خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ
٨٧
لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
٨٨
وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ
٨٩
كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ
٩٠
ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ
٩١
فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
٩٢
عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٩٣
-الحجر

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

قال ابن عمر وابن مسعود وابن عباس ومجاهد وابن جبير: "السبع" هنا هي السبع الطوال البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والمص والأنفال مع براءة، وقال ابن جبير: بل السابعة يونس وليست الأنفال وبراءة منها، و {المثاني} على قول هؤلاء: القرآن كما قال تعالى: { كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم } [الزمر: 23]، وسمي بذلك لأن القصص والأخبار تثنى فيه وتردد، وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس أيضاً وابن مسعود والحسن وابن أبي مليكة وعبيد بن عمير وجماعة: "السبع" هنا هي آيات الحمد، قال ابن عباس: هي سبع: ببسم الله الرحمن الرحيم، وقال غيره هي سبع دون البسملة، وروي في هذا حديث أبي بن كعب ونصه: قال أبيّ: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أعلمك يا أبيّ سورة لم تنزل في التوراة والإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها" ، قلت: بلى، قال: "إني لأرجو أن لا تخرج من ذلك الباب حتى تعلمها" ، فقام رسول الله وقمت معه ويدي في يده وجعلت أبطىء في المشي مخافة أن أخرج، فلما دنوت من باب المسجد، قلت: يا رسول الله، السورة التي وعدتنيها؟ فقال: "كيف تقرأ إذا قمت في الصلاة" ؟ قال: فقرأت { الحمد لله رب العالمين } } [الفاتحة: 1] حتى كملت فاتحة الكتاب، فقال: "هي هي، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت" ، كذا أو نحوه ذكره مالك في الموطأ، وهو مروي في البخاري ومسلم عن أبي سعيد بن المعلى أيضاً، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "إنها السبع المثاني، وأم القرآن، وفاتحة الكتاب" وفي كتاب الزهراوي: وليس فيها بسملة، و {المثاني} على قول هؤلاء يحتمل أن يكون القرآن، فـ {من} للتبعيض، وقالت فرقة: بل أراد الحمد نفسها كما قال { الرجس من الأوثان } [الحج: 30] فـ {من} لبيان الجنس، وسميت بذلك لأنها تثنى في كل ركعة، وقيل سميت بذلك لأنها يثنى بها على الله تعالى، جوزه الزجاج.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا القول من جهة التصريف نظر، وقال ابن عباس: سميت بذلك لأن الله تعالى استثناها لهذه الأمة ولم يعطها لغيرها، وقال نحوه ابن أبي مليكة، وقرأت فرقة "والقرآن" بالخفض عطفاً على {المثاني} وقرأت فرقة "والقرآنَ" بالنصب عطفاً على قوله {سبعاً}، وقال زياد بن أبي مريم: المراد بقوله {ولقد آتيناك سبعاً} أي سبع معان من القرآن خولناك فيها شرف المنزلة في الدنيا والآخرة وهي: مُرْ، وانْهَ، وبشر، وأنذِر، واضرب الأمثال، واعدد النعم، واقصص الغيوب، وقال أبو العالية "السبع المثاني" هي آية فاتحة الكتاب، ولقد نزلت هذه السورة وما نزل من السبع الطوال شيء، وقوله {لا تمدن عينيك} الآية، حكى الطبري، عن سفيان بن عيينة أنه قال هذه الآية أمر بالاستغناء بكتاب الله عن جميع زينة الدنيا، وهي ناظرة إلى قوله عليه السلام:
"ليس منا من لم يتغن بالقرآن" أي يستغني به.
قال القاضي أبو محمد: فكأنه قال: ولقد آتيناك عظيماً خطيراً فلا تنظر إلى غير ذلك من أمور الدنيا وزينتها التي متعنا بها أنواعاً من هؤلاء الكفرة، ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم:
"من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أعطي أفضل مما أعطي فقد عظم صغيراً، وصغر عظيماً" وكأن "مد العين" يقترن به تمنَّ، ولذلك عبر عن الميل إلى زينة الدنيا بـ "مد العين" و"الأزواج" هنا الأنواع والأشباه، وقوله {ولا تحزن عليهم} أي لا تتأسف لكفرهم وهلاكهم، واصرف وجه تحفيك إلى من آمن بك {واخفض} لهم {جناحك} وهذه استعارة بمعنى لين جناحك ووطىء أكنافك. "والجناح" الجانب والجنب، ومنه { { واضمم يدك إلى جناحك } [طه: 22] فهو أمر بالميل إليهم، والجنوح الميل، {وقل إني أنا النذير المبين}، أي تمسك بهذا القدر العظيم الذي وهبناك، والكاف من قوله {كما} متعلقة بفعل محذوف تقديره، وقل إني أنا النذير المبين عذاباً كالذي أنزلنا على المقتسمين، فالكاف اسم في موضع نصب.
قال القاضي أبو محمد: هذا قول المفسرين، وهو عندي صحيح لأن {كما} ليس مما يقوله محمد عليه السلام بل هو من قول الله تعالى له فينفصل الكلام، وإنما يترتب هذا القول بأن نقدر أن الله تعالى قال له تنذر عذاباً كما، والذي أقول في هذا المعنى: وقل أنا النذير كما قال قبلك رسلنا وأنزلنا عليهم كما أنزلنا عليك، ويحتمل أن يكون المعنى وقل أنا النذير كما قد أنزلنا قبل في الكتب أنك ستأتي نذيراً، وهذا على أن {المقتسمين} أهل الكتاب، واختلف الناس في {المقتسمين} من هم؟ فقال ابن زيد: هم قوم صالح الذين اقتسموا السيئات فالمقتسمون على هذا من القسم.
قال القاضي أبو محمد: ويقلق هذا التأويل مع قوله {الذين جعلوا القرآن عضين}، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: "المقتسمون" هم أهل الكتاب الذين فرقوا دينهم، وجعلوا كتاب الله أعضاء آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وقال نحوه مجاهد، وقالت فرقة: "المقتسمون" هم من كفار قريش الذين اقتسموا الطرق وقت الموسم ليعرفوا الناس بحال محمد عليه السلام، وجعلوا القرآن سحراً وشعراً وكهانة فعضهوه بهذا وعضوه أعضاء بهذا التقسيم، وقال عكرمة: "المقتسمون" هم قوم كانوا يستهزئون بسور القرآن فيقول الرجل منهم هذه السورة لي، ويقول الآخر وهذه لي، وقوله {عضين} مفعول ثان وجعل بمعنى صير، أي بألسنتهم ودعواهم، وأظهر ما فيه أنه جمع عضة، وهي الفرقة من الشيء والجماعة من الناس كثبة وثبين وعزة وعزين، وأصلها عضهة وثبوة فالياء والنون عوض من المحذوف، كما قالوا سنة وسنون، إذ أصلها سنهة، وقال ابن عباس وغيره: {عضين} مأخوذ من الأعضاء أي عضوة فجعلوه أعضاء مقسماً، ومن ذلك قول الراجز:

وليس دين الله بالمعضى

وهذا هو اختيار أبي عبيدة، وقال قتادة {عضين} مأخوذ من العضة وهو السب المفحش، فقريش عضهوا كتاب الله بقولهم: هو شعر، هو سحر، هو كهانة، وهذا هو اختيار الكسائي، وقالت فرقة: {عضين} جمع عضة وهي اسم للسحر خاصة بلغة قريش، ومنه قول الراجز:

للماء من عضتهن زمزمة.

وقال هذا قول عكرمة مولى ابن عباس، وقال العضة السحر، وهم يقولون للساحرة العاضهة، وفي الحديث "لعن الله العاضهة والمستعضهة" ، وهذا هو اختيار الفراء.
قال القاضي أبو محمد: ومن قال جعلوه أعضاء فإنما أراد قسموه كما تقسم الجزور أعضاء، وقوله {فوربك لنسألنهم} إلى آخر الآية، ضمير عام ووعيد محض يأخذ كل أحد منه بحسب جرمه وعصيانه، فالكافر يسأل عن لا إله إلا الله وعن الرسل وعن كفره وقصده به، والمؤمن العاصي يسأل عن تضييعه، والإمام عن رعيته، وكل مكلف عما كلف القيام به، وفي هذا المعنى أحاديث، وقال أبو العالية في تفسير هذه الآية: يسأل العباد كلهم عن خلتين يوم القيامة عما كانوا يعبدون وماذا أجابوا المرسلين، وقال في تفسيرها أنس بن مالك وابن عمر ومجاهد: إن السؤال عن لا إله إلا الله، وذكره الزهراوي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس في قوله {فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون}، قال يقال لهم: لم عملتم كذا وكذا؟ قال وقوله تعالى:
{ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان } [الرحمن: 39] معناه يقال له ما أذنبت لأن الله تعالى أعلم بذنبه منه.