خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ
٨٢
وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ
٨٣
فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ
٨٤
-الأنبياء

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

يحتمل أن يكون قوله تعالى: {يغوصون} في موضع نصب على معنى وسخرنا، ويحتمل أن يكون في موضع رفع على الابتداء، ويتناسب هذا مع القراءتين المتقدمتين في قوله تعالى: { ولسليمان الريح } } [سبأ: 12] بالنصب والرفع وقوله تعالى: {يغوصون} جمع على معنى {من} لا على لفظها. و"الغوص" الدخول في الماء والأَرض والعمل دون ذلك البنيان وغيره من الصنائع والخدمة ونحوه، وقوله تعالى: {وكما لهم حافظين} قيل معناه من إفسادهم ما صنعوه فإنهم كان لهم حرص على ذلك لولا ما حال الله تعالى: "بينهم وبين ذلك"، وقيل معناه عادين وحاصرين أي لا يشذ عن علمنا وتسخيرنا أحد منهم وقوله: {وأيوب} أحسن ما فيه النصب بفعل مضمر تقديره واذكر أيوب، وفي قصص أيوب عليه السلام طول واختلاف من المفسرين، وتلخيص ذلك أنه روي أن أيوب عليه السلام، كان نبياً مبعوثاً إلى قوم، وكان كثير المال من الإِبل والبقر والغنم، وكان صاحب البثنية من أرض الشام يغمر كذلك مدة، ثم إن الله تعالى، لما أراد محنته وابتلاءه، أذن لإِبليس في أن يفسد ماله، فاستعان بذريته فأحرقوا ماله ونعمه أجمع، فكان كلما أخبر بشيء من ذلك حمد الله تعالى وقال هي عارية استردها صاحبها والمنعم بها، فلما رأى إبليس ذلك جاء فأخبر بعجزه عنه، وأذن الله له في إهلاكه بنيه وقرابته ففعل ذلك أجمع، فدام أيوب على شكره وصبره، فأخبره إبليس بعجزه، فأذن الله له في إِصابته في بدنه وحجر عليه لسانه وعينيه وقبله، فجاءه إبليس وهو ساجد، فنفخ في أنفه نفخة احترق بدنه وجعلها الله تعالى أُكلة في بدنه، فلما عظمت وتقطع أخرجه الناس من بينهم وجعلوه على سباطة ولم يبق معه بشر حاشى زوجته، ويقال كانت بنت يوسف الصديق، وقيل اسمها رحمة، وقيل في أيوب إنه من بني إسرائيل، وقيل من الروم من قرية عيصو، فكانت زوجته تسعى عليه وتأتيه يأكل وتقوم عليه، فدام في هذا العذاب مدة طويلة قيل ثلاثين سنة، وقيل ثماني عشرة، وقيل اثنتي عشرة، وقيل تسعة أعوام، وقيل ثلاثة، وهو في كل ذلك صابر وشاكر، حتى جاءه فيما روي ثلاثة ممن كان آمن به فوقذوه بالقول وأنبوه ونجهوه. وقالوا ما صنع بك ربك هذا إلا لخبث باطنة فيك، فراجعهم أيوب في آخر قولهم بكلام مقتضاه أنه ذليل لا يقدر على إِقامة حجة ولا بيان ظلامة، فخاطبه الله تعالى معاتباً على هذه المقالة ومبيناً أنه لا حجة لأَحد مع الله ولا يُسأل عما يفعل ثم عرفه تعالى بأنه قد أذن في صلاح حاله وعاد عليه بفضله، فدعا أيوب عند ذلك فاستجيب له، ويروى أن أيوب لم يزل صابراً لا يدعو في كشف ما به، وكان فيما روي تقع منه الدود فيردها بيده، حتى مر به قوم كانوا يعادونه فشمتوا به، فتألم لذلك ودعا حينئذ فاستجيب له، وكانت امرأته غائبة عنه في بعض شأنها فأنبع الله تعالى له عيناً وأمر بالشرب منها فبرئ باطنه، وأمر بالاغتسال فبرئ ظاهره، ورد إلى أفضل جماله، وأتي بأحسن الثياب، وهب عليه رجل من جراد من ذهب فجعل يحثي منها في ثوبه فناداه الله تعالى يا أيوب ألم أغنيتك عن هذا، قال بلى يا رب ولكن لا غنى بي عن بركتك، فبينما هو كذلك إذ جاءت امرأته فلم تره على السباطة فجزعت وظنت أنه أزيل عنها، وجعلت تتوله فقال لها ما شأنك أيتها المرأة فهابته لحسن هيئته، وقالت إني فقدت مريضاً كان لي في هذا الموضع ومعالم المكان قد تغيرت، وتأملته في أثناء المقاولة، فرأت أيوب، فقالت له أنت أيوب، فقال لها نعم واعتنقها وبكى فروي أنه لم يفارقها حتى أراه الله تعالى جميع ماله حاضراً بين يديه، واختلف الناس في أهله وولده بأعيانهم وجعل مثلهم له عدة في الآخرة، وقيل بل أتى جميع ذلك في الدنيا من أهل ومال وقوله تعالى: {وذكرى للعابدين} أي وتذكرة وموعظة للمؤمنين، ولا يعبد الله تعالى إلا مؤمن والذكرى إنما هي في محنته والرحمة في زوال ذلك، وقوله {أني مسني الضر} تقديره "بأني مسني" فحذف الجار وبقيت {أني} في موضع نصب، وروي أن سبب محنة أيوب أنه دخل مع قوم على ملك جار عليه فأغلظ له القوم ولين له أيوب القول خوفاً منه على ماله، فعاقبه الله تعالى على ذلك، وروي أنه كان يقال له ما لك لا تدعو في العافية فكان يقول إني لأستحيي من الله تعالى أن أسأله زوال عذابه حتى يمر علي فيه ما مر من الرخاء، وأصابه البلاء فيما روي وهو ابن ثمانين سنة.