خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ
٦
إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأَهْلِهِ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ
٧
فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٨
يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٩
وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ ٱلْمُرْسَلُونَ
١٠
إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوۤءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١١
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ
١٢
فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ
١٣
وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ
١٤
وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٥
-النمل

معالم التنزيل

{وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءَانَ}، أي تُؤتى القرآن وتلقن، {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ}، أي وحياً من عند الله الحكيم العليم.

قوله عزّ وجلّ: {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأَهْلِهِ}، أي واذكر يا محمد إذ قال موسى لأهله في مسيره من مدين إلى مصر: {إِنِّىۤ آنَسْتُ نَاراً}، أي أبصرت ناراً، {سَـئَاتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ}، أي: امكثوا مكانكم، سآتيكم بخبر عن الطريق، وكان قد ترك الطريق، {أَوْ ءَاتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ}، قرأ أهل الكوفة: "بشهاب" بالتنوين، جعلوا القبس نعتاً للشهاب، وقرأ الآخرون بلا تنوين على الإِضافة، وهو إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الشهاب والقبس متقاربان في المعنى، وهو العود الذي في أحد طرفيه فيه نار، وليس في الطرف الآخر نار. وقال بعضهم: الشهاب هو شيء ذو نور، مثل العمود، والعرب تسمي كل أبيضٍ ذي نور شهاباً، والقبس: القطعة من النار، {لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ}، تستدفئون من البرد وكان ذلك في شدة الشتاء.

{فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِىَ أَن بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا}، أي بورك على من في النار أو في مَنْ في النار، والعرب تقول: باركه الله وبارك فيه، وبارك عليه، بمعنى واحد.

وقال قوم: البركة راجعة إلى موسى والملائكة، معناه: بورك في من طلب النار، وهو موسى عليه السلام، {ومن حولها} وهم الملائكة الذين حول النار، ومعناه: بورك فيك يا موسى وفي الملائكة الذين حول النار، وهذا تحية من عند الله عزّ وجلّ لموسى بالبركة، كما حيا إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت.

ومذهب أكثر المفسرين أن المراد بالنار النور، وذكر بلفظ النار لأن موسى حسبه ناراً, "من في النار" هم الملائكة، وذلك أن النور الذي رآه موسى كان فيه ملائكة لهم زجل بالتقديس والتسبيح، و"من حولها" هو موسى لأنه كان بالقرب منها، ولم يكن فيها. وقيل: "مَنْ في النار ومَنْ حولها" جميعاً الملائكة. وقيل: "من في النار" موسى و"من حولها" الملائكة، وموسى وإن لم يكن في النار كان قريباً منها، كما يقال بلغ فلان المنزل، إذا قرب منه، وإن لم يبلغه بعد.

وذهب بعضهم إلى أن البركة راجعة إلى النار. وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: معناه بُوركتِ النار. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سمعت أُبيّاً يقرأ: أن بوركت النار ومن حولها، و"من" قد تأتي بمعنى ما، كقوله تعالى: { { فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ بَطْنِهِ } } [النور: 45]، و«ما» قد تكون صلة في الكلام، كقوله { { جُندٌ مَّا هُنَالِكَ } } [ص: 11]، ومعناه: بورك في النار وفيمن حولها، وهم الملائكة وموسى عليه السلام، وسمَّى النار مباركة كما سمي البقعة مباركة فقال: "في البقعة المباركة".

وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن في قوله: {بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ}، يعني قُدس من في النار، وهو الله، عنى به نفسه، على معنى أنه نادى موسى منها وأسمعه كلامه من جهتها. كما روي: أنه مكتوب في التوراة: "جاء الله من سيناء، وأشرف من ساعين، واستعلى من جبال فاران"، فمجيئه من سيناء: بعثة موسى منها، ومن ساعين بعثة المسيح منها، ومن جبال فاران بعثة المصطفى منها، وفاران مكة.

قيل: كان ذلك نوره عزّ وجلّ. قال سعيد بن جبير: كانت النار بعينها، والنار إحدى حجب الله تعالى، كما جاء في الحديث: "حجابه النار لو كشفها لأحرقت سُبحَاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" ، ثم نزّه الله نفسه وهو المنزه من كل سوء وعيب، فقال جلّ ذكره. {وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}، ثم تعرف إلى موسى بصفاته، فقال:

{يٰمُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}، والهاء في قوله {إِنَّهُ} عماد، وليس بكناية، وقيل: هي كناية عن الأمر والشأن، أي: الأمر والشأن أي: المعبود أنا، ثم أرى موسى آية على قدرته، فقال:

{وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ}، تتحرك، {كَأَنَّهَا جَآنٌّ}، وهي الحية الصغيرة التي يكثر اضطرابها، {وَلَّىٰ مُدْبِراً}، وهرب من الخوف، {وَلَمْ يُعَقِّبْ}، ولم يرجع، يقال: عقَّب فلان إذا رجع، وكل راجع معقَّب. وقال قتادة: ولم يلتفت، فقال الله عزّ وجلّ: {يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ إِنِّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ ٱلْمُرْسَلُونَ}، يريد إذا آمنتهم لا يخافون، أما الخوف الذي هو شرط الإِيمان فلا يفارقهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا أخشاكم لله" .

وقوله: {إَلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوۤءٍ فَإِنِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، واختُلف في هذا الاستثناء، قيل: هذا إشارة إلى أن موسى حين قتل القبطي خاف من ذلك، ثم تاب فقال: ربِّ إني ظلمتُ نفسي فاغفر لي، فغفر له. قال ابن جريج: قال الله تعالى لموسى: إنما أخفتُك لقتلِك النفس. وقال معنى الآية: لا يخيف الله الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه حتى يتوب، فعلى هذا التأويل يكون الاستثناء صحيحاً وتناهى الخبر عن الرسل عند قوله: {إَلاَّ مَن ظَلَمَ}، ثم ابتدأ الخبر عن حال من ظلم من الناس كافة. وفي الآية متروك استُغني عن ذكره بدلالة الكلام عليه، تقديره: فمن ظَلَمَ ثم بدّل حسناً بعد سوء فإني غفور رحيم.

وقال بعض العلماء: ليس هذا باستثناء من المرسلين لأنه لا يجوز عليهم الظلم، بل هو استثناء من المتروك في الكلام، معناه لا يخاف لديّ المرسلون، إنما الخوف على غيرهم من الظالمين، إلاّ من ظلم ثم تاب، وهذا من الاستثناء المنقطع، معناه. لكن من ظلم من سائر الناس فإنه يخاف، فإن تاب وبدّل حسناً بعد سوء فإن الله غفور رحيم، يعني يغفر الله له ويزيل الخوف عنه.

وقال بعض النحويين: "إلاّ" هاهنا بمعنى: "ولا"، يعني: لا يخاف لديّ المرسلون ولا من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء يقول: لا يخاف لديّ المرسلون ولا المذنبون التائبون كقوله تعالى: { { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } } [البقرة: 150] يعني ولا الذين ظلموا.

ثم أراه الله آية أخرى فقال:

{وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ}، والجيب حيث جيب من القميص، أي قطع، قال أهل التفسير: كانت عليه مدرعة من صوف لا كم لها ولا أزرار فأدخل يده في جيبه وأخرجها، فإذا هي تبرق مثل البرق، فذلك قوله: {تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ}، من غير بَرَصٍ، {فِى تِسْعِ ءَايَـٰتٍ}، يقول هذه آية مع تسع آيات أنت مرسل بهنّ، {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ}.

{فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ ءَايَـٰتُنَا مُبْصِرَةً}، بيّنة واضحة يبصر بها، {قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ}، ظاهر.

{وَجَحَدُواْ بِهَا}، أي: أنكروا الآيات ولم يقروا أنها من عند الله، {وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ}، أي: علموا أنها من عند الله، قوله: {ظُلْماً وَعُلُوّاً}، أي: شركاً وتكبراً عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى، {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ}.

قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ عِلْماً}، أي: علم القضاء ومنطق الطير والدواب وتسخير الشياطين وتسبيح الجبال، {وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى فَضَّلَنَا}، بالنبوة والكتاب وتسخير الشياطين والجن والإِنس {عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}.