خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ
٦٦
وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ
٦٧
وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّـسْهُ فِي ٱلْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ
٦٨
وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ
٦٩
لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ
٧٠
-يس

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

الضمير في {أعينهم} مراد به كفار قريش، ومعنى الآية تبيين أنهم في قبضة القدرة وبمدرج العذاب إن شاء الله تعالى لهم، وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة: أراد الأعين حقيقة، والمعنى لأعميناهم فلا يرون كيف يمشون، ويؤيد هذا مجانسة المسخ للعمى الحقيقي، وقال ابن عباس: أراد أعين البصائر، والمعنى لو شئنا لختمنا عليهم بالكفر فلم يهتد منهم أحد أبداً، و"الطمس" إذهاب الشيء، من الآثار والهيئات، حتى كأنه لم يكن، أي جعلنا جلود وجوههم متصلة حتى كأنه لم تكن فيها عين قط، وقوله تعالى: {فاستبقوا} معناه على الفرض والتقدير، كأنه قال: ولو شئنا لأعميناهم فاحسب أو قدر أنهم يستبقون الصراط وهو الطريق {فأنى} لهم بالإبصار وقد أعميناهم، و"أنى" لفظة استفهام فيه مبالغة وقدره سيبويه، كيف ومن أين، {مسخناهم} ظاهره تبديل خلقتهم بالقردة والخنازير ونحوه مما تقدم في بني إسرائيل وغَيرهم، وقال الحسن وقتادة وجماعة من المفسرين: معناه لجعلناهم مقعدين مبطلين، لا يستطيعون تصرفاً، وقال ابن سلام هذا التوعد كله يوم القيامة، وقرأ جمهور القراء "على مكانتهم" بإفراد، وهو بمعنى المكان كما يقال دار ودارة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر "على مكاناتهم" بالجمع، وفي قراءة الحسن وابن أبي إسحاق، وقرأ جمهور القراء "مُضياً" بضم الميم، وقرأ أبو حيوة "مَضياً" بفتحها، ثم بين تعالى دليلاً في تنكيسه المعمرين وأن ذلك مما لا يفعله إلا الله تعالى، وقرأ جمهور الناس "نَنْكُسه" بفتح النون الأولى وسكون الثانية، وضم الكاف، وقرأ حمزة وعاصم بخلاف عنه "نُنَكِّسه" بضم النون الأولى وفتح الثانية وشد الكاف المكسورة على المبالغة، وأنكرها أبو عمرو على الأعمش، ومعنى الآية نحول خلقه من القوة إلى الضعف ومن الفهم إلى البله، ونحو هذا، وقرأ نافع وأبو عمرو في رواية عياش "تعقلون" بالتاء على معنى قل لهم، وقرأ الباقون "يعقلون" بالياء على ذكر الغائب، ثم أخبر تعالى عن حال نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ورد قول من قال من الكفرة إنه شاعر، وإن القرآن شعر بقوله تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول الشعر، ولا يزنه، وكان إذا حاول إنشاد بيت قديم متمثلاً كسر وزنه، وإنما كان يحرز المعنى فقط وأنشد يوماً قول طرفة: [الطويل]

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك من لم تزوده بالأخبار

وأنشد يوماً وقد قيل له من أشعر الناس؟ فقال الذي يقول: [الطويل]

ألم ترياني كلما جئت طارقاً وجدت بها وإن لم تطيب طيبا

وأنشد يوماً:

أتجعل نهبي ونهب العبيـــ ـــد بين الاقرع وعيينة

وقد كان صلى الله عليه وسلم ربما أنشد البيت المستقيم في النادر وروي أنه أنشد بيت ابن رواحة: [الطويل]

يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع

وقال الحسن بن أبي الحسن: أنشد النبي صلى الله عليه وسلم "كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهياً" ، فقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: نشهد أنك رسول الله إنما قال الشاعر: "كفى الشيب والإسلام إلخ... " حكاه الثعلبي.
قال القاضي أبو محمد: وإصابته الوزن أحياناً لا يوجب أنه يعلم الشعر، وكذلك قد يأتي أحياناً في نثر كلامه ما يدخل في وزن كقوله يوم حنين، "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" كذلك يأتي في آيات القرآن وفي كل كلام وليس كله بشعر ولا هو في معناه.
قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية تقتضي عندي غضاضة على الشعر ولا بد، ويؤيد ذلك قول عائشة رضي الله عنها: كان الشعر أبغض الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يتمثل بشعر أخي قيس طرفة فيعكسه، فقال له أبو بكر: ليس هكذا، فقال: "ما أنا بشاعر وما ينبغي لي"، وقد ذهب قوم إلى أن الشعر لا غض عليه، قالوا وإنما منعه الله من التحلي بهذه الحلية الرفيعة ليجيء القرآن من قبله أغرب فإنه لو كان له إدراك الشعر لقيل في القرآن إن هذا من تلك القوى.
قال القاضي أبو محمد: وليس الأمر عندي كذلك، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم من الفصاحة والبيان في النثر في المرتبة العليا، ولكن كلام الله تعالى يبين بإعجازه ويبرز برصفه ويخرجه إحاطة علم الله من كل كلام، وإنما منعه الله تعالى من الشعر ترفيعاً له عما في قول الشعراء من التخييل، وتزويق القول، وأما القرآن فهو ذكر لحقائق وبراهين، فما هو بقول شاعر، وهكذا كان أسلوب كلامه عليه السلام لأنه لا ينطق عن الهوى، والشعر نازل الرتبة عن هذا كله، والضمير في {علمناه} عائد على محمد صلى الله عليه وسلم قولاً واحداً، والضمير في {له} يحتمل أن يعود على محمد ويحتمل أن يعود على القرآن، وإن كان لم يذكر لدلالة المجاورة عليه، وبين ذلك قوله تعالى: {إن هو} وقرأ نافع وابن كثير، "لتنذر" بالتاء على مخاطبة محمد صلى الله عليه وسلم وقرأ الباقون "لينذر" بالياء أي لينذر القرآن أو لينذر محمد، واللام في "لينذر" متعلقة بـ {مبين}، وقرأ محمد اليماني "ليُنذَر" بضم الياء وفتح الذال قال أبو حاتم: ولو قرىء "لينذَر" بفتح الياء والذال أي لتحفظ ويأخذ بحظه لكان جائزاً، وحكاها أبو عمرو قراءة عن محمد اليماني، وقوله تعالى: {من كان حياً} أي حي القلب والبصيرة، ولم يكن ميتاً لكفره، وهذه استعارة قال الضحاك {من كان حياً} معناه عاقلاً، {ويحق القول} معناه يحتم العذاب ويجب الخلود، وهذا كقوله تعالى:
{ { حقت كلمة ربك } [يونس: 33].