خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٦٣
وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٦٤
وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
٦٥
وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ
٦٦
-النحل

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

هذه آية ضرب مثلاً لهم بمن تقدم وفي ضمنها وعيد لهم وتأنيس للنبي صلى الله عليه ولم، وقوله {اليوم} يحتمل أن يريد يوم الإخبار بهذه الآية، وهو بعد موت أولئك الأمم المذكورة، أي لا ولي لهم منذ ماتوا واحتاجوا إلى الغوث إلا الشيطان، ويحتمل أن يريد يوم القيامة، والألف واللام فيه للعهد، أي "هو وليهم" في "اليوم" المشهور وهو وقت الحاجة والفصل، ويحتمل أن يريد {فهو وليهم} مدة حياتهم، ثم انقطعت ولايته بموتهم، وعبر عن ذلك بقوله {اليوم} تمثيلاً للمخاطبين بمدة حياتهم، كما تقول لرجل شاب تحضه على طلب العلم: يا فلان لا يدرس أحد من الناس إلا اليوم، تريد في مثل سنك هذه. فكأنه قال لهؤلاء: {فهو وليهم} في مثل حياتكم هذه، وهي التي كانت لهم، وسائر الآية وعيد، وقوله {وما أنزلنا عليك الكتاب} يريد القرآن، وقوله {لتبين} في موضع المفعول من أجله، وقوله {وهدى ورحمة} عطف عليه، كأنه قال إلا للبيان أي لأجل البيان لهم، وقوله {الذي اختلفوا فيه} لفظ عام لأنواع كفر الكفرة من الجحد بالله تعالى، أو بالقيامة، أو بالنبوءات، أو غير ذلك، ولكن الإشارة في هذه الآية إنما هي لجحدهم الربوبية وتشريكهم الأصنام في الألوهية، ويدل على ذلك أخذه بعد هذا في إثبات العبر الدالة على أن الأنعم وسائر الأفعال إنما هي من الله تعالى، لا من الأصنام. وقوله تعالى {والله أنزل من السماء ماء} الآية، لما أمره بتبيين ما اختلف فيه، نص العبر المؤدية إلى تبيين أمر الربوبية، فبدأ بنعمة المطر التي هي أبين العبر، وهي ملاك الحياة، وهي في غاية الظهور لا يخالف فيها عاقل، و"حياة الأرض وموتها" استعارة وتشبيه بالحيوان، فإذ هي هامدة غبراء غير منبتة فهي كالميت، وإذ هي منبتة مخضرة مهتزة رابية فهي كالحي، وقوله {يسمعون} يدل على ظهور هذا المعتبر فيه وبيانه، لأنه لا يحتاج إلى تفكر ولا نظر قلب، وإنما يحتاج المنبه إلى أن يسمع القول فقط، و {الأنعام} هي الأصناف الأربعة: الإبل والبقر والضأن والمعز، و {العبرة} الحال المعتبر فيها، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وابن مسعود بخلاف والحسن وأهل المدينة "نَسقيكم" بفتح النون من سقى يسقي، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم "نُسقيكم" بضم النون من أسقى يُسقي، وهي قراءة الكوفيين وأهل مكة، قال بعض أهل اللغة، هما لغتان بمعنى واحد، وقالت فرقة: تقول لمن تسقيه بالشفة أو في مرة واحدة سقيته وتقول لمن تُعِدُّ سقيه أو تمنحه شرباً أسقيته، وهذا قول من قرأ "نسقيكم"، لأن ألبان الأنعام من المستمر للبشر، وأنشد من قال إنهما لغتان بمعنى، قول لبيد: [الوافر]

سقى قومي بني بدر وأسقى نميراً والقبائل من هلال

وذلك لازم لأنه لا يدعو لقومه بالقليل، وقرأ أبو رجاء "يسقيكم" بالياء أي يسقيكم الله، وقرأت فرقة "تسقيكم" بالتاء وهي ضعيفة وكذلك اختلف القراء في سورة المؤمنين وقوله {مما في بطونه}، الضمير عائد على الجنس وعلى المذكور كما قال الشاعر: مثل الفراخ نتفت حواصله، وهذا كثير لقوله تعالى { إن هذه تذكرة } [الإنسان: 29] { فمن شاء ذكره } [المدثر: 55] وقيل: إنما قال: {مما في بطونه}، لأن الأنعام والنعم واحد فرد الضمير على معنى النعم وقالت فرقة: الضمير عائد على البعض، إذ الذكور لا ألبان لها، فكأن العبرة إنما هي في الأنعام، و"الفرث" ما ينزل إلى الأمعاء، و"السائغ" السهل في الشرب اللذيذ، وقرأت فرقة "سيّغاً" بشد الياء، وقرأ عيسى الثقفي "سيْغاً" بسكون الياء وهي تخفيف من سيغ كميت وهين، وليس وزنهما فعلاً، لأن اللفظة واوية، ففعل منها سوغ، وروي أن اللبن لم يشرق به أحد قط، وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.