداع في دينكم، فتولونهم أموركم، وتطيعونهم فيما يرومون منكم، من وضع أحكام، وحلال وحرام، زاعمين أنه يجب عليكم تقليدهم لأنهم أعلم منكم، أو للاقتداء بما كان عليه آباؤكم، فإنما على العالم بدين الله تبليغه وبيانه للمتعلم لا بيان آرائه وظنونه فيه - ولا أولياء تتخذونهم لأجل إنجائكم من الجزاء على ذنوبكم، وجلب النفع لكم أو رفع الضر عنكم، زاعمين أنهم بصلاحهم يقربونكم إليه زلفى، أو يشفعون لكم عنده في الآخرة أو الدنيا، فإن الله ربكم هو الولي، أي الذي يتولى أمر العباد بالتشريع والتدبير، والخلق والتقدير، فله وحده الخلق والأمر وبيده النفع والضر
{قليلا ما تذكرون} أي تذكرا قليلا تتذكرون، أو زمنا قليلا تتذكرون ما يجب أن يعلم فلا يجهل ويحفظ فلا ينسى، مما يجب للرب تعالى، ويحظر أن يشرك معه غيره فيه، أو قليلا ما تتعظون بما توعظون به فترجعون عن تقاليدكم وأهوائكم إلى ما أنزل إليكم من ربكم. قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم " تذكرون " بحذف إحدى التاءين وتخفيف الذال وتشديد الكاف، على أن أصلها {تتذكرون} وقرأها ابن عامر " يتذكرون " بالياء على أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم على طريق الالتفات، وقرأها الباقون بالتاء وتشديد الذال بإدغام التاء الأخرى فيها.
قد حققنا معنى الولاية لغة وأنواع استعمالها في القرآن مرارا أقربها ما في سورة الأنعام كقوله تعالى:
{ وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا } [الأنعام: 129] وبينا وجه الحصر في كون الله تعالى هو ولي المؤمنين في تفسير: { قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السموات والأرض } [الأنعام: 14] وزدنا هذا بيانا في تفسير: { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون } [الأنعام: 51] وكذا تفسير: { وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع } [الأنعام: 70] كما بيناه في تفسير آيات أخرى مما قبل سورة الأنعام، ومن أوسعها وأعمها بيانا تفسير قوله تعالى: { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت } [البقرة: 257] الآية وفيه تفصيل لولاية الله المؤمنين، وولاية المؤمنين بعضهم لبعض، وولاية الطاغوت للكافرين.
ونكتفي هنا بأن نقول: إن الولاية التي هي عبارة عن تولي الأمر - منها ما هو خاص برب العباد وإلههم الحق، وهي قسمان: (أحدهما) شرع الدين، عقائده وعباداته وحلاله وحرامه. (وثانيهما) الخلق والتدبير الذي هو فوق استطاعة الناس في أمور الأسباب العامة التي مكن الله منها جميع الناس في الدنيا، كالهداية بالفعل، وتسخير القلوب، والنصر على الأعداء وغير ذلك - وكل ما يتعلق بأمر الآخرة من المغفرة والرحمة والثواب والعقاب، فكل ما ورد من حصر الولاية في الله تعالى فالمراد به تولي أمور العباد فيما لا يصل إليه كسبهم وشرع الدين لهم كما فصلناه في تفسير آية البقرة وغيرها.
والمتبادر هنا من النهي عن اتباع الأولياء من دونه تعالى، هو النهي عن طاعة كل أحد من الخلق في أمر الدين غير ما أنزل الله من وحيه، كما فعل أهل الكتاب في طاعة أحبارهم ورهبانهم فيما أحلوا لهم وزادوا على الوحي من العبادات وما حرموا عليهم من المباحات، كما ورد في الحديث المرفوع في تفسير قوله تعالى:
{ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } [التوبة: 31] وكل من أطاع أحدا طاعة دينية في حكم شرعي لم ينزله ربه إليه فقد اتخذه ربا، والآية نص في عدم جواز طاعة أحد من العلماء ولا الأمراء في اجتهاده في أمور العقائد والعبادات والحلال والحرام تدينا، وما على العلماء إلا بيان ما أنزله الله وتبليغه، وإرشاد الناس إلى فهمه وما عسى أن يخفى عليهم من تطبيق العمل على النص، وحكمة الدين في الأحكام كبيان سمت القبلة في البلاد المختلفة، فهم لا يتبعون في ذلك لذواتهم، بل المتبع ما أنزله الله بنصه أو فحواه على حسب روايتهم له وتفسيرهم لمعناه، وإنما يطاع أولو الأمر من الأمراء وأهل الحل والعقد في تنفيذ ما أنزله الله تعالى، وفيما ناطه بهم من استنباط الأحكام في سياسة الأمة وأقضيتها التي تختلف المصالح فيها باختلاف الزمان والمكان.
والآية نص في بطلان القياس ونبذ الرأي في الأمور الدينية المحضة، وقد فصلنا القول في ذلك وما يتعلق به من الأصول والفروع في تفسير:
{ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } [النساء: 59] الآية، وتفسير قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } [المائدة: 101] الآية.
ولا شك في أن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه من بيان الدين داخل في عموم ما أنزل إلينا على لسانه، وكذا اتباعه في أحكامه الاجتهادية، فإنه تعالى أمرنا باتباعه وبطاعته، وأخبرنا بأنه مبلغ عنه، وقال له:
{ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } [النحل: 44]
والجمهور على أن الأحكام الشرعية الواردة في السنة موحى بها، وأن الوحي ليس محصورا في القرآن، والإمام الشافعي يقول: إنها مستنبطة من القرآن.
وقد قال صلى الله عليه وسلم:
"إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر" رواه مسلم من حديث رافع بن خديج في مسألة تأبير النخل، وروي من حديث موسى بن طلحة عن أبيه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إن حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل" وإذا كان عليه أفضل الصلاة والسلام قد أذن لنا ألا نأخذ بظنه في أمور الدنيا، وقال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" كما في حديث عائشة وثابت بن أنس عند مسلم، فما القول بظن غيره؟ ومنه اجتهاد العلماء فيما ذكرنا آنفا.
قال الرازي: هذه الآية تدل على أن تخصيص عموم القرآن بالقياس لا يجوز؛ لأن عموم القرآن منزل من عند الله تعالى، والله تعالى أوجب متابعته فوجب العمل بعموم القرآن، ولما وجب العمل به امتنع العمل بالقياس وإلا لزم التناقض، فإن قالوا: لما ورد الأمر بالقياس في القرآن وهو قوله: {فاعتبروا} كان العمل بالقياس عملا بما أنزل الله - قلنا: هب أنه كذلك، إلا أنا نقول: الآية الدالة على وجوب العمل بالقياس إنما تدل على الحكم المثبت بالقياس لا ابتداء بل بواسطة ذلك القياس، وأما عموم القرآن فإنه يدل على ثبوت ذلك الحكم ابتداء لا بواسطة، ولما وقع التعارض كان الذي دل عليه ما أنزله الله ابتداء أولى بالرعاية من الحكم الذي دل عليه ما أنزله الله بواسطة شيء آخر، فكان الترجيح من جانبنا والله أعلم اهـ. وقد نقلنا في بحث القياس أن الرازي قد رد في محصوله كون قوله تعالى:
{ فاعتبروا يا أولي الأبصار } [الحشر: 2] دليلا على القياس الأصولي وهو مصيب في ذلك.
ثم أورد استدلالا آخر بالآية لنفاة القياس وأورد عليه مناقشة القياسيين فيه، ونحن في غنى عن ذلك بتحقيق الحق في المسألة في تفسير آية المائدة التي أشرنا إليها آنفا.
ثم ذكر أن الحشوية الذين ينكرون النظر العقلي والبراهين العقلية تمسكوا بهذه الآية: قال: وهو بعيد لأن العلم بكون القرآن حجة موقوف على صحة التمسك بالدلائل العقلية، فلو جعلنا القرآن طاعنا في صحة الدلائل العقلية لزم التناقض وهو باطل اهـ. وكان ينبغي أن يرد عليهم بأن القرآن قد هدى إلى الدلائل العقلية باستدلاله بالمعقول، ومخاطبته لأولي الألباب وأصحاب العقول، على أننا لا نعرف طائفة من الناس تنكر النظر العقلي والبراهين العقلية مطلقا، وإنما أنكر بعض العقلاء وأهل البصيرة على أمثاله من المتكلمين جعل العقائد والصفات الإلهية وأخبار عالم الغيب محلا لنظريات فلسفية، وموقوفا إثباتها على اصطلاحات جدلية ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يستفد أصحابها منها غير تفريق الدين، واختلاف المسلمين، والبعد عن حق اليقين، ويرى هؤلاء أن كون القرآن عند الله تعالى قد ثبت ثبوتا عقليا من وجوه كثيرة، فوجب اتباعه بتلقي العقائد والأحكام منه مع اجتناب التأويل للصفات الإلهية والأمور الغيبية بالنظريات الكلامية كما كان عليه السلف الصالح، وقد بينا هذا في مواضع أخرى.