خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٦٣
وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٦٤
وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
٦٥
وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ
٦٦
وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
٦٧
-النحل

بحر العلوم

ثم قال: {تَٱللَّهِ} يقول: والله {لَقَدْ أَرْسَلْنَآ} أي: بعثنا {إِلَىٰ أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ} أي: بعثنا إلى أمم من قبلك الرسل كما أرسلناك إلى قومك {فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـِّانُ أَعْمَالَهُمْ} أي: ضلالهم حتى أطاعوا الشيطان وكذبوا الرسل {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ} أي: قرينهم في النار {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فهذا تهديد لكفار مكة أنه يصيبهم مثل ما أصابهم، وتعزية للنبي - صلى الله عليه وسلم - ليصبر على أذاهم. ثم قال تعالى: {وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ} أي: القرآن {إِلاَّ لِتُبَيّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} من الدين لأنهم كانوا في طرق مختلفة اليهودية والنصرانية والمجوسية وغيرهم. فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يبين لهم طريق الهدى. ثم قال: {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} أي: أنزلنا القرآن بياناً من الضلالة ونعمة من العذاب لمن آمن به {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} بالقرآن. قوله: {وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَاء مَآءً} أي: المطر {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي: بعد يبسها {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً} أي: في إحيائها لعلامة لوحدانيته، إذ علموا أن معبودهم لا يستطيع شيئاً. {لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} أي: يطيعون ويصدقون ويعتبرون ويبصرون. قوله: {وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِى بُطُونِهِ}. قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر "نَسْقِيكُمْ" بنصب النون وقرأ الباقون بضم النون ومعناهما قريب، يقال: سقيته وأسقيته بمعنى واحد. {مّمَّا فِى بُطُونِهِ}: ولم يقل مما في بطونها، والأنعام جماعة مؤنثة وفي هذا قولان: إن شئت رددت إلى واحد من الأنعام وواحدها نعم والنعم تذكر وتؤنث كقوله: { وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَـٰرُ } [البقرة: 74] أي: من الحجر. وإن شئت قلت على تأويل آخر نسقيكم وهو مما في بطونه أي: بطون ما ذكرنا. وهذا مثل قوله: { جَنَّـٰتٍ مَّعْرُوشَـٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَـٰتٍ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ } [الأنعام: 141] وقال { إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ } [المائدة: 90] ولم يقل فاجتنبوها أي فاجتنبوا ما ذكرنا. ثم قال تعالى: {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ} يعني: يخرج اللبن من بين الفرث والدم. قال ابن عباس في رواية أبي صالح إن الدابة تأكل العلف فإذا استقر في كرشها طحنته الكبد فكان أسفله فرث وأوسطه لبن وأعلاه دم الكبد مسلط على هذه الأصناف الثلاثة فيقسم الدم فيجري في العروق، ويجري اللبن في الضرع ويبقى الفرث كما هو في الكرش. وقال بعضهم: إذا استقر العلف في الكرش صار دماً بحرارة الكبد ثم ينصرف الدم في العروق. فمقدار ما ينتهي إلى الضرع صار لبناً لبرودة الضرع بدليل أنَّ الضرع إذا كانت فيه آفة يخرج منه الدم مكان اللبن. ثم قال: {لَّبَنًا خَالِصًا}. صار اللبن نصباً على معنى التفسير {سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ} أي: سهلاً في الشرب لا يغص به شاربه، ويقال: يشتهي شاربه (إليه) ثم قال تعالى: {وَمِن ثَمَرٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ} أي: من التمر، ويقال: "منه" كناية عن الأول وهو قوله {وَمِن ثَمَرٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ} من ذلك {سَكَرًا} والسكر هو نقيع التمر إذا غلى واشتد قبل أن يطبخ، ويقال: سكراً أي: خمراً قال ابن عباس: نزلت هذه الآية وهي يومئذ كانت لهم حلال وهكذا قال الحسن والقتبي: إن هذه الآية نزلت في الخمر {وَرِزْقًا حَسَنًا} يعني: الخل والزبيب والرُّبُّ. وروي عن ابن عباس أنه قال: تتخذون منه سكراً يعني: ما حرم منه. ورزقاً حسناً ما أحل منه. وقال الشعبي: السكر النبيذ والخل، والرزق الحسن التمر والزبيب. وقال الضحاك: السكر الحرام والرزق الحسن الحلال وهؤلاء كلهم قالوا قبل تحريم الخمر. وقال الأَخفش: سكراً طعاماً. يقال هذا سكر لك أي طعام لك. وقال القتبي: لست أدري هذا. ثم قال: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً} أي: لعبرة {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} توحيد الله تعالى.