خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ
٩٢
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ
٩٣
-الأنعام

معالم التنزيل

{وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}، أي: القرآن كتاب مبارك أنزلناه {مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ}، يا محمد، قرأ أبو بكر عن عاصم {ولينذر} بالياء، أي: ولينذر الكتاب، {أُمَّ ٱلْقُرَىٰ}، يعني: مكة سمّيت أم القرى لأنّ الأرض دحيت من تحتها، فهي أصل الأرض كلّها كالأم أصل النسل، وأراد أهلُ أم القرى {وَمَنْ حَوْلَهَا}، أي: أهل الأرض كلها شرقاً وغرباً، {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ}، بالكتاب، {وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ}، يعني: الصلوات الخمس، {يُحَافِظُونَ}، يداومون، يعني: المؤمنين.

قوله عزّ وجلّ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ}، أي: اختلق {عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً}، فزعم أن الله تعالى بعثه نبياً، {أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ}، قال قتادة: "نزلت في مسيلمة الكذاب الحنفي، فكان يسجع ويتكهن، فادّعى النبوّة وزعم أن الله أوحى إليه، وكان قد أرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهما: أتشهدان أن مسيلمة نبي؟ قالا: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لولا أنّ الرسلَ لا تقتلُ لضربتُ أعناقكما" .

أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر الزيادي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبدالرزاق أنا معمر عن همام بن منبه أنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينما أنا نائم إذ أُوتيت خزائن الأرض فوضع في يديَّ سواران من ذهب، فكَبُرا عليّ وأهَمَّاني فأُوحِي إليّ أن أنفخهما فنفخْتُهُما فذهبا، فَأَوَّلْتهما الكذابينْ اللّذَين أنا بينهما: صاحبَ صنعاءَ، وصاحبَ اليمامةِ" ، أراد بصاحب صنعاء الأسود العَنْسي وبصاحب اليمامة مسيلمة الكذاب.

قوله تعالى: {وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ}، قيل: نزلت في عبدالله بن سعد بن أبي سرح وكان قد أسلم وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا أملى عليه: سميعاً بصيراً، كتب عليماً حكيماً، وإذا قال: عليماً حكيماً، كتب غفوراً رحيماً، فلما نزلت: { { وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ } } [المؤمنون: 12]، أملاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان، فقال: تبارك الله أحسن الخالقين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اكتبها فهكذا نزلتْ،" فشكّ عبدالله، وقال: لئن كان محمد صادقاً فقد أوحي إليّ كما أوحي إليه، فارتدّ عن الإسلام ولحق بالمشركين، ثم رجع عبدالله إلى الإسلام قبل فتح مكة إذْ نزل النبي صلى الله عليه وسلم بمرّ الظهران.

وقال ابن عباس: قوله: {وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ}، يريد المستهزئين وهو جواب لقولهم: {لو نشاءُ لقُلْنَا مثلَ هذا}.
قوله عزّ وجلّ: {وَلَوْ تَرَىٰ}، يا محمد، {إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِى غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ}، سكراته وهي جمع غمرة، وغمرة كل شيء: معظمه، وأصلها: الشيء الذي [يعمّ] الأشياء فيغطيها، ثم وُضعت في موضع الشدائد والمكاره، {وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ}، بالعذاب والضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم، وقيل: بقبض الأرواح، {أَخْرِجُوۤاْ}، أي: يقولون أخرجوا، {أَنفُسَكُمُ}، أي: أرواحكم كرهاً لأن نفس المؤمن تنشط للقاء ربها، والجواب محذوف، يعني: لو تراهم في هذه الحال لرأيت عجباً، {ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ}، أي: الهوان، {بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَـٰتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ}، تتعظمون عن الإيمان بالقرآن ولا تصدقونه.