خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
٢٨
فَٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ
٢٩
وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ
٣٠
-النحل

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

{الذين} نعت للكافرين في قول أكثر المتأولين، ويحتمل أن يكون {الذين} مرتفعاً بالابتداء منقطعاً مما قبله، وخبره في قوله {فألقوا السلم} فزيدت الفاء في الخبر، وقد يجيء مثل هذا، و {الملائكة} يريد القابضين لأرواحهم، وقوله {ظالمي أنفسهم} حال، و {السلم} هنا الاستسلام، أي رموا بأيديهم وقالوا {ما كنا نعمل من سوء} فحذف قالوا لدلالة الظاهر عليه، قال الحسن: هي مواطن بمرة يقرون على أنفسهم كما قال { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } [الأنعام: 13] ومرة يجحدون كهذه الآية، ويحتمل قولهم: {ما كنا نعمل من سوء} وجهين، أحدهما أنهم كذبوا وقصدوا الكذب اعتصاماً منهم به، على نحو قولهم { والله ربنا ما كنا مشركين } [الأنعام: 23]، والآخر أنهم أخبروا عن أنفسهم بذلك على ظنهم أنهم لم يكونوا يعملون سوءاً، فأخبروا عن ظنهم بأنفسهم، وهو كذب في نفسه. و {عليم بما كنتم تعملون} وعيد وتهديد، وظاهر الآية أنها عامة في جميع الكفار، وإلقاؤهم السلم ضد مشافهتهم قبل، وقال عكرمة: نزلت في قوم من أهل مكة آمنوا بقلوبهم ولم يهاجروا فأخرجهم كفار مكة مكرهين إلى بدر، فقتلوا هنالك فنزلت فيهم هذه الآية.
قال القاضي أبو محمد: وإنما اشتبهت عليه بالآية الأخرى التي نزلت في أولئك باتفاق من العلماء، وعلى هذا القول يحسن قطع {الذين} ورفعه بالابتداء فتأمله والقانون أن {بلى} تجيء بعد النفي ونعم تجيء بعد الإيجاب، وقد تجيء بعد التقرير، كقوله أليس كذا ونحوه، ولا تجيء بعد نفي سوى التقرير، وقرأ الجمهور "تتوفاهم" بالتاء فوق، وقرأ حمزة "يتوفاهم" بالياء وهي قراءة الأعمش، قال أبو زيد: أدغم أبو عمرو بن العلاء السلم "ما"، وقوله {فادخلوا} من كلام الذي يقول {بلى} ، و {أبواب جهنم} مفضية إلى طبقاتها التي هي بعض على بعض، و"الأبواب" كذلك باب على باب، و {خالدين} حال، واللام في قوله {فلبئس} لام التأكيد.
قال القاضي أبو محمد: وذكر سيبويه،رحمه الله ، وهو إجماع النحويين قال: ما علمت أن لام التأكيد لا تدخل على الفعل الماضي وإنما تدخل عليه لام القسم لكن دخلت على "بئس" لما لم تتصرف أشبهت الأسماء وبعدت عن حال الفعل من جهة أنها لا تدخل على زمان، و"المثوى" موضع الإقامة، ونعم وبئس إنما تدخلان على معرف بالألف واللام أو مضاف إلى معرف بذلك، والمذموم هنا محذوف، تقديره بئس المثوى {مثوى المتكبرين}، و"المتكبر" هنا هو الذي أفضى به كبره إلى الكفر، وقوله {وقيل للذين اتقوا} الآية، لما وصف تعالى مقالة الكفار الذين قالوا أساطير الأولين، عادل ذلك بذكر مقالة المؤمنين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأوجب لكل فريق ما يستحق لتتباين المنازل بين الكفر والإيمان، و {ماذا} تحتمل ما ذكر في التي قبلها، وقولهم {خيراً} جواب بحسب السؤال، واختلف المتأولون في قوله تعالى {للذين أحسنوا} إلى آخر الآية، فقالت فرقة: هو ابتداء كلام من الله مقطوع مما قبله، لكنه بالمعنى وعد متصل بذكر إحسان المتقين في مقالتهم، وقالت فرقة: هو من كلام الذين {قالوا خيراً} وهو تفسير للخير الذي أنزل الله في الوحي على نبينا خبراً أن من أحسن في الدنيا بطاعة فله حسنة في الدنيا ونعيم في الآخرة بدخول الجنة، وروى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة" . وقد تقدم القول في إضافة "الدار" إلى الآخرة وباقي الآية بين.