خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً
٧٤
قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
٧٥
قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَٰحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً
٧٦
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً
٧٧
قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً
٧٨
-الكهف

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

{فانطلقا} في موضع نزولهما من السفينة، فمرا بغلمان يلعبون، فعمد الخضر إلى غلام حسن الهيئة وضيء، فاقتلع رأسه، ويقال رضه بحجر، ويقال ذبحه وقال بعض الناس كان الغلام لم يبلغ الحلم، ولذلك قال موسى {زكية} أي لم تذنب، وقالت فرقة بل كان بالغاً شاباً، والعرب تبقي على الشاب اسم الغلام، ومنه قول ليلى الأخيلية: [الطويل]

غلام إذا هز القناة سقاها

وهذا في صفة الحجاج، وفي الخبر أن هذا الغلام، كان يفسد في الأرض ويقسم لأبويه أنه ما فعل فيقسمان على قسمه، ويحميانه ممن يطلبه، وقرأ ابن عباس والأعرج وأبو جعفر ونافع والجمهور "زاكية"، وقرأ الحسن وعاصم والجحدري "زكية" والمعنى واحد، وقد ذهب القوم إلى الفرق وليس ببين، وقوله {بغير نفس} يقتضي أنه لو كان عن قتل نفس لم يكن به بأس، وهذا يدل على كبر الغلام وإلا فلو كان لم يحتلم لم يجب قتله بنفس، ولا بغير نفس وقرأ الجمهور "نكراً" وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر وشيبة "نكُراً" بضم الكاف واختلف عن نافع، ومعناه: شيئاً ينكر، واختلف الناس أيهما أبلغ قوله {إمراً} [الكهف: 71] أو قوله {نكراً} فقالت فرقة هذا قتل بين، وهناك مترقب فـ {نكراً} أبلغ وقالت فرقة هذا قتل واحد، وذلك قتل جماعة فـ {إمراً} [الكهف: 71] أبلغ وعندي أنهما المعنيين، قوله {إمراً} [الكهف: 71] أفظع وأهول من حيث هو متوقع عظيم، و {نكراً} أبين في الفساد لأن مكروهه قد وقع ونصف القرآن بعد الحروف انتهى إلى النون من قوله {نكراً} وقوله {ألم أقل لك} زجر وإغلاظ ليس في قوله أولاً {ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً} وقوله بعد هذا {يريد} بعدها القصة، فأعاد الضمير عليها وإن كانت لم يتقدم لها ذكر صريح، من حيث كانت في ضمن القول، وقرأ الجمهور "فلا تصاحبني" ورواها أبي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ عيسى ويعقوب "فلا تصحبني"، وقرأ عيسى أيضاً "فلا تُصحبني" بضم التاء وكسر الحاء ورواها سهل عن أبي عمرو، والمعنى فلا تصحبني علمك، وقرأ الأعرج "فلا تَصحبنّي": بفتح التاء والباء وشد النون، وقوله {قد بلغت من لدني عذراً} أي قد أعذرت إلي، وبلغت إلى العذر من قبلي، ويشبه أن تكون هذه القصة أيضا أصلاً للآجال في الأحكام التي هي ثلاثة، وأيام التلوم ثلاثة فتأمله، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم من "لَدُنّي" بفتح وضم الدال وشد النون. وهي "لدن" اتصلت بها نون الكناية التي في ضربني ونحوه، فوقع الإدغام، وهي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ نافع وعاصم "لَدُني" كالأولى إلا أن النون مخففة، فهي "لدن" اتصلت بها ياء المتكلم التي في غلامي وفرسي، وكسر ما قبل الياء كما كسر في هذه، وقرأ أبو بكر عن عاصم "لَدْني" بفتح اللام وسكون الدال وتخفيف النون وهي تخفيف "لدني" التي ذكرناها قبل هذه وروي عن عاصم "لُدْني" بضم اللام وسكون الدال قال ابن مجاهد وهي غلط قال أبو علي هذا التغليظ يشبه أن يكون من جهة الرواية فأما على قياس العربية فهي صحيحة، وقرأ الحسن "لَدْني" بفتح اللام وسكون الدال، وقرأ الجمهور "عذْراً" وقرأ أبو عمرو وعيسى "عذُراً" بضم الدال، وحكى الداني أن أبي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم "عذري" بكسر الراء وياء بعدها وأسند الطبري، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا لأحد بدأ بنفسه، فقال يوماً رحمة الله علينا، وعلى موسى، لو صبر على صاحبه لرأى العجب، ولكنه قال {فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً} وفي البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يرحم الله موسى لوددنا أنه صبر، حتى يقص علينا من أمرهما" ، وروي في تفسير هذه الآية أن الله جعل هذه الأمثلة التي وقعت لموسى مع الخضر، حجة على موسى وعجباً له، وذلك أنه لما أنكر أمر خرق السفينة، نودي يا موسى أين كان تدبيرك هذا وأنت في التابوت مطروحاً في اليم، فلما أنكر أمر الغلام، قيل له أين إنكارها هذا من وكرك للقبطي وقضائك عليه؟ فلما أنكر إقامة الجدار نودي أين هذا من رفعك حجر البير لبنات شعيب دون أجر؟ وقوله: {فانطلقا} يريد انطلق الخضر وموسى يمشيان لارتياد الخضر أمراً ينفذ فيه ما عنده من علم الله فمرا بقرية فطلبا من أهلها أن يطعموهما فأبوا، وفي حديث: أنهما كانا يمشيان على مجالس أولئك القوم يستطعمانهم، وهذه عبرة مصرحة بهوان الدنيا على الله، واختلف الناس في "القرية": فقال محمد بن سيرين هي الأبلة. وهي أبخل قرية وأبعدها من السماء، وقالت فرقة هي أنطاكية، وقالت فرقة هي برقة، وقالت فرقة هي بجزيرة الأندلس، روي ذلك عن أبي هريرة وغيره، ويذكر أنها الجزيرة الخضراء، وقالت فرقة هي أبو حوران، وهي بناحية أذربيجان.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله بحسب الخلاف في أي ناحية من الأرض كانت قصة موسى والله أعلم بحقيقة ذلك، وقرأ الجمهور "يضَيّفوهما" بفتح الضاد وشد الياء، وقرأ أبو رجاء "يضيفوهما"، بكسر الضاد وسكون الياء وهي قراءة ابن محيصن، وابن الزبير، والحسن وأبي رزين، والضيف مأخوذ من ضاف إلى المكان إذا مال إليه، ومنه الإضافة، وهي إمالة شيء إلى شيء، وقرأ الأعمش "فأبوا أن يطعموهما"، وقوله في الجدار {يريد} استعارة، وجميع الأفعال التي حقها أن تكون للحي الناطق متى أسندت إلى جماد أو بهيمة فإنما هي استعارة، أي لو كان مكان الجماد إنسان لكان ممتثلاً لذلك الفعل، فمن ذلك قول الأعشى: [البسيط]

أتنتهون ولا ينهى ذوي شطط كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل

فأسند النهي إلى الطعن. ومن ذلك قول الشاعر: [الوافر]

يريد الرمح صدر أبي براء ويرغب عن دماء بني عقيل

ومنه قول عنترة: [الكامل]

وشكا إلي بعبرة وتحمحم

وقد فسر هذا المعنى بقوله لو كان يدري ما المحاورة البيت، ومنه قول الناس: داري تنظر إلى دار فلان، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم، لا تتراءى نارهما، وهذا كثير جداً وقرأ الجمهور "ينقض" أي يسقط، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه "أن يُنقض" بضم الميم وتخفيف الضاد وهي قراءة أبي، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعكرمة "أن يناقص"، بالصاد غير منقوطة بمعنى ينشق طولاً، يقال انقاص الجدار وطي البير، وانقاصت السن، إذا انشقت طولاً، وقيل إذا تصدعت كيف كان، ومنه قول أبي ذؤيب: [الطويل]

فراق كقيص السن فالصبر انه لكل أناس عبرة وحبور

ويروى عثرة وجبور بالثاء والجيم، وقرأ ابن مسعود والأعمش "يريد لينقض" واختلف المفسرون في قوله {فأقامه} فقالت فرقة هدمه وقعد يبنيه، ووقع هذا في مصحف ابن مسعود، ويؤيد هذا التأويل قول، {لو شئت لتخذت عليه أجراً} لأنه فعل يستحق أجراً، وقال سعيد بن جبير مسحه بيده وأقامه فقام.
قال القاضي أبو محمد: وروي في هذا الحديث وهو الأشبه بأفعال الأنبياء عليهم السلام فقال موسى للخضر: {لو شئت لتخذت عليه أجراً} أي طعاماً تأكله، وقرأ الجمهور "لتخذت" وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "لتخذت" وهي قراءة ابن مسعود والحسن وقتادة وأدغم بعض القراء الذال في التاء، ولم يدغمها بعضهم، ومن قولهم تخذ قول الشاعر: [المزق]: [الطويل]

وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها نسيقاً كأفحوص القطاة المطرق

وفي حرف أبي بن كعب: "لو شئت لأوتيت عليه أجراً"، ثم قال الخضر لموسى بحسب شرطهما {هذا فراق بيني وبينك} واشترط الخضر، وأعطاه موسى أن لا يقع سؤال عن شيء، والسؤال أقل وجوه الاعتراضات، فالإنكار والتخطئة أعظم منه، وقوله {لو شئت لتخذت عليه أجراً} وإن لم يكن سؤالاً ففي ضمنه الإنكار لفعله، والقول بتصويب أخذ الأجر، وفي ذلك تخطئة ترك الأجر، والبين الصلاح، الذي يكون بين المصطحبين ونحوهما، وذلك مستعار فيه من الظرفية، ويستعمل استعمال السماء، وأما فصله، وتكريره {بيني وبينك} وعدوله عن بيننا، فلمعنى التأكيد، والسين في قوله {سأنبئك} مفرقة بين المحاورتين والصحبتين، ومؤذنة بأن الأولى قد انقطعت، ثم أخبره في مجلسه ذلك وفي مقامه {بتأويل} تلك القصص والتأويل هنا المآل.