خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ
٦٠
قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ
٦١
فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ
٦٢
قَالُوۤاْ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ
٦٣
فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ
٦٤
-طه

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

المعنى "فجمع" السحرة ووعدهم وأمرهم بالإعداد لموسى، وروي أمرهم، فهذا هو {كيده}، {ثم أتى} فرعون بجمعه وأهل دولته والسحرة معه وكانت عصابة لم يخلق الله أسحر منها وجاء أيضاً موسى عليه السلام ببني إسرائيل معه فقال موسى للسحرة {ويلكم} وهذه مخاطبة محذرة ندبهم في هذه الآية إلى قول الحق إذا رأوه وأن لا يباهتوا بكذب وقرأ ابن عباس ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر "فيَسحتكم" بفتح الياء، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم "فيُسحتكم" بضم الياء وهما لغتان بمعنى يقال سحت وأسحب إذا أهلك وأذهب ومنه قول الفرزدق: [الطويل]

وعض زماني يا ابن مروان لم يدع من المال إلا مسحتاً أو مجلف

فهذا من أسحت فلما سمع السحرة هذه المقالة هالهم هذا المنزع ووقع في نفوسهم من مهابته أمر شديد {فتنازعوا أمرهم} والتنازع يقتضي اختلافاً كان بينهم في السر أي قال بعضهم لبعض هو محق، وقال بعضهم هو مبطل، وقال بعضهم إن كان من عند الله فسيغلبنا ونحو هذا من الأقوال التي تعهد من الجموع الكثيرة في وقت الخوف كالحرب ونحو هذا، ومعلوم أن جميع تناجيهم إنما كان في أمر موسى. وقالت فرقة إنما كان تناجيهم بالآية التي بعد هذا {إن هذان لساحران} ع والأظهر أن تلك قيلت علانية ولو كان تناجيهم ذلك لم يكن ثم تنازع، و {النجوى} السرار والمساررة أي كان كل رجل يناجي من يليه، ثم جعلوا ذلك سراً مخافة فرعون أن يتبين فيهم ضعفاً لأنهم لم يكونوا حينئذ مصممين على غلبة موسى بل كان ظناً من بعضهم، وقوله تعالى: {إن هذان لساحران} الآية، قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي "إنّ" مشددة النون "هذان" بألف ونون مخففة للتثنية. وقرأ أبو عمرو وحده "إن هذين لساحران" وقرأ ابن كثير "إن هذان" بتخفيف نون "إنْ" وتشديد نون "هذان لسحران" وقرأ حفص عن عاصم "إن" بالتخفيف "هذان" خفيفة أيضاً "لساحران" وقرأت فرقة "إن هذان إلا ساحران"، وقرأت فرقة "إن ذان لساحران"، وقرأت فرقة "ما هذان إلا ساحران"، وقرأت فرقة "إن هذان" بتشديد النون من "هذان". فأما القراءة الأولى فقالت فرقة قوله "إن" بمعنى نعم كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال في خطبته: "إن الحمدُ لله" فرفع الحمد وقال ابن الزبير إن وراكبها حين قال له الرجل فأبعد الله ناقة حملتني إليك ويلحق هذا التأويل أن اللام لا تدخل في خبر الإبتداء وهو مما يجوز في الشعر ومنه قول الشاعر: [الرجز]

أم الحليس لعجوز شهربه ترضى من اللحم بعظم الرقبة

وذهبت فرقة إلى أن هذه الآية على لغة بلحارث وهو إبقاء ألف التثنية في حال النصب والخفض فمن ذلك قول الشاعر [هوبر الحارثي]: [الطويل]

تزود منها بين أذناه ضربة دعته إلى هابي التراب عقيم

وقال الآخر: [الطويل]

فأطرق إطراق الشجاع ولو رأى مساغاً لنا باه الشجاع لصمما

وتعزى هذه اللغة لكنانة وتعزى لخثعم وقال الفراء الألف في "هذان" دعامة وليست بمجلوبة للتثنية وإنما هي ألف هذا تركبت في حال التثنية كما تقول الذي ثم تزيد في الجمع نوناً وتترك الياء في حال الرفع والنصب والخفض وقال الزجاج في الكلام ضمير تقديره إنه هذان لساحران.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا التأويل دخول اللام في الخبر وقال بعض النحاة ألف "هذان" مشبهة هنا بألف تفعلان وقال ابن كيسان لما كان هذا بحال واحدة في رفعه ونصبه وخفضه تركت تثنيته هنا كذلك، وقال جماعة، منهم عائشة رضي الله عنها وأبو بكر، هذا مما لحن الكاتب فيه وأقيم بالصواب وهو تخفيف النون من أن ع وهذه الأقوال معترضة إلا ما قيل من أنها لغة، و"إن" بمعنى أجل ونعم أو "إن" في الكلام ضميراً وأما من قرأ "إن" خفيفة فهي عن سيبويه المخففة من الثقيلة ويرتفع بعدها الأسم ويقول الفراء هي بمعنى ما واللام بمعنى إلا ووجه سائر القراءات بينّ. وعبر كثير عن المفسرين عن "الطريقة" بالسادة وأنها يراد بها أهل العقل والسن والحجى وحكوا أن العرب تقول فلان طريقة قومه أي سيدهم والأظهر في "الطريقة" هنا أنها السيرة والمملكة والحال التي هي عليها، و {المثلى} تأنيث أمثل أي الفاضلة الحسنة. وقرأ جمهور القراء "فأجمعوا" بقطع الألف وكسر الميم على معنى أنقذوا وأعزموا، وقرأ ابو عمرو وحده "فاجمعوا" من جمع أي ضموا سحركم بعضه إلى بعض، وقرأ ابن كثير "ثمَّ" بفتح الميم "ايْتوا" بسكون الياء، وقرأ أيضاً في رواية شبل عنه بكسر الميم "ثمِ ايتوا" قال أبو علي وهذا غلط ولا وجه لكسر الميم من "ثم" وقرأ الجمهور "ثم ائتوا" بفتح الميم وبهمزة بعد الألف، قوله {صفاً} حال أي مصطفين وتداعوا إلى هذا لأنه أهيب وأظهر لهم، و {أفلح} معناه ظفر ببغيته و {استعلى} معناه طلب العلو في أمره وسعى سعيه.