خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ
٤٩
فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
٥٠
وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ
٥١
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
٥٢
لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ
٥٣
وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
٥٤
-الحج

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

المعنى {قل} يا محمد {إنما أنا نذير} عذاب ليس إلي أن أعجل عذاباً ولا أن أؤخره عن وقته، ثم قسم حالة المؤمنين والكافرين بأن للمؤمنين سترة ذنوبهم ورزقه إياهم في الجنة، و"الكريم" صفة نفي المذام، كما تقول ثوب كريم، وأن للكافرين المعاجزين عذاب {الجحيم} وهذا كله مما أمره أن يقوله، أي هذا معنى رسالتي لا ما تتمنون أنتم، وقوله {سعوا} معناه تحيلوا وكادوا من السعاية، و"الآيات": القرآن، أو كادوه بالتكذيب وسائر أقوالهم، وقرأت فرقة، "معاجزين"، ومعناه مغالبين كأنهم طلبوا عجز صاحب الآيات والآيات تقتضي تعجيزهم فصارت مفاعلة، وعبر بعض الناس في تفسير {معاجزين} بظانين أنهم يفلتون الله وهذا تفسير خارج عن اللفظة، وقرأت فرقة "معجّزين" بغير ألف وبشد الجيم ومعناه معجزين الناس أي جاعلوهم بالتثبيط عجزة عن الإيمان وقال أبو علي: "معجزين" ناسبين أصحاب النبي إلى العجز كما تقول فسّقت فلاناً وزنيته إذا نسبته إلى ذلك، وقوله {وما أرسلنا} الآية تسلية للنبي عليه السلام عن النازلة التي ألقى الشيطان فيها في أُمنية النبي عليه السلام، و {تمنى} معناه المشهور أراد وأحب، وقالت فرقة هو معناها في الآية، والمراد أن الشيطان ألقى ألفاظه بسبب ما تمناه رسول الله صلى الله عليه وسلم من مقاربة قومه وكونهم متبعين له قالوا: فلما تمنى رسول الله من ذلك ما لم يقضه الله وجد الشيطان السبيل، فحين قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم النجم في مسجد مكة وقد حضر المسلمون والمشركون بلغ إلى قوله { أفرايتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى } [النجم: 20] ألقى الشيطان تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترجى قال الكفار هذا محمد يذكر آلهتنا بما نريد وفرحوا بذلك، فلما انتهى إلى السجدة سجد الناس أجمعون إلا أمية بن حلف فإنه أخذ قبضة من تراب ثم رفعها إلى جبهته وقال يكفيني هذا، قال البخاري: هو أمية بن خلف، وقال بعض الناس: هو الوليد بن المغيرة، وقال بعض الناس: هو أبو أحيحة سعيد بن العاصي ثم اتصل بمهاجرة الحبشة أن أهل مكة اتبعوا محمداً ففرحوا بذلك وأقبل بعضهم فوجد ألقية الشيطان قد نسخت وأهل مكة قد ارتبكوا وافتتنوا، وقالت فرقة {تمنى} معناه تلا والأمنية التلاوة ومنه قول الشاعر: [الطويل]

تمنى كتاب الله أول ليلة وآخرها لاقى حمام المقادر

ومنه قول الآخر: [الطويل]

"تمنى داود الزبور على رسل"

وتأولوا قوله تعالى "إلا أماني" أي إلا تلاوة، وقالت هذه الفرقة في معنى سبب "إلقاء الشيطان" في تلاوة النبي عليه السلام ما تقدم آنفاً من ذكر الله.
قال القاضي أبو محمد: وهذا الحديث الذي فيه هن الغرانقة وقع في كتب التفسير ونحوها ولم يدخله البخاري ولا مسلم ولا ذكره في علمي مصنف مشهور بل يقتضي مذهب أهل الحديث أن "الشيطان ألقى" ولا يعينون هذا السبب ولا غيره، ولا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو الألفاظ مسموعة بها وقعت الفتنة، ثم اختلف الناس في صورة هذا الإلقاء فالذي في التفاسير وهو مشهور القول أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بتلك الألفاظ وأن الشيطان أوهمه ووسوس في قلبه حتى خرجت تلك لألفاظ على لسانه، ورووا أنه نزل إليه جبريل بعد ذلك فدارسه سورة النجم فلما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له جبريل لم آتك بهذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"افتريت على الله وقلت ما لم يقل لي" وجعل يتفجع ويغتم فنزلت هذه الآية {وما أرسلنا من قبلك من رسول}، ع وحدثني أبي رضي الله عنه أنه لقي بالمشرق من شيوخ العلماء والمتكلمين من قال: هذا لا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم في التبليغ وإنما الأمر أن الشيطان نطق بلفظ أسمعه الكفار عند قول النبي صلى الله عليه وسلم { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى } [النجم: 20] وصوب صوته من صوت النبي صلى الله عليه وسلم حتى التَبس الأمر على المشركين وقالوا محمد قرأها ع و {تمنى} على هذا التأويل بمعنى تلا ولا بد، وقد روي نحو هذا التأويل عن الإمام أبي المعالي ع و"الرسول" أخص من النبي وكثير من الأنبياء لم يرسلوا وكل رسول نبي، و"النسخ" في هذه الآية الإذهاب، كما تقول نسخت الشمس الظل وليس يرفع ما استقر من الحكم، ع وطرق الطبري وأشبع الإسناد في أن إلقاء الشيطان كان على لسان النبي عليه السلام واختلفت الروايات في الألفاظ ففي بعضها تلك الغرانقة، وفي بعضها تلك الغرانيق، وفي بعضها وإن شفاعتهن وفي بعضها منها الشفاعة ترتجى ع والغرانيق معناه السادة العظام الأقدار، ومنه قول الشاعر:

"أهلا بصائدة الغرانق"

وقوله {ليجعل ما يلقي الشيطان} الآية، اللام في قوله {ليجعل} متعلقة بقوله {فينسخ الله} و"الفتنة" الامتحان والاختبار، و {الذين في قلوبهم مرض} هم، عامة الكفار، والقاسية قلوبهم خواص منهم عتاة كأبي جهل والنضر وعقبة، و"الشقاق" البعد عن الخير، والضلال والكون في شق الصلاح، و {بعيد}، معناه أنه انتهى بهم وتعمق فرجعتهم منه غير مرجوة، و {الذين أوتوا العلم} هم أصحاب محمد رسول الله عليه السلام، والضمير في {أنه} عائد على القرآن و"تخبت" معناه تتطامن وتخضع وهو مأخوذ من الخبث وهو المطمئن من الأرض، وقرأت فرقة "لهاد" بغير ياء بعد الدال، وقرأت فرقة: "لهادي" بياء، وقرأت فرقة "لهادٍ" بالتنوين وترك الإضافة وهذه الآية معادلة لقوله، قبل {وإن الظالمين لفي شقاق بعيد}.