خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً
٢٠
ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً
٢١
لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً
٢٢
وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً
٢٣
-الإسراء

بحر العلوم

قوله: {كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء} يعني: كلا الفريقين من المؤمنين والكافرين نعطي هؤلاء من أهل المعصية {وَهَـؤُلاءِ} من أهل الطاعة {مِنْ عَطَاء رَبّكَ} أي: من رزق ربك. وقال الحسن: كلاًّ نمد. نعطي من الدنيا البر والفاجر {وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبّكَ مَحْظُورًا} يعني: محبوساً عن البر والفاجر في الدنيا. {ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} في الدنيا بالمال {وَلَلاْخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـٰتٍ} يقول: ولفضائل الآخرة أرفع درجات مما فضلوا في الدنيا {وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} أي: وأرفع في الثواب. وقال الضحاك: "وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ" في الجنة، الأعلى يرى فضله على من هو أسفل منه والأسفل لا يرى أَن فوقه أحداً. وقال مقاتل: فضل المؤمنين في الآخرة على الكفار أكبر من فضل الكفار على المؤمنين في المال في الدنيا، وقال بعض الحكماء: إذا أردت هذه الدرجات وهذا التفضيل فاستعمل هذه الخصال التي ذَكَرَ في هذه الآيات إلى قوله {عِنْدَ رَبّكَ مَكْرُوهًا}. وروي عن ابن عباس أنه قال: هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى عليه السلام حيث كتب الله له فيها، أنزلها الله تعالى على نبيه محمد عليه السلام وهي كلها في التوحيد وهي في الكتب كلها موجودة لم تنسخ قط وهو قوله تعالى {لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا} يعني: تبقى شقياً مذموماً يذمك الله ويذمك الناس بفعلك {مَّخْذُولاً} يعني: يخذلك الذي تعبده. ويقال: فتبقى في النار يذمك الله ويذمك الناس وتذم نفسك مخذولاً أي: يخذلك معبودك ولا ينصرك. قوله: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ} يعني: أمر {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} أي أمر ربك لا تطيعوا أحداً إلا إياه، يعني: إلا الله تعالى يعني: لا تطيعوا أحداً في المعصية وتطيعوا الله في الطاعة، ويقال لا توحدوا إلا الله. وفي قراءة ابن مسعود وَوَصَّى رَبُّكَ ألا تطيعوا إلاَّ إيَّاهُ {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً} أي: أمر بالإِحسان إلى الوالدين بِراً بهما وعطفاً عليهما {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ} قرأ حمزة والكسائي "إمَّا يَبْلَغَانِ" بلفظ التثنية لأنه سبق ذكر الوالدين. وقرأ الباقون "يَبْلُغَنَّ" بلفظ الوحدان. لأنه انصرف إلى قوله: {أَحَدُهُمَا} يعني: إن بلغ الكبر أحدهما {أَوْ كِلاَهُمَا} يعني: إن بلغ أحد الأبوين عندك الهرم أو كلا الأبوين {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} أي: لا تقذرهما ولا تقل لهما قولاً رديئاً عند خروج الغائط منهما إذا احتاجا إلى معالجتهما عند ذلك. قال الفقيه: حدثنا أبو عبد الرحمن بن محمد قال: حدثنا فارس بن مردويه قال: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا أصرم عن عيسى بن عبد الله الأشعري عن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "لو علم الله شيئاً من العقوق أدنى من أفٍ لحرمه فليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة وليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار" ... وقال مجاهد: إذا كبرا فلا تأف لهما لأنهما قد رأيا منك مثل ذلك. وقال القتبي: أُفٍ بكسر وفتح وبضم وهو ما غلظ من الكلام يعني: لا تستثقل شيئاً من أمورهما ولا تغلظ لهما القول. قرأ ابن كثير وابن عامر بنصب الفاء، وقرأ نافع وعاصم في رواية حفص أُفٍّ بكسر الفاء مع التنوين وقرأ الباقون أفِّ بكسر الفاء بغير تنوين ومعنى ذلك كله واحد. ثم قال تعالى: {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} يعني: لا تغلظ عليهما بالقول {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} أي ليناً حسناً.