خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ
٨٠
وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ
٨١
وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ
٨٢
وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ
٨٣
-الأنبياء

بحر العلوم

قوله عز وجل: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ} يعني: دروع الحديد وذلك أن داود خرج يوماً متنكراً ليسأل عن سيرته في مملكته فقال جبريل: نعم الرجل هو لولا أن فيه خصلة واحدة قال: وما هي قال: بلغني أنه يأكل من بيت المال وليس شيء أفضل من أن يأكل الرجل من كد يده فرجع داود عليه السلام وسأله الله عز وجل أن يجعل رزقه من كدّ يديه فألان له الحديد وكان يتخذ منها الدروع ويبيعها ويأكل من ذلك فذلك قوله: (وعلمناه) يعني: ألهمناه ويقال علمناه بالوحي صنعة اللبوس لكم {لِتُحْصِنَكُمْ مّن بَأْسِكُمْ} يعني: يمنعكم قتال عدوكم قرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص بالتاء لتحصنكم وقرأ عاصم في رواية أبي بكر لنحصنكم بالنون بدليل قوله وعلمناه وقرأ الباقون بالياء للفظ التذكير يعني: ليحصنكم الله عز وجل ويقال: يعني اللبوس ومن قرأ بالتاء فهو كناية عن الصنعة واختار أبو عبيد بالتاء لتحصنكم لأن اللبوس أقرب إليه ثم قال: {فَهَلْ أَنتُمْ شَـٰكِرُونَ} اللفظ لفظ الاستفهام يعني اشكروا وارث هذه النعم ووحدوه قوله عز وجل: {وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرّيحَ} قرأ عبد الرحمن (الريحُ) بضم الحاء على معنى الابتداء وقراءة العامة (الريحَ) بالنصب ومعناه: وسخرنا لسليمان الريح {عَاصِفَةً} يعني: قاصفة شديدة وقال في موضع آخر: { تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَآءً } [ص: 36] يعني: لبنة فإنها كانت تشتد إذا أراد وتلين إذا أراد {تَجْرِى بِأَمْرِهِ} يعني: تسير بأمر الله عز وجل ويقال: بأمر سليمان {إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا} بالماء والشجر {وَكُنَّا بِكُلّ شَىْء عَـٰلِمِينَ} يعني: من أمر سليمان وغيره قوله عز وجل: {وَمِنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ} يعني: سخرنا لسليمان من الشياطين من يغوصون له في البحر {وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ} من البنيان وغيره {وَكُنَّا لَهُمْ حَـٰفِظِينَ} من أن يهيجوا أحداً في زمانه ويقال يحفظهم أن لا يفسدوا ما عملوا ويقال: وكنا لهم حافظين ليطيعوا سليمان ولا يعصوه قوله عز وجل: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ} يعني: أذكر أيوب عليه السلام روي في الخبر أن أيوب كان بمنزلة الملك وهو أيوب بن مرضي النبي عليه السلام - وكانت له أموال من صنوف مختلفة وكانت له ضياع كثيرة وكان له ثلثمائة زوج نيران وغلمان يعملون له في ضياعة وأموال السوائم من الغنم والإبل والبقر وكان متعبداً ناسكاً منفقاً متصدقاً فحسده إبليس عدو الله وقال: إن هذا يذهب بالدنيا والآخرة وأراد أن يفسد عليه إحدى الدارين أو كلتيهما فسأل الله تعالى وقال: إن عبدك أيوب يعبدك لأنك أعطيته السعة في الدنيا ولولا ذلك لم يعبدك قال الله تعالى إني أعلم منه أنه يعبدني ويشكرني وإن لم يكن له سعة في الدنيا فقال يا رب سلطني عليه فسلطه على كل شيء منه إلا على روحه وجاء إبليس إلى غنمه كهيئة النار وضرب عليها فأهلك جميع غنمه فجاءت رعاته فأخبروه بالقصة فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال هو الذي أعطى وهو الذي أخذ وهو أحق به ويقال إنه أحرق غنمه ورعاته فجاء إبليس على هيئة راع من رعاته فأخبره بذلك فقال له أيوب لو كان فيك خيراً لهلكت مع أصحابك ثم جاء إلى إبله وبقره ففعل مثل ذلك ثم جاء إلى زرعه كهيئة النار فأفسد جميع زرعه فأخبر بذلك فحمد الله عز وجل وأثنى عليه وقال هو الذي أعطى وهو الذي أخذ وهو أحق به وكان له سبعة بنين وثلاث بنات ويقال سبعة بنين وسبعة بنات في بيت فجاء إبليس عليه اللعنة فهدم البيت عليهم فماتوا كلهم فذكر ذلك لأيوب فحمد الله تعالى وأثنى عليه على ذلك ولم يجزع وقال هو الذي أعطى ثم أخذ. ثم جاء إلى أيوب وهو في الصلاة فلما سجد نفخ في أنفه وفمه نفخة فانتفخ أيوب عليه السلام وخرجت به قروح وجعل تسيل منها الصديد وتفرق عنه أقرباؤه وأصدقاؤه ولم يبق معه إلا امرأته وقال ابن عباس في رواية أبي صالح كان اسم امرأته ماحين بنت ميشا بن يوسف بن يعقوب ويقال كان اسمها رحمة فتأذى - به جيرانه وقالوا لامرأته احمليه من ها هنا فإنا نتأذى به فحملته حتى أخرجته إلى كناسة قوم ووضعته عليها وجعلت تدخل على الناس وتخدمهم وتأخذ شيئاً وتنفقه عليه فكان ذلك البلاء ما شاء الله فجاء إبليس في صورة طبيب وقال للمرأة إن أردت أن يبرأ من علته فمريه يشرب الخمر ويتكلم بكلمة الكفر فأخبرته المرأة بذلك فقال لها ذلك إبليس الذي أمرك بهذا فألحت عليه فغضب وقال والله لئن برئت لأضربنك مائة سوط فقالت متى تبرأ فقال عند ذلك: رب {أَنّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ} ويقال إنه اشتهى شيئاً يتخذ بالسمن فدخلت امرأته على امرأة غني من الأغنياء وسألتها ذلك فأبت عليها ثم نظرت إلى ذوائبها فرأت ذوائبها مثل الحبل فقالت لئن دفعت إليَّ ذوائبك دفعت إليك ما تطلبين مني فدفعت بالمقراض وقطعت ذوائبها ودفعتها إليها وأخذت منها ما سألت وجاءت به إلى أيوب فقال لها من أين لك هذا فأخبرته بالقصة فبكى أيوب عند ذلك وقال رب إني مسني الضر قال بعضهم: مكث أيوب في بلائه سبع سنين وقال بعضهم عشر سنين (وروى ابن عباس) عن أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال "إن أيوب نبي الله لبث في بلائه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يعودانه ويغدوان إليه ويروحان فقال احدهما لصاحبه والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين فقال له صاحبه وما ذلك قال له ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله تعالى فيكشف ما به ثم راحا إليه فلم يصبرا حتَّى ذكرا ذلك له فعند ذلك قال: رب مسني الضر" قال: فلما كان ذات يوم خرجت امرأته فأوحى الله تعالى إلى أيوب عليه السلام في مكانه: أن { ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } [ص: 42] فشرب واغتسل فأَذهب الله عز وجل ما به من البلاء فقال أيوب كان الركض برجلي أشد علي من البلاء الذي كنت فيه قال ابن عباس لما قال الله تعالى له: اركض برجلك ففعل فانفجرت اغتسل منها فصح جسده ثم قيل له اركض برجلك ففعل فخرجت عين فشرب منها فالتأم ما في جوفه فلما رجعت إليه المرأة لم تعرفه فقالت له بارك الله فيك هل رأيت نبي الله المبتلى فوالله ما رأيت أحداً أشبه به منك إذ كان صحيحاً قال فإني أيوب قال وكان له آنذاك أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله سحابتين إحداهما على أندر القمح فأفرغت الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض ذلك قوله تعالى: {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ} أصابني البلاء والشدة {وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرحِمِينَ} فعرض ولم يفصح بالدعاء.