خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ
٣٢
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ
٣٣
وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ
٣٤
-فاطر

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

{أورثنا} معناه أعطيناه فرقة بعد موت فرق، والميراث حقيقة أو مجازاً إنما يقال فيما صار لإنسان بعد موت آخر، و {الكتاب} هنا يريد به معاني الكتاب وعلمه وأحكامه وعقائده، فكأن الله تعالى لما أعطى أمة محمد صلى الله عليه وسلم القرآن وهو قد تضمن لمعاني الكتب المنزلة، قبله، فكأنه ورث أمة محمد الكتاب الذي كان في الأمم قبلها، و {الذين اصطفينا} يريد بهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم قاله ابن عباس وغيره، وكأن اللفظ يحتمل أن يريد به جميع المؤمنين من كل أمة إلا أن عبارة توريث الكتاب لم تكن إلا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، والأول لم يورثوه، و {اصطفينا} معناه اخترنا وفضلنا، و"العباد" عام في جميع العالم، مؤمنهم وكافرهم، واختلف الناس في عود الضمير من قوله {فمنهم} فقال ابن عباس وابن مسعود ما مقتضاه إن الضمير عائد على {الذين} والأصناف الثلاثة هي كلها في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فـ"الظالم لنفسه" العاصي المسرف، و"المقتصد" متقي الكبائر والجمهور من الأمة، و"السابق" المتقي على الإطلاق، وقالت هذه الفرقة والأصناف الثلاثة في الجنة وقاله أبو سعيد الخدري، والضمير في {يدخلونها} عائد على الأصناف الثلاثة، قالت عائشة: دخلوا الجنة كلهم، وقال كعب الأحبار: استوت مناكبهم ورب الكعبة وتفاضلوا بأعمالهم، وفي رواية تحاكت مناكبهم، وقال أبو إسحاق السبيعي: أما الذي سمعت مذ ستين سنة فكلهم ناج، وقال عبد الله بن مسعود: هذه الأمة يوم القيامة أثلاث، ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، ثم يدخلون الجنة، وثلث يجيئون بذنوب عظام فيقول الله ما هؤلاء وهو أعلم بهم فتقول الملائكة: هم مذنبون إلا أنهم لم يشركوا فيقول الله عز وجل: أدخلوهم في سعة رحمتي، وقالت عائشة في كتاب الثعلبي: "السابق" من أسلم قبل الهجرة، و"المقتصد" من أسلم بعدها، و"الظالم" نحن، وقال الحسن: "السابق" من رجحت حسناته، و"المقتصد" من استوت سيئاته و"الظالم" من خفت موازينه، وقال سهل بن عبد الله: "السابق" العالم، و"المقتصد" المتعلم، و"الظالم" الجاهل، وقال ذو النون المصري، "الظالم" الذاكر لله بلسانه فقط و"المقتصد" الذاكر بقلبه و"السابق" الذي لا ينساه، وقال الأنطاكي: "الظالم" صاحب الأقوال، و"المقتصد" صاحب الأفعال، و"السابق" صاحب الأحوال، وروى أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال: "كلهم في الجنة" ، وقرأ عمر بن الخطاب هذه الآية ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له" ، وقال صلى الله عليه وسلم: "أنا سابق العرب وسلمان سابق فارس وصهيب سابق الروم وبلال سابق الحبشة" .
قال القاضي أبو محمد: أراد صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء رؤوس السابقين، وقال عثمان بن عفان: سابقنا أهل جهادنا ومقتصدنا أهل حضرنا وظالمنا أهل بدونا، لا يشهدون جماعة ولا جمعة، وقال عكرمة والحسن وقتادة ما مقتضاه أن الضمير في {منهم} عائد على العباد و"الظالم لنفسه" الكافر والمنافق و"المقتصد" المؤمن العاصي و"السابق" التقي على الإطلاق، وقالوا وهذه الآية نظير قوله تعالى في سورة الواقعة { وكنتم أزواجاً ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم } [الواقعة: 12] والضمير في قوله {يدخلونها} على هذا القول خاص على الفريقين المقتصد والسابق والفرقة الظالمة في النار قالوا وبعيد أن يكون ممن يصطفى ظالم كما يقتضي التأويل الأول، وروي هذا القول عن ابن عباس، وقال بعض العلماء قدم الظالم لأنه لا يتكل إلا على رحمة الله والمقتصد هو المعتدل في أموره لا يسرف في جهة من الجهات بل يلزم الوسط، وقال صلى الله عليه وسلم: "خير الأمور أوساطها" ، وقالت فرقة لا معنى لقولها إن قوله تعالى: {الذين اصطفيناهم} الأنبياء والظالم منهم لنفسه من وقع في صغيرة.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول مردود من غير ما وجه، وقرأ جمهور الناس "سابق بالخيرات"، وقرأ أبو عمرو الجوني "سباق بالخيرات"، و {بإذن الله} معناه بأمره ومشيئته فيمن أحب من عباده، وقوله تعالى: {ذلك هو الفضل الكبير} إشارة إلى الاصطفاء وما يكون عنه من الرحمة، وقال الطبري: السبق بالخيرات هو {الفضل الكبير}، قال في كتاب الثعلبي جمعهم في دخول الجنة لأنه ميراث، والبار والعاق سواء في الميراث مع صحة النسب، فكذلك هؤلاء مع صحة الإيمان، وقرأ جمهور الناس "جناتُ" بالرفع على البدل من {الفضل} وقرأ الجحدري "جناتِ" بالنصب بفعل مضمر يفسره {يدخلونها} وقرأ زر بن حبيش "جنة عدن" على الإفراد، وقرأ أبو عمرو وحده "يُدخَلونها" بضم الياء وفتح الخاء، ورويت عن ابن كثير، وقرأ الباقون "يَدخُلونها" بفتح الياء وضم الخاء، و {أساور} جمع أسورة، وأسورة جمع سوار، ويقال سُوار بضم السين، وفي حرف أبي أساوير، وهو جمع أسوار وقد يقال ذلك في الحلي، ومشهور أسوار أنه الجيد الرمي من جند الفرس، ويحلون معناه رجلاً ونساء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ونافع "ولؤلؤاً" بالنصب عطفاً على {أساور}، وكان عاصم في رواية أبي بكر يقرأ و"لوْلؤاً" بسكون الواو الأولى دون همز، وبهمز الثانية، وروي عنه ضد هذا همز الأولى، ولا يهمز الثانية، وقرأ الباقون "لؤلؤٍ" بالهمز وبالخفض عطفاً على {أساور}، و {الحزن} في هذه الآية عام في جميع أنواع الأحزان، وخصص المفسرون في هذا الموضع فقال أبو الدرداء: حزن أهوال القيامة وما يصيب هناك من ظلم نفسه من الغم والحزن، وقال ابن عباس: حزن جهنم، وقال عطية: حزن الموت، وقال شهر: حزن معيشة الدنيا الخبز ونحوه، وقال قتادة: حزن الدنيا في الخوف أن تتقبل أعمالهم، وقيل غير هذا مما هو جزء من الحزن.
قال القاضي أبو محمد: ولا معنى لتخصيص شيء من هذه الأحزان، لأن الحزن أجمع قد ذهب عنهم، وقولهم {لغفور شكور} وصفوه تعالى بأنه يغفر الذنوب ويجازي على القليل من الأعمال الصالحة بالكثير من الثواب، وهذا هو شكره لا رب سواه.