خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ
١١
هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ
١٢
وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ
١٣
-الرعد

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

اختلف المتأولون في غير عود الضمير من {له}: فقالت فرقة: هو عائد على اسم الله عز وجل المتقدم ذكره، و"المعقبات" - على هذا الملائكة الحفظة على العباد أعمالهم، والحفظة لهم أيضاً - قاله الحسن، وروى فيه عثمان بن عفان حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول مجاهد والنخعي - والضمير على هذا في قوله: {يديه} وما بعده من الضمائر عائد على العبد المذكور في قوله: { من هو مستخف } } [الرعد: 10] و{من أمر الله} يحتمل أن يكون صفة لـ {معقبات} ويحتمل أن يكون المعنى: يحفظونه من كل ما جرى القدر باندفاعه، فإذا جاء المقدور الواقع أسلم المرء إليه.
وقال ابن عباس أيضاً: الضمير في {له} عائد على المذكور في قوله
{ من هو مستخف بالليل } } [الرعد: 10] وكذلك باقي الضمائر التي في الآية، قالوا: و {معقبات} - على هذا - حرس الرجل وجلاوزته الذين يحفظونه، قالوا: والآية - على هذا - في الرؤساء الكافرين، واختار هذا القول الطبري، وهو قول عكرمة وجماعة، قال عكرمة: هي المواكب خلفه وأمامه.
قال القاضي أبو محمد: ويصح على التأويل الأول الذي قبل هذا أن يكون الضمير في {له} للعبد المؤمن على معنى جعل الله له.
قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل عندي أقوى، لأن غرض الآية إنما هو التنبيه على قدرة الله تعالى، فذكر استواء
{ من هو مستخف } [الرعد: 10] ومن هو { سارب } [الرعد: 10] وأن {له معقبات} من الله تحفظه في كل حال، ثم ذكر أن الله تعالى لا يغير هذه الحالة من الحفظ للعبد حتى يغير ما بنفسه.
قال القاضي أبو محمد: وعلى كلا التأويلين ليست الضمائر لمعين من البشر.
وقال عبد الرحمن بن زيد: الآية في النبي عليه السلام، ونزلت في حفظ الله له من أربد بن ربيعة وعامر بن الطفيل في القصة التي ستأتي بعد هذا في ذكر الصواعق.
قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية وإن كانت بألفاظها تنطبق على معنى القصة فيضعف القول: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتقدم له ذكر فيعود الضمير في {له} عليه.
و"المعقبات": الجماعات التي يعقب بعضها بعضاً، فعلى التأويل الأول هي الملائكة، وينظر هذا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم:
"يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة المغرب والصبح" ، وعلى التأويل الثاني: هي الحرس والوزعة الذين للملوك.
و {معقبات} جمع معقبة وهي الجماعة التي تأتي بعد الأخرى، والتعقيب - بالجملة - أن تكون حال تعقبها حال أخرى من نوعها، وقد تكون من غير النوع، ومنه معاقبة الركوب ومعاقبة الجاني ومعقب عقبة القدر والمعاقبة في الأزواج، ومنه قول سلامة بن جندل: [البسيط]

وكرّنا الخيل في آثارهم رجعاً كسر السنابك من بدء وتعقيب

وقرأ عبيد الله بن زياد على المنبر: "له معاقيب" قال أبو الفتح: هو تكسير معقب.
قال القاضي أبو محمد: بسكون العين وكسر القاف كمطعم ومطاعيم، ومقدم ومقاديم.
وهي قراءة أبي البرهسم - فكأن معقباً جمع على معاقبة ثم جعلت الياء في معاقيب عوضاً من الهاء المحذوفة في معاقبة، والمعقبة ليست جمع معقب - كما ذكر ذلك الطبري وشبه ذلك برجل ورجال ورجالات، وليس الأمر كما ذكر لأن تلك كجمل وجمال وجمالات، ومعقبة ومعقبات إنما هي كضاربة وضاربات.
وفي قراءة أبيّ بن كعب "من بين يديه ورقيب من خلفه"، وقرأ ابن عباس: "ورقباء من خلفه"، وذكر عنه أبو حاتم أنه قرأ: "معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله".
وقوله: {يحفظونه} يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون بمعنى يحرسونه، ويذبون عنه: فالضمير محمول ليحفظ.
والمعنى الثاني أن يكون بمعنى حفظ الأقوال وتحصيلها، ففي اللفظة حينئذ حذف مضاف تقديره: يحفظون أعماله، ويكون هذا حينئذ من باب
{ واسأل القرية } [يوسف: 82] وهذا قول ابن جريج.
وقوله: {من أمر الله} من جعل {يحفظونه} بمعنى يحرسونه كان معنى قوله: {من أمر الله} يراد به "المعقبات"، فيكون في الآية تقديم وتأخير، أي "له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه، ومن خلفه" قال أبو الفتح: فـ {من أمر الله} في موضع رفع لأنه صفة لمرفوع وهي "المعقبات".
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل هذا التأويل في قوله: {من أمر الله} مع التأويل الأول في {يحفظونه}.
ومن تأول الضمير في {له} عائد على العبد، وجعل "المعقبات" الحرس، وجعل الآية في رؤساء الكافرين - جعل قوله {من أمر الله} بمعنى يحفظونه بزعمه من قدر الله، ويدفعونه في ظنه، عنه، ذلك لجهالته بالله تعالى.
قال القاضي أبو محمد: وبهذا التأويل جعلها المتأول في الكافرين. قال أبو الفتح: فـ {من أمر الله} على هذا في موضع نصب، كقولك حفظت زيداً من الأسد، فمن الأسد معمول لحفظت وقال قتادة: معنى {من أمر الله}: بأمر الله، أي يحفظونه مما أمر الله، وهذا تحكم في التأويل، وقال قوم: المعنى الحفظ من أمر الله، وقد تقدم نحو هذا.
وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وعكرمة وجعفر بن محمد: "يحفظونه بأمر الله".
ثم أخبر تعالى أنه لا يغير ما بقوم - بأن يعذبهم ويمتحنهم معاقباً - حتى يقع منهم تكسب للمعاصي وتغيير ما أمروا به من طاعة.
وهذا موضع تأمل لأنه يداخل هذا الخبر ما قررت الشريعة من أخذ العامة بذنوب الخاصة، ومنه قوله تعالى:
{ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } [الأنفال: 25] ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم - وقد "قيل له: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ - قال: نعم إذا كثر الخبث" . إلى أشياء كثيرة من هذا.
فقوله تعالى في هذه الآية: {لا يغير ما بقوم حتى يغيروا} معناه حتى يقع تغيير إما منهم وإما من الناظر إليهم أو ممن هو منهم بسبب، كما غير الله تعالى بالمنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة ما بأنفسهم، إلى غير هذا من أمثلة الشريعة.
فليس معنى الآية أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدم منه ذنب بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير، وثم أيضاً مصائب يريد الله بها أجر المصائب فتلك ليست تغييراً.
ثم أخبر تعالى أنه {إذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له} ولا حفظ منه، وهذا جرى في طريقة التنبيه على قدرة الله تعالى وإحاطته، والسوء والخير بمنزلة واحدة في أنهما إذا أرادهما الله بعبد لم يردا، لكنه خص السوء بالذكر ليكون في الآية تخويف، واختلف القراء في - وال - فأماله بعضهم ولم يمله بعضهم، والوالي الذي يلي أمر الإنسان كالولي هما من الولاية كعليم وعالم من العلم.
وقوله تعالى: {هو الذي يريكم} الآية، هذه آية تنبيه على القدرة، و {البرق} روي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مخراق بيد ملك يزجر به السحاب، وهذا أصح ما روي فيه، وروي عن بعض العلماء أنه قال: البرق: اصطكاك الأجرام، وهذا عندي مردود، وقال أبو الجلد: البرق - في هذه الآية - الماء، وذكره مكي عن ابن عباس.
قال القاضي أبو محمد: ومعنى هذا القول: أنه لما كان داعية الماء، وكان خوف المسافرين من الماء وطمع المقيمين فيه عبر - في هذا القول - عنه بالماء.
وقوله: {خوفاً وطمعاً} - من رأى ذلك في الماء فهو على ما تقدم، والظاهر أن الخوف إنما هو من صواعق البرق - والطمع في المطر الذي يكون معه، وهو قول الحسن، و {السحاب} جمع سحابة، ولذلك جمع الصفة - و {الثقال} معناه: بحمل الماء، وبذلك فسر قتادة ومجاهد، والعرب تصفها بذلك، ومنه قول قيس بن الخطيم: [المتقارب].

فما روضة من رياض القطا كأن المصابيح حواذنُها
بأحسن منها ولا مزنـة دلوح تكشف أدجانُهـا

والدلوح: المثقلة. و {الرعد} ملك يزجر {السحاب} بصوته، وصوته - هذا المسموع - تسبيح - و {الرعد} اسم الملك: وقيل: "الرعد" اسم صوت الملك وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه كان إذا سمع الرعد قال: اللهم لا تهلكنا بغضبك ولا تقتلنا بعذابك وعافنا قبل ذلك" وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره: أنهم كانوا إذا سمعوا الرعد قالوا: سبحان من سبحت له وروي عن أبي هريرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع الرعد قال: سبحان من سبح الرعد بحمده" . وقال ابن أبي زكرياء: من قال - إذا سمع الرعد - سبحان الله وبحمده، لم تصبه صاعقة.
وقيل في الرعد أيضاً إنه ريح تختنق بين السحاب - روي ذلك عن ابن عباس في غير ما ديوان.
قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي فيه نظر، لأنها نزعات الطبيعيين وغيرهم.
وروي أيضاً عن ابن عباس: أن الملك إذا غضب وزجر السحاب اصطدمت من خوفه فيكون البرق، وتحتكّ فتكون الصواعق.
وقوله: {ويرسل الصواعق} الآية - قيل: إنه أدخلها في التنبيه على القدرة بغير سبب ساق ذلك. وقال ابن جريج: كان سبب نزولها
" قصة أربد أخي لبيد بن ربيعة لأمِّه وعامر بن الطفيل، وكان من أمرهما - فيما روي - أنهما قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاه إلى أن يجعل الأمر بعده إلى عامر ابن الطفيل ويدخلا في دينه - فأبى، فقال عامر: فتكون أنت على أهل الوبر، وأنا على أهل المدر - فأبى، فقال له عامر: فماذا تعطيني؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أعطيك أعنة الخيل، فإنك رجل فارس؛ فقال له عامر: والله لأملأنها عليك خيلاً ورجالاً حتى آخذك؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأبى الله ذلك وابنا قيلة" ؛ فخرجا من عنده، فقال أحدهما لصاحبه: لو قتلناه ما انتطح فيه عنزان، فتآمر في الرجوع لذلك، فقال عامر لأربد: أنا أشغله لك بالحديث واضربه أنت بالسيف؛ فجعل عامر يحدثه وأربد لا يصنع شيئاً؛ فلما انصرفا قال له عامر: والله يا أربد لا خفتك أبداً ولقد كنت أخافك قبل هذا، فقال له أربد: والله لقد أردت إخراج السيف فما قدرت على ذلك، ولقد كنت أراك بيني وبينه أفأضربك؟ فمضيا للحشد على النبي صلى الله عليه وسلم فأصابت أربد صاعقة فقتلته، ففي ذلك يقول لبيد بن ربيعة أخوه:

أخشى على أربد الحتوف ولا أرهب نوء السماك والأسد
فجعني الرعد والصواعـق بالفارس يوم الكريهة النجد

فنزلت الآية في ذلك.
وروي عن عبد الرحمن بن صحار العبدي أنه بلغه أن جباراً من جبابرة العرب بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم ليسلم فقال: أخبروني عن إله محمد أمن لؤلؤ هو أو من ذهب؟ فنزلت عليه صاعقة ونزلت الآية فيه.
وقال مجاهد: إن بعض اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم يناظره، فبينما هو كذلك إذ نزلت صاعقة فأخذت قحف رأسه فنزلت الآية فيه.
وقوله: {وهم يجادلون في الله} يجوز أن تكون إشارة إلى جدال اليهودي المذكور، وتكون الواو واو حال؛ أو إلى جدال الجبار المذكور. ويجوز - إن كانت الآية على غير سبب - أن يكون قوله: {وهم يجادلون في الله} إشارة إلى جميع الكفرة من العرب وغيرهم، الذين جلبت لهم هذه التنبيهات.
و {المحال} : القوة والإهلاك، ومنه قول الأعشى: [الخفيف]

فرع نبع يهتز في غصن المجد عظيم الندى شديد المحال

ومنه قول عبد المطلب:

لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدواً محالك

وقرأ الأعرج والضحاك "المَحال" بفتح الميم بمعنى المحالة، وهي الحيلة، ومنه قول العرب في مثل: المرء يعجز لا المحالة، وهذا كالاستدراج والمكر ونحوه وهذه استعارات في ذكر الله تعالى، والميم إذا كسرت أصلية، وإذا فتحت زائدة، ويقال: محل الرجل بالرجل إذا مكر به وأخذه بسعاية شديدة.