خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
١٦
أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ
١٧
وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٨
وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ
١٩
وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ
٢٠
أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
٢١
-النحل

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

{عَلامات} نصب على المصدر، أي فعل هذه الأشياء لعلكم تعتبرون بها {وعلامات} أي عبرة وإعلاماً في كل سلوك، فقد يهتدي بالجبال والأنهار والسبل، واختلف الناس في معنى قوله {وعلامات} على أن الأظهر عندي ما ذكرت، فقال ابن الكلبي "العلامات" الجبال، وقال إبراهيم النخعي ومجاهد: "العلامات" النجوم، ومنها ما سمي علامات ومنها ما يهتدي به، وقال ابن عباس: "العلامات" معالم الطرق بالنهار، والنجوم هداية الليل.
قال القاضي أبو محمد: والصواب إذا قدرنا الكلام غير معلق بما قبله أن اللفظة تعم هذا وغيره، وذلك أن كل ما دل على شيء وأعلم به فهو علامة، وأحسن الأقوال المذكورة، قول ابن عباس رضي الله عنه: لأنه عموم في المعنى فتأمله، وحدثني أبي رضي الله عنه أنه سمع بعض أهل العلم بالمشرق يقول: إن في بحر الهند الذي يجري فيه من اليمن إلى الهند حيتاناً طوالاً رقاقاً كالحيات في التوائها وحركاتها وألوانها، وإنها تسمى علامات، وذلك أنها علامة الوصول إلى بلد الهند، وأمارة إلى النجاة والانتهاء إلى الهند لطول ذلك البحر وصعوبته، وإن بعض الناس قال: إنها التي أراد الله تعالى في هذه الآية.
قال القاضي أبو محمد: قال أبي رضي الله عنه: وأما من شاهد تلك العلامات في البحر المذكور وعاينها فحدثني منهم عدد كثير، وقرأ الجمهور "وبالنجم" على أنه اسم الجنس، وقرأ يحيى بن وثاب "وبالنُّجْم" بضم النون والجيم ساكنة على التخفيف من ضمها، وقرأ الحسن "وبالنُّجم" بضم النون وذلك جمع، كسقف وسقف، ورهن ورهن، ويحتمل أن يراد وبالنجوم، فحذفت الواو.
قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي توجيه ضعيف، وقال الفراء: المراد الجدي والفرقدان. وقال غيره: المراد القطب الذي لا يجري وقال قوم: غير هذا، وقال قوم: هو اسم الجنس وهذا هو الصواب، ثم قررهم على التفرقة بين من يخلق الأشياء ويخترعها وبين من لا يقدر على شيء من ذلك، وعبر عن الأصنام بـ "من" لوجهين، أحدهما أن الآية تضمنت الرد على جميع من عبد غير الله، وقد عبرت طوائف من تقع عليه العبارة بـ "من"، والآخر أن العبارة جرت في الأصنام بحسب اعتقاد الكفرة فيها في أن لها تأثيراً وأفعالاً، ثم وبخهم بقوله {أفلا تذكرون} ، وقوله {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} أي إن حاولتم إحصاءها وحصرها عدداً حتى لا يشذ شيء منها لم تقدروا على ذلك، ولا اتفق لكم إحصاؤها إذ هي في كل دقيقة من أحوالكم،. و"النعمة" هنا مفردة يراد بها الجمع، وبحسب العجز عن عد نعم الله يلزم أن يكون الشاكر لها مقصراً عن بعضها، فلذلك قال عز وجل {إن الله لغفور رحيم} أي تقصيركم في الشكر عن جميعها، نحا هذا المنحى الطبري، ويرد عليه أن نعمة الله تعالى في قول العبد: الحمد لله رب العالمين مع شروطها من النية والطاعة يوازي جميع النعم، ولكن أين قولها بشروطها؟ والمخاطبة بقوله {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} عامة لجميع الناس، وقوله {والله يعلم ما تسرون وما تعلنون} الآية متصلة بمعنى ما قبله، أي أن الله لغفور في تقصيركم عن شكر ما لا تحصونه من نعم الله، وأن الله تعالى يعلم سركم وعلنكم، فيغني ذلك عن إلزامكم شكر كل نعمة، هذا على قراءة من قرأ "تسرون" بالتاء مخاطبة للمؤمنين، فإن جمهور القراء قرأ "تسرون" بالتاء من فوق "وتعلنون" و"تدعون" كذلك، وهي قراءة الأعرج وشيبة وأبي جعفر ومجاهد على معنى قل يا محمد للكفار، وقرأ عاصم "تسرون" و"تعلنون" بالتاء من فوق و"يدعون" بياء من تحت على غيبة الكفار، وهي قراءة الحسن بن أبي الحسن، وروى هبيرة عن حفص عن عاصم، كل ذلك بالياء على غيبة الكفار، وروى الكسائي عن أبي بكر عن عاصم كل ذلك بالتاء من فوق، وقرأ الأعمش وأصحاب عبد الله "يعلم الذي تبدون وما تكتمون وتدعون" بالتاء من فوق في الثلاثة، و" {تدعون} معناه تدعونه إلهاً، وعبر عن الأصنام بـ {الذين} على ما قدمنا من أن ذلك يعم الأصنام وما عبد من دون الله وغيرها، وقوله تعالى: {لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون} أجمعُ عبارة في نفي أحوال الربوبية عنهم، وقرأ محمد اليماني "والذين يُدعون" بضم الياء وفتح على ما لم يُسم. و {أموات} يراد به الذين يدعون من دون الله ورفع على خبر ابتداء مضمر تقديره هم أموات، ويجوز أن يكون خبراً لقوله {والذين} بعد خبر في قوله {لا يخلقون} ووصفهم بالموت مجازاً. وإنما المراد لا حياة لهم، فشبهوا بالموت، وقوله {غير أحياء} أي لم يقبلوا حياة قط، ولا اتصفوا بها.
قال القاضي أبو محمد: وعلى قراءة من قرأ "والذين يدعون" فالياء على غيبة الكفار، يجوز أن يراد بالأموات الكفار الذين ضميرهم في "يدعون"، شبههم بالأموات غير الأحياء من حيث هم ضلال غير مهتدين، ويستقيم على هذا فيهم قوله {وما يشعرون أيان يبعثون} و"البعث" هنا هو الحشر من القبور، و {أيان} ظرف زمان مبني، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي "إيان" بكسر الهمزة، والفتح فيها والكسر لغتان، وقالت فرقة: {وما يشعرون} أي الكفار {أيان يبعثون} الضميران لهم، وقالت فرقة: وما يشعر الأصنام أيان يبعث الكفار.
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون الضميران للأصنام، ويكون البعث الإثارة، كما تقول بعثت النائم من نومه إذا نبهته، وكما تقول بعث الرامي سهمه، فكأنه وصفهم بغاية الجمود أي وإن طلبت حركاتهم بالتحريك لم يشعروا لذلك.
قال القاضي أبو محمد: وعلى تأويل من يرى الضمير للكفار ينبغي أن يعتقد في الكلام الوعيد، وما يشعر الكفار متى يبعثون إلى التعذيب، ولو اختصر هذا المعنى لم يكن في وصفهم بأنهم "لا يشعرون وأيان يبعثون" طائل، لأن الملائكة والأنبياء والصالحين كذلك هم في الجهل بوقت البعث، وذكر بعض الناس أن قوله {أيان يبعثون} ظرف لقوله
{ إلهكم إله واحد } [النحل: 22] وأن الكلام تم في قوله {وما يشعرون}، ثم أخبر عن يوم القيامة أن الإله فيه واحد وهذا توعد.