خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ
٥٥
ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ
٥٦
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
٥٧
وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَائِنِينَ
٥٨
وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوۤاْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ
٥٩
-الأنفال

تفسير المنار

الآيات الثلاث الأولى بيان لحال فريق معين من الكفار، الذين عادوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقاتلوه بعد بيان حال مشركي قومه في قتالهم له في بدر، والمراد بهذا الفريق: اليهود الذين كانوا في بلاد العرب كلها أو الحجاز منها، وهو الراجح عندي. قال سعيد بن جبير: نزلت في ستة رهط من اليهود منهم ابن تابوت اهـ. أو يهود المدينة أو بنو قريظه منهم، وهو قول مجاهد، وكان زعيمهم الطاغوت كعب بن الأشرف كأبي جهل في مشركي مكة - والآية الرابعة في حكم أمثال هؤلاء الخونة، والخامسة في تهديدهم، وتأمين الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من عاقبة كيدهم. قال تعالى:
{إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون} أي: إن شر ما يدب على وجه الأرض عند الله أي في حكمه العدل على الخلق، هم الكفار الذين جمعوا مع أصل الكفر الإصرار عليه والرسوخ فيه بحيث لا يرجى إيمانهم جملتهم أو إيمان جمهورهم؛ لأنهم بين رؤساء حاسدين للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ معاندين له جاحدين بآيات الله المؤيدة لرسالته على علم، على التقليد لا ينظرون في الدلائل والآيات، ولا يبحثون في الحجج والبينات، حتى حملهم ذلك على نقض العهود، ونكث الأيمان بحيث لا حيلة في الحياة معهم أو في جوارهم حياة سلم وأمان كما ثبت بالتجربة.
عبر عنهم بالدواب وهو اللفظ الذي غلب استعماله في البهائم ذوات الأربع أو فيما يركب منها لإفادة أنهم ليسوا من شرار البشر فقط، بل هم أضل من عجماوات الدواب؛ لأن فيها منافع للناس، وهؤلاء لا خير فيهم، ولا نفع لغيرهم منهم، فإنهم لشدة تعصبهم لجنسهم قد صاروا أعداء لسائر البشر. كما قال في وصف أمثالهم: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} [الفرقان: 44] وكما قال في الآية 22 من هذه السورة: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} [الأنفال: 22].
وقد اقتبس أستاذنا الإمام هذا الاستعمال فقال في مقالة من مقالات العروة الوثقى: وكثير ممن على شكل الإنسان يحيا حياته هذه بروح حيوان آخر، وهو يعاني تحصيل شهواتها أو قال كلمة أخرى قريبة منها أكثر مما يعانيه الإنسان في إبراز مزايا الإنسان.
وقال: {الذين كفروا} فعبر عنهم بفعل الكفر دون الوصف {الكافرون} للإشارة إلى أنهم كانوا مؤمنين فعرض لهم الكفر، وهذا ظاهر في جملة اليهود الذين كفروا بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما كفروا بمن قبله، وهم في عرف القرآن متكافلون متشابهون، آخرهم في ذلك كأولهم، وهم أظهر في يهود المدينة الذين كانوا في عصر الرسالة المحمدية فإنهم كانوا يعلمون أن الله سيبعث النبي الكامل الذي بشر به موسى في التوراة كما تقدم مفصلا في تفسير سورة الأعراف، ومجملا في سورة البقرة وغيرها. وكانوا يعلمون أنه يبعث من العرب؛ لأن من نصوص التوراة الموجودة إلى الآن أنه تعالى يبعث لهم نبيا مثل موسى بين بني إخوتهم أي بني إسماعيل، وكانوا يطمعون في أن يكون هذا النبي منهم، ويرون أنه يكفي في صحة خبر التوراة ظهوره بين العرب، وإن لم يكن منهم؛ لأن النبوة بزعمهم محتكرة محتجنة لبني إسرائيل، على ما اعتادوا من التحريف والتأويل.
وقال: {فهم لا يؤمنون} لأن كلمة " كفروا " لا تقتضي الثبات على الكفر دائما، فعطف عليها الإخبار بأن كفرهم دائم لا يرجعون عنه في جملتهم، حتى ييئس الرسول والمؤمنون مما كانوا يرجعون من إيمانهم، وهذا لا ينافي وقوع الإيمان من بعضهم وقد وقع، وهذا الخبر من أنباء الغيب، ثم أيأسهم من ثباتهم على السلم الواجب عليهم بمقتضى العهد بعد إيئاسهم من اهتدائهم إلى الإسلام فقال:
{الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون} فـ " الذين " هذه بدل من الأولى أو عطف بيان لها، وقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عقد مع يهود المدينة عقب هجرته إليها عهدا أقرهم فيه على دينهم، وأمنهم على أنفسهم وأموالهم، فنقض كل منهم عهده، فقوله تعالى: منهم قيل: معناه أخذت العهد منهم وقيل: " من " صلة والمراد عاهدتهم، والمتبادر أنها للتبعيض أي عاهدت بعضهم، والمراد بهم طوائف يهود المدينة، ولا يظهر التبعيض فيه إلا إذا كانت الآيات في يهود بلاد العرب كلهم.
وقيل: قريظة، بناء على أن أصل الكلام في يهود المدينة وهم منهم، وقيل: زعماؤهم الذين تولوا عقد العهد معه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بناء على أن أصل الكلام في بني قريظة، وإنما قال: (ينقضون) بفعل الاستقبال مع أنهم كانوا قد نقضوه قبل نزول الآية، لإفادة استمرارهم على ذلك، وأنه لم يكن هفوة رجعوا عنها، وندموا عليها كما سيأتي عن بعضهم، بل أنهم ينقضونه في كل مرة وإن تكرر، وهو يصدق على عهود طوائف اليهود الذين كانوا حول المدينة في جملتهم، وهم ثلاث طوائف كما سيأتي، ويصدق على بني قريظة وحدهم وكانوا أشدهم كفرا، فقد روي أنه تكرر عهده ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهم.
قال بعض المفسرين، وعزى إلى ابن عباس: هم بنو قريظة، نقضوا عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأعانوا عليه بالسلاح في يوم بدر ثم قالوا نسينا وأخطأنا، فعاهدهم الثانية فنقضوا العهد، ومالئوا الكفار على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم الخندق، وركب زعيمهم كعب بن الأشرف إلى مكة فحالفهم على محاربة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ {وهم لا يتقون} الله في نقض العهد، ولا يتقون ما قد يترتب عليه من قتالهم والظفر بهم. وسيأتي بعض التفصيل لمعاملة نبي الرحمة ورسول السلام ـ صلى الله عليه وسلم ـ لليهود بعد تفسير هذه الآيات.
ثم بين تعالى حكمهم بقوله لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {فإما تثقفنهم في الحرب} قال الراغب: الثقف الحذق في إدراك الشيء وفعله، ومنه استعير المثاقفة ورمح مثقف وما يثقف به الثقاف... (قال): ثم يتجوز به فيستعمل في الإدراك، وإن لم تكن معه ثقافة، واستشهد بهذه الآية وغيرها، وقال غيره: هو يدل على إدراكهم مع التمكن منهم، والظهور عليهم. وفيه إيذان بأنهم سيحاربونه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأن نقض العهد يكون بالحرب، أو بما يقتضيها ويستلزمها، وذلك من أنباء الغيب، إذ كان قبل وقوعه عقب غزوة بدر والمعنى: فإن تدرك هؤلاء الناقضين لعهدهم، وتصادفهم في الحرب ظاهرا عليهم.
{فشرد بهم من خلفهم} أي فنكل بهم تنكيلا يكونون به سببا لشرود من وراءهم من الأعداء وتفرقهم كالإبل الشاردة النادة اعتبارا بحالهم. والمراد بمن خلف يهود المدينة: كفار مكة وأعوانهم من مشركي القبائل الموالية لهم، فإنهم هم الذين تواطئوا مع اليهود الناكثين لعهده ـ صلى الله عليه وسلم ـ على قتاله، وإنما أمر الله تعالى رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالإثخان في هؤلاء الأعداء الذين تكررت مسالمته لهم، وتجديده لعهدهم بعد نقضه، لئلا ينخدع مرة أخرى بكذبهم لما جبل عليه من الرحمة وحب السلم، وعدة الحرب ضرورة اجتماعية تترك إذا زالت الضرورة الدافعة إليها على القاعدة العامة التي ستأتي في آية:
{ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } [الأنفال: 61] وهؤلاء اليهود أوهموه المرة بعد المرة أنهم يرغبون في السلم معتذرين عن نقضهم للعهد، وكانوا في ذلك مخادعين. والدليل على أن هذا الأمر بالغلظة عليهم، والإثخان فيهم لتربيتهم، واعتبار أمثالهم بحالهم دون حب الحرب أو الطمع في غنائمها.
قوله عز وجل: {لعلهم يذكرون} أي لعل من خلفهم من الأعداء يتعظون ويعتبرون، فلا يقدمون على القتال، ولا يعود المعاهد منهم لنقض العهد ونكث الأيمان. وقد روى البخاري ومسلم أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ خطب الناس في بعض أيامه التي لقي فيها العدو فقال: يا أيها الناس لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ثم قال: اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم " وهذا يؤيد ما دلت عليه الآية من أن الحرب ليست محبوبة عند الله، ولا عند رسوله لذاتها، ولا لما فيها من مجد الدنيا، وإنما هي ضرورة اجتماعية يقصد بها منع البغي والعدوان، وإعلاء كلمة الحق والإيمان، ودحض الباطل، واكتفاء شر عمله، بناء على سنة
{ فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض } [الرعد: 17] وتسمى في عرف عصرنا سنة الانتخاب الطبيعي.
وهذا الإرشاد الحربي في استعمال القسوة مع البادئين بالحرب، والناقضين فيها لعهود السلم، والتنكيل بالبادئين بالشر، لتشريد من وراءهم، متفق عليه بين قواد الحرب في هذا العصر، ولكنهم يقصدون مع ذلك الانتقام، وشفاء ما في الصدور من الأحقاد، والسعي لإذلال العباد، والتمتع بالغنائم من مال وعقار، دون الموعظة والتربية بالاعتبار.
ثم بين تعالى حكم من لا ثقة بعهودهم من الكفار الذين يخشى منهم نقضها عندما تسنح لهم غرة فقال: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} أي: وإن تتوقع من قوم خيانة بنقض عهدك معهم بأن يظهر لك من الدلائل والقرائن ما ينذر به، فاقطع عليهم طريق الخيانة لك قبل وقوعه، بأن تنبذ إليهم عهدهم، أي تعلمهم بفسخه، وعدم تقيدك به، ولا اهتمامك بأمرهم فيه - شبه ما لا ثقة بوفائهم به من عهودهم بالشيء الذي يلقى باحتقار، ويرمى كالنوى التي يلفظها الآكل، ويرميها تحت قدميه - انبذه إليهم على سواء، أي على طريق سوي واضح لا خداع فيه، ولا استخفاء ولا خيانة، ولا ظلم.
وقال البغوي: يقول أعلمهم قبل حربك إياهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم، حتى تكون أنت وهم في العلم بنقض العهد سواء، فلا يتوهموا أنك نقضت العهد بنصب الحرب معهم. اهـ. وأما الذين ينقضون العهد بالفعل فلا حاجة إلى نبذ المسلمين عهدهم إليهم، بل يناجزون الحرب عند الإمكان كما فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين نقضت قريش عهد الحديبية بينه وبينهم بمظاهرة بكر على خزاعة الذين كانوا في ذمته ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
والحكمة في هذا النبذ لعهد من ذكر، بل العلة له أن الإسلام لا يبيح لأهله الخيانة مطلقا، فكيف تقع من أكمل البشر الذي كان يلقبه أهل وطنه منذ تمييزه بالأمين، ثم بعثه الله ليتمم مكارم الأخلاق ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذلك قوله تعالى: {إن الله لا يحب الخائنين} بنقض عهودهم مع الناس، ولا يغير ذلك، فالخيانة مبغوضة عند الله بجميع صورها ومظاهرها، فلا وسيلة إذا لاتقاء ضرر خيانة المعاهدين من الكفار إذا ظهرت أماراتها منهم مع عدم إباحة معاملتهم بمثلها مع بقاء العهد من جهتنا، وعدم جواز حسبانه كما يقول الأقوياء من ملوك أوربة: " قصاصة ورق " - إلا نبذ عهدهم جهرا، وقد تكون هذه الوسيلة مانعة من خيانة العقلاء منهم، الذين يتقون عاقبة نقض العهد إذا كانوا ضعفاء لا يتجرءون على الخيانة إلا إذا كانوا آمنين من معاملة الرسول والمؤمنين لهم معاملة الأعداء المحاربين ومناجزتهم إياهم القتال، كما دل عليه قوله تعالى: {وهم لا يتقون}.
روى البيهقي في شعب الإيمان عن ميمون بن مهران قال: ثلاثة المسلم والكافر فيهن سواء - من عاهدته فوف بعهده مسلما كان أو كافرا، فإنما العهد لله، ومن كانت بينك وبينه رحم فصلها مسلما كان أو كافرا، ومن ائتمنك على أمانة فأدها إليه مسلما كان أو كافرا. وروي فيها عن سليم بن عامر قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير حتى يكون قريبا من أرضهم، فإذا انقضت المدة أغار عليهم، فجاءه عمرو بن عنبسة ـ رضي الله عنه ـ فقال: وفاء لا غدر، سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقده ولا يحلها حتى ينقضي أمرها وينبذ إليهم على سواء قال: فرجع معاوية بالجيوش. فهذا صحابي وعظ قائدا صحابيا من الاستعداد للحرب في وقت عهد السلم فاتعظ ورجع.
وفي هذه الآية والآثار الواردة في معناها من مراعاة الحق والعدل في الحرب ما انفرد به الإسلام دون الشرائع السابقة، وقوانين المدنية اللاحقة. ومع هذه الفضائل والمزايا كلها يطعن دعاة النصرانية وغيرهم من مكابري الحق في هذا الدين، وفي أخلاق من أنزل الله تعالى عليه هذه الأحكام الشريفة وقال له:
{ وإنك لعلى خلق عظيم } [القلم: 4].
ثم أنذر الله تعالى أولئك الخائنين بالفعل ما سيحل بهم فقال:
{ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا} قرأ ابن عامر وحمزة وحفص {يحسبن} بالمثناة التحتية والباقون بالفوقية، وهذه القراءة أظهر، ومعناها: ولا تحسبن أيها الرسول أن هؤلاء الذين كفروا قد سبقوا بخيانتهم لك، ونقضهم لعهدك بالسر مرة بعد مرة بأن أفلتوا من عقابنا متحصنين بعهدهم الذي يمنعك من قتالهم ومثله قوله تعالى:
{ أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون } [العنكبوت: 4] - وأما القراءة الأولى فمعناها: ولا يحسبن حاسب أو أحد أن الذين كفروا قد سبقوا بما ذكر من نقضهم للعهد، ومظاهرتهم لأهل الشرك في الحرب - أو لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقونا، ونجوا من عاقبة خيانتهم وشرهم، وقد علل هذا النهي بقوله عز وعلا:
{إنهم لا يعجزون} قرأه الجمهور بكسر " إن " على الاستئناف وابن عامر بفتحها بتقدير " لأنهم " وحذف لام التعليل مطرد في مثل هذا. والمعنى: أنهم لا يعجزون الله تعالى بمكرهم وخيانتهم لرسوله بمساعدة المشركين عليه، بل هو سيجزيهم ويسلط رسوله والمؤمنين عليهم، فيذيقونهم عاقبة كيدهم. وهذا كما قال في نبذ عهود المشركين في أول سورة براءة
{ واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين } [التوبة: 2] فهو قد أعلم رسوله بخيانتهم، وأذن لهم بنبذ عهدهم، ليحل له مناجزتهم القتال جزاء على مساعدتهم لأعدائه عليه وإغرائهم بقتاله.
وفي هذه الآية دليل على أن ما أوجبه الإسلام من المحافظة على العهود مع المحالفين من أعدائه المخالفين له في الدين: وما حرمه من الخيانة لهم فيها، وما شرعه من العدل والصراحة في معاملتهم - ليس عن ضعف ولا عن عجز، بل عن قوة وتأييد إلهي، وقد نصر الله تعالى المسلمين على اليهود الخائنين الناقضين لعهودهم، وثبت بهذا أن قتال المسلمين لهم وإجلاءهم لبقية السيف منهم من جوار عاصمة الإسلام ثم من مهده ومعقله (الحجاز) كان عدلا وحقا.
فصول في المعاملة بين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويهود المدينة في السلم والحرب
نختم تفسير هذه الآيات بما شرحه المحقق ابن القيم لهذه المسألة في كتاب الهدي النبوي إتماما لما فسرنا به الآيات، وإثباتا له بالوقائع والبينات، قالرحمه الله تعالى:
فصل: ولما قدم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة صار الكفار معه ثلاثة أقسام:
قسم صالحهم ووادعهم على ألا يحاربوه، ولا يظاهروا عليه، ولا يوالوا عليه عدوه، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم، وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة.
وقسم تاركوه فلم يصالحوه، ولم يحاربوه بل انتظروا ما يئول إليه أمره وأمر أعدائه، ثم من هؤلاء من كان يحب ظهوره، وانتصاره في الباطن، ومنهم من كان يحب ظهور عدوه عليه وانتصارهم، ومنهم من دخل معه في الظاهر وهو مع عدوه في الباطن، ليأمن الفريقين، وهؤلاء المنافقون: فعامل كل طائفة من هذه الطوائف بما أمره به ربه تبارك وتعالى.
فصالح يهود المدينة، وكتب بينهم وبينه كتاب أمن، وكانوا ثلاث طوائف حول المدينة: بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، فحاربته بنو قينقاع بعد ذلك بعد بدر، وشرقوا بوقعة بدر وأظهروا البغي والحسد، فسارت إليهم جنود الله يقدمهم عبد الله ورسوله يوم السبت للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من مهاجره، وكانوا حلفاء عبد الله بن أبي ابن سلول رئيس المنافقين، وكانوا أشجع يهود المدينة، وحامل لواء المسلمين يومئذ حمزة بن عبد المطلب، واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر، وحاصرهم خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة، وهم أول من حارب من اليهود، وتحصنوا في حصونهم، فحاصرهم أشد الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب الذي إذا أراد خذلان قوم وهزيمتهم أنزله عليهم، وقذفه في قلوبهم، فنزلوا على حكم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رقابهم وأموالهم ونسائهم وذريتهم فأمر بهم فكتفوا، وكلم عبد الله بن أبي فيهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وألح عليه فوهبهم له، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة، ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى أذرعات الشام فقل أن لبثوا فيها حتى هلك أكثرهم، وكانوا صاغة وتجارا، وكانوا نحو الستمائة مقاتل، وكانت دارهم في طرف المدينة، وقبض منهم أموالهم فأخذ منها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثلاث قسي ودرعين وثلاثة أسياف وثلاثة رماح وخمس غنائمهم، وكان الذي تولى جمع الغنائم محمد بن مسلمة.
فصل: ثم نقض العهد بنو النضير. قال البخاري: وكان ذلك بعد بدر بستة أشهر قاله عروة. وسبب ذلك أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ خرج إليهم في نفر من أصحابه، وكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين الذين قتلهم عمرو بن أمية الضمري، فقالوا: نفعل يا أبا القاسم. اجلس هاهنا حتى نقضي حاجتك، وخلا بعضهم ببعض، وسول لهم الشيطان الشقاء الذي كتب عليهم فتآمروا بقتله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقالوا: أيكم يأخذ هذه الرحى ويصعد فيلقيها على رأسه يشدخه بها؟ فقال أشقاهم عمرو بن جحاش: أنا، فقال لهم سلام بن مشكم: لا تفعلوا، فوالله ليخبرن بما هممتم به، وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه.
وجاء الوحي على الفور إليه من ربه تبارك وتعالى بما هموا به فنهض مسرعا، وتوجه إلى المدينة، ولحقه أصحابه، فقالوا نهضت ولم نشعر بك، فأخبرهم بما همت يهود به، وبعث إليهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن اخرجوا من المدينة، ولا تساكنوني بها، وقد أجلتكم عشرا، فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقه، فأقاموا أياما يتجهزون، وأرسل إليهم المنافق عبد الله بن أبي ألا تخرجوا من دياركم فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم فيموتون دونكم، وتنصركم قريظة وحلفاؤكم من غطفان، وطمع رئيسهم حيي بن أخطب فيما قاله له، وبعث إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: إنا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك.
فكبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه ونهضوا إليه، وعلي بن أبي طالب يحمل اللواء. فلما انتهى إليهم أقاموا على حصونهم يرمون بالنبل والحجارة واعتزلتهم قريظة، وخانهم ابن أبي وحلفاؤهم من غطفان، ولهذا شبه سبحانه وتعالى قصتهم، وجعل مثلهم
{ كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك } [الحشر: 16] فإن سورة الحشر هي سورة بني النضير، وفيها مبدأ قصتهم ونهايتها، فحاصرهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقطع نخلهم وحرق، فأرسلوا إليه: نحن نخرج عن المدينة، فأنزلهم على أن يخرجوا عنها بنفوسهم وذراريهم، وأن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح، وقبض النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأموال والحلقة وهي السلاح، وكانت بنو النضير خالصة لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لنوائبه ومصالح المسلمين، ولم يخمسها؛ لأن الله أفاءها عليه، ولم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب، وخمس قريظة.
قال مالك ـ رضي الله عنه ـ: خمس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قريظة ولم يخمس بني النضير؛ لأن المسلمين لم يوجفوا بخيلهم ولا ركابهم على بني النضير كما أوجفوا على قريظة، وأجلاهم إلى خيبر وفيهم حيي بن أخطب كبيرهم، وقبض السلاح واستولى على أرضهم وديارهم وأموالهم، فوجد من السلاح خمسين درعا وخمسين بيضة، وثلاثمائة وأربعين سيفا، وقال: هؤلاء في قومهم بمنزلة بني المغيرة في قريش، وكانت قصتهم في ربيع أول سنة أربع من الهجرة.
فصل: وأما قريظة فكانت أشد اليهود عداوة لرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأغلظهم كفرا، ولذلك جرى عليهم ما لم يجر على إخوانهم، وكان سبب غزوهم أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما خرج إلى غزوة الخندق والقوم معه صلح جاء حيي بن أخطب إلى بني قريظة في ديارهم، فقال: قد جئتكم بعز الدهر، جئتكم بقريش على ساداتها وغطفان على قاداتها وأنتم أهل الشوكة والسلاح، فهلم حتى نناجز محمدا ونفرغ منه فقال له رئيسهم: بل جئتني والله بذل الدهر، جئتني بسحاب قد أراق ماءه فهو يرعد ويبرق.
فلم يزل يخادعه ويعده ويمنيه، حتى أجابه بشرط أن يدخل معه في حصنه يصيبه ما أصابهم، ففعل ونقضوا عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأظهروا سبه، فبلغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الخبر، فأرسل يستعلم الأمر فوجدهم قد نقضوا العهد فكبر وقال:
"أبشروا يا معشر المسلمين" فلما انصرف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة فلم يكن إلا أن وضع سلاحه فجاءه جبريل فقال: وضعت السلاح، فإن الملائكة لم تضع أسلحتها، فانهض بمن معك إلى بني قريظة، فإني سائر أمامك أزلزل بهم حصونهم، وأقذف في قلوبهم الرعب. فسار جبرائيل في موكبه من الملائكة ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أثره في موكبه من المهاجرين والأنصار.
فصل: وأعطى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الراية علي بن أبي طالب، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، ونازل حصون بني قريظة، وحصرهم خمسا وعشرين ليلة، ولما اشتد عليهم الحصار عرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد ثلاث خصال: إما أن يسلموا، ويدخلوا مع محمد في دينه، وإما أن يقتلوا ذراريهم، ويخرجوا إليه بالسيوف مصلتين يناجزونه حتى يظفروا به أو يقتلوا عن آخرهم، وإما أن يهجموا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه ويكبسوهم يوم السبت؛ لأنهم قد أمنوا أن يقاتلوهم فيه، فأبوا عليه أن يجيبوه إلى واحدة منهن.
فبعثوا إليه أن أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر نستشيره، فلما رأوه قاموا في وجهه يبكون، وقالوا: يا أبا لبابة: كيف ترى لنا أن ننزل على حكم محمد؟ فقال: نعم. وأشار بيده إلى حلقه يقول: إنه الذبح، ثم علم من فوره أنه قد خان الله ورسوله، فمضى على وجهه، ولم يرجع إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى أتى المسجد، مسجد المدينة فربط نفسه بسارية المسجد، وحلف ألا يحله إلا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيده وأنه لا يدخل أرض بني قريظة أبدا فلما بلغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك قال: " دعوه حتى يتوب الله عليه " ثم تاب الله عليه وحله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيده.
ثم إنهم نزلوا على حكم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقامت إليه الأوس، فقالوا: يا رسول الله قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت وهم حلفاء إخواننا الخزرج، وهؤلاء موالينا فأحسن فيهم. فقال: " ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟ " قالوا: بلى. قال: " فذاك إلى سعد بن معاذ " قالوا: قد رضينا.
فأرسل إلى سعد بن معاذ وكان في المدينة لم يخرج معهم لجرح كان به، فركب حمارا وجاء إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فجعلوا يقولون له وهم كنفيه: يا سعد أجمل إلى مواليك، فأحسن فيهم فإن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد حكمك فيهم لتحسن فيهم، وهو ساكت لا يرجع إليهم شيئا، فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم.
فلما سمعوا ذلك منه رجع بعضهم إلى المدينة فنعى إليهم القوم، فلما انتهى إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال للصحابة: " قوموا إلى سيدكم " فلما أنزلوه. قالوا: يا سعد، هؤلاء القوم نزلوا على حكمك. قال: وحكمي نافذ عليهم؟ قالوا: نعم. قال: وعلى المسلمين؟ قالوا: نعم. قال: وعلى من هاهنا؟ وأعرض بوجهه وأشار إلى ناحية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إجلالا له وتعظيما، قال: " نعم وعلي " قال: فإني أحكم فيهم أن يقتل الرجال وتسبى الذرية وتقسم الأموال. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات " وأسلم منهم تلك الليلة نفر قبل النزول. وهرب عمرو بن سعد فانطلق فلم يعلم أين ذهب، وكان قد أبى الدخول معهم في نقض العهد.
فلما حكم فيهم بذلك أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقتل كل من جرت عليه الموسى منهم، ومن لم ينبت ألحق بالذرية، فحفر لهم خنادق في سوق المدينة وضرب أعناقهم، وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة، ولم يقتل من النساء أحدا سوى امرأة واحدة كانت طرحت على رأس سويد بن الصامت رحى فقتلته " انتهى المراد من فصول الهدي بحروفه مع حذف بعض المسائل كصلاة العصر في قريظة.
وروى مسلم من حديث عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنه ـ أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأجلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بني النضير، وأقر قريظة ومن عليهم حتى حاربت قريظة بعد ذلك فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين. إلا أن بعضهم لحقوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فآمنهم وأسلموا. وأجلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يهود المدينة كلهم بني قينقاع (وهم قوم عبد الله بن سلام) ويهود بني حارثة، وكل يهودي كان في المدينة اهـ
{ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب } [الحشر: 3 و4].
ثم إن كل هذا لم يعظ يهود خيبر، ولم يزجرهم عن عداوة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والكيد له، بل كان من أمرهم السعي لتأليف الأحزاب من جميع القبائل لقتاله من قبل من لجأ إليهم من بني النضير كما تقدم، فكانوا سبب غزوة الخندق التي زلزل المؤمنون فيها زلزالا شديدا كما وصفه الله تعالى في سورة الأحزاب، وسنحت للمؤمنين فرصة الاستراحة من شرهم بعد صلح المشركين في الحديبية في ذي القعدة سنة ست، فغزاهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأظفره الله بهم بعد حصار شديد لحصونهم، وكان ذلك في المحرم سنة سبع. وبذلك زالت قوة اليهود من بلاد الحجاز كلها.
هذا وإنه لما كان ما كان من أمر اليهود مما تقدم شرحه، أمر الله عز وجل رسوله بإجلاء من بقي في ذمته منهم وإن كانوا راضين بحكم الإسلام، وقد كان من عدله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورحمته بهم بعد غزوة خيبر أن نصح للباقين منهم قبل إجلائهم ببيع أموالهم وإحراز أثمانها، فقد روى الشيخان وغيرهما - واللفظ للبخاري - من حديث أبي هريرة قال:
"بينما نحن في المسجد إذ خرج علينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: انطلقوا بنا إلى اليهود فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدراس، فقام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فناداهم: يا معشر يهود أسلموا تسلموا فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم. فقال: ذلك أريد ثم قالها الثانية، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، ثم قال في الثالثة: اعلموا أن الأرض لله ورسوله وإني أريد أن أجليكم، فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله " .
قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " ذلك أريد " معناه أريد اعترافكم بأنني بلغت دعوة ربي لا أن أكرهكم على الإسلام، وإن إيذائي إياكم بالجلاء لا بد أن يكون بعد قيام الحجة عليكم ببلوغ الدعوة وعدم إجابتها، وقوله: " إن الأرض لله ورسوله " معناه أنها لله ملكا وحكما ولرسوله تنفيذا للحكم وتصرفا في الأرض بأمره.
وبعد هذه العبر أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وبألا يبقى فيها دينان، بل لهذا سر ظهر للعيان في هذه الأزمان، وهو ما أشار إليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مثل قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها رواه الشيخان من حديث أبي هريرة، وقوله وهو أوضح: إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها رواه مسلم من حديث ابن عمر، والترمذي من حديث عمرو بن عوف المزني بلفظ " إن الدين ليأرز إلى الحجاز كما تأرز الحية إلى جحرها وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل " إلخ.
وروى أحمد والشيخان من حديث ابن عباس أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصى عند موته بثلاث (أولها):
" أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " وروى أحمد ومسلم والترمذي عن عمر أنه سمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: " لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما " وروى أحمد من حديث عائشة قالت: آخر ما عهد به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن قال: " لا يبرك بجزيرة العرب دينان " وروي عن أبي عبيدة عامر بن الجراح قال : آخر ما تكلم به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب " قال الشافعي : جزيرة العرب التي أخرج عمر منها اليهود والنصارى مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها ، فأما اليمن فليس من جزيرة العرب اهـ .
أي ليس من الجزيرة المرادة بالحديث ؛ لأن عمر المنفذ للوصية النبوية لم يخرج اليهود منه ، فبهذا خصوا لفظ الجزيرة بالحجاز ، ومنه أرض خيبر فإن عمر أجلاهم منها . ويقول بعض العلماء بعموم الأحاديث وليس هذا المحل محل تحقيقه .