خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ
٩٥
قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي
٩٦
قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً
٩٧
-طه

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

المعنى قال موسى مخاطباً للسامري {فما خطبك يا سامري}، وقوله {ما خطبك} كما تقول ما شأنك وما أمرك، لكن لفظة الخطب تقتضي انتهازاً لأن الخطب مستعمل في المكارة فكأنه قال ما نحسك وما شؤمك وما هذا الخطب الذي جاء من قبلك، و"السامري" قيل هو منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل، وقيل هو منسوب إلى قرية يقال لها سامرة ع وهي معروفة اليوم ببلاد مصر، وقيل اسمه موسى بن ظفر. وقرأت فرقة "بصُرت" بضم الصاد على معنى صارت بصيرتي بصورة ما فهو كطرفت وشرفت، وقرأت فرقة "بصِرت" بكسر الصاد، فيحتمل أن يراد من البصيرة ويحتمل أن يراد من البصر وذلك أن في أمر السامري ما زاده على الناس بالبصر وهو وجه جبريل عليه السلام وفرسه وبالبصيرة وهو ما علمه من أن القبضة اذا نبذها مع الحلي جاءه من ذلك ما يريد، وقرأ الجمهور "يبصروا" بالياء يريد بني إسرائيل، وقرأ حمزة والكسائي "تبصروا" بالتاء من فوق يريد موسى مع بني إسرائيل، وقرأ الجمهور "فقبضت قبضة" بالضاد منقوطة بمعنى أخذت بكفي مع الأصابع، وقرأ ابن مسعود وابن الزبير وأبي بن كعب وغيرهم، "فقبصت قبصة" بالصاد غير منقوطة بمعنى أخذت بأصابعي فقط، وقرأ الحسن بخلاف عنه "قُبضة" بضم القاف. و {الرسول} جبريل عليه السلام، و"الأثر" هو تراب تحت حافر فرسه، وسبب معرفة السامري بجبريل وميزه له فيما روي أن السامري ولدته أمه عام الذبح فطرحته في مغارة فكان جبريل عليه السلام يغذوه ويحميه حتى كبر وشب فميزه بذلك.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف. وقوله {فنبذتها} أي على الحلي فكان منها ما تراه وهذا محذوف من اللفظ تقتضيه الحال والمخاطبة. ثم قال {وكذلك سولت لي نفسي} أي وكما حدث ووقع قويت لي نفسي وجعلته لي سولاً وإرباً حتى فعلته، وكان موسى عليه السلام لا يقتل بني إسرائيل إلا في حد أو وحي فعاقبه باجتهاد نفسه بأن أبعده ونحاه عن الناس وأمر بني إسرائيل باجتنابه واجتناب قبيلته وأن لا يواكلوا ولا يناكحوا ونحو هذا، وعلمه مع ذلك وجعل له أن يقول مدة حياته {لا مساس} أي لا مماسة ولا إذاية. وقرأ الجمهور "لا مِسَاسَ" بكسر الميم وفتح السين على النصب بالتبرئة وهو اسم يتصرف ومنه قول النابغة: [المتقارب]

فأصبح من ذاك كالسامري إذ قال موسى له لا مساسا

ومنه قول رؤبة: [الرجز]

حتى يقول الأزد لا مساسا

واستعماله على هذا كثير. وقرأ أبو حيوة "لا مَساسِ" بفتح الميم وكسر السين وهو معدول عن المصدر كفجار ونحوه، وشبهه أبو عبيدة وغيره بنزال ودراك ونحوه والشبه صحيح من حيث هي معدولات وفارقة في أن هذه عدلت عن الأمر، ومساس وفجارعدلت عن المصدر ومن هذا قول الشاعر:

تميم كرهط السامري

وقوله: [الطويل]

ألا لا يريد السامري مساس

وقرأ الجمهور "تخلَفه" بفتح اللام على معنى لن يقع فيه خلف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "لن تخلِفه" بكسر اللام على معنى لن تستطيع الروغان عنه والحيدة فتزول عن موعد العذاب، وقرأ الحسن بن أبي الحسن بخلاف "لن نخلفه" بالنون، قال أبو الفتح المعنى لن نصادفه مخلفاً ع وكلها بمعنى الوعيد والتهديد. ثم وبخه عليه السلام بقوله: {وانظر إلى إلهك الذي} أي انظر صنيعك وتغيرنا له وردنا الأمر فيه إلى الواجب. وقرأت فرقة "ظَلت" بفتح الظاء على حذف اللام الواحدة، وقرأت فرقة "ظِلت" بكسر الظاء على نقل حركة اللام إلى الظاء ثم حذفها بعد ذلك نحو قول الشاعر: [أبو زبيد الطائي] [الوافر]

خَيلا ان العِتاقَ من المطايا أَحَسْنَ به فهن إليه شُوسُ

أراد احْسَسْنَ فنقلت حركة السين إلى الحاء ثم حذفت تخفيفاً، وفي بعض الروايات حسين، وقرأت فرقة "ظللت"، وظل معناه أقام يفعل الشيء نهاراً، ولكنها قد تستعمل في الدائب ليلاً ونهاراً بمثابة طفق. و {عاكفاً} معناه ملازماً حدباً. وقرأت فرقة "لنحرِقنه" بتخفيف الراء بمعنى النار، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس "لنحرُقنَّه" بضم الراء وفتح النون بمعنى لنبردنه بالمبرد، وقرأ نافع وغيره "لنُحرِّقنه" بضم النون وكسر الراء وشدها وهذا تضعيف مبالغة لا تعدية وهي قراءة تحتمل الحرق بالنار وتحتمل بالمبرد، وفي مصحف أبي وعبدالله بن مسعود "لنذبحنه ثم لنحرقنه ثم لننسفنه"، وهذه القراءة مع رواية من روى أن العجل صار لحماً ودماً، وعلى هذه الرواية يتركب أن يكون هناك حرق بنار وإلا فإذا كان جماداً من ذهب فإنما هو حرق بمبرد اللهم إلا أن تكون إذابة ويكون النسف مستعاراً لتفريقه في اليم مذاباً. وقرات فرقة "لننسِفنه" بكسر السين، وقرأت فرقة "لننسُفنه" بضم السين. و"النسف" تفريق الريح الغبار وكل ما هو مثله كتفريق الغربال ونحوه فهو نسف.. و {اليم} غمر الماء من بحر وغيره وكل ما غمر الإنسان من الماء فهو يم، و {نسفاً} تأكيد بالمصدر. واللام في قوله: {لنحرقنه} لام القسم، وفي هذه الآية من القصص أن موسى عليه السلام برد العجل حتى رجع كالغبار ثم ذراه في البحر ثم أمر بني إسرائيل أن يشرب جميعهم من الماء فكلما شرب من كان في قلبه حب العجل خرج على شاربه من الذهب فضيحة له، وقال مكيرحمه الله وأسند أن موسى عليه السلام كان مع السبعين في المناجاة وحينئذ وقع أمر العجل وان الله تعالى أعلم موسى بذلك فكلمه موسى عنهم وجاء بهم حتى سمع لفظ بني إسرائيل حول العجل فحينئذ أعلمهم موسى ع وهذه رواية، الجمهور على خلافها وإنما تعجل موسى عليه السلام وحده فوقع أمر العجل ثم جاءه موسى وصنع ما صنع بالعجل ثم خرج بعد ذلك بالسبعين على معنى الشفاعة في ذنب بني إسرائيل وأن يطلعهم أيضاً على أمر المناجاة فكان لموسى عليه السلام نهضتان والله أعلم.