خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ
٢٣
فَإِن يَصْبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ
٢٤
وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ
٢٥
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ
٢٦
-فصلت

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

{ذلكم} رفع بالابتداء، والإشارة به إلى قوله: { ولكن ظننتم أن الله لا يعلم } [فصلت: 22] قال قتادة: الظن ظنان: ظن منج، وظن مهلك.
قال القاضي أبو محمد: فالمنجي: هو أن يظن الموحد العارف بربه أن الله يرحمه والمهلك: ظنون الكفرة الجاهلين على اختلافها، وفي هذا المعنى ليحيى بن أكثم رؤيا حسنة مؤنسة. و {ظنكم} خبر ابتداء.
وقوله: {أرداكم} يصح أن يكون خبراً بعد خبر، وجوز الكوفيون أن يكون في موضع الحال، والبصريون لا يجيزون وقوع الماضي حالاً إذا اقترن بـ "قد"، تقول رأيت زيداً قد قام، وقد يجوز تقديرها عندهم وإن لم تظهر. ومعنى: {أرداكم} أهلككم. والردى: الهلاك.
وقوله تعالى: {فإن يصبروا} مخاطبة لمحمد عليه السلام، والمعنى: فإن يصبروا أو لا يصبروا، واقتصر لدلالة الظاهر على ما ترك. والمثوى: موضع الإقامة.
وقرأ جمهور الناس: "وإن يَستعتِبوا" بفتح الياء وكسر التاء الأخيرة على إسناد الفعل إليهم. "فما هم من المعتبين" بفتح التاء على معنى: وإن طلبوا العتبى وهي الرضى فما هم ممن يعطوها ويستوجبها. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وموسى الأسواري: "وإن يُستعتَبوا" بضم الياء وفتح التاء. "فما هم من المعتِبين" بكسر التاء على معنى: وإن طلب منهم خير أو إصلاح فما هم ممن يوجد عنده، لأنهم قد فارقوا الدنيا دار الأعمال كما قال عليه السلام:
"ليس بعد الموت مستعتب" ويحتمل أن تكون هذه القراءة بمعنى: { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } [الأنعام: 28].
ثم وصف عز وجل حالهم في الدنيا وما أصابهم به حين أعرضوا، فختم عليهم فقال: {وقيضنا لهم قرناء} أي يسرنا لهم {قرناء} سوء من الشياطين وغواة الإنس.
وقوله: {فزينوا لهم ما بين أيديهم} أي علموهم وقرروا في نفوسهم معتقدات سوء في الأمور التي تقدمتهم من أمر الرسل والنبوات، ومدح عبادة الأصنام واتباع فعل الآباء إلى غير ذلك مما يقال إنه بين أيديهم، وذلك كل ما تقدمهم في الزمان واتصل إليهم أثره أو خبره، وكذلك أعطوهم معتقدات سوء فيما خلفهم وهو كل ما يأتي بعدهم من القيامة والبعث ونحو ذلك مما يقال فيه إنه خلف الإنسان، فزينوا لهم في هذين كل ما يرديهم ويفضي بهم إلى عذاب جهنم.
وقوله: {وحق عليهم القول} أي سبق القضاء الحتم، وأمر الله بتعذيبهم في جملة أمم معذبين كفار {من الجن والإنس} وقالت فرقة: {في} بمعنى: مع، أي مع أمم، والمعنى يتأدى بالحرفين، ولا نحتاج أن نجعل حرفاً بمعنى حرف إذ قد أبى ذلك رؤساء البصريين.
قوله عز وجل: {لا تسمعوا لهذا القرآن}.
حكاية لما فعله بعض قريش كأبي جهل، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن في المسجد الحرام ويصغي إليه الناس من مؤمن وكافر، فخشي الكفار استمالة القلوب بذلك، فقالوا: متى قرأ محمد فلنلغط نحن بالمكاء والصفير والصياح وإنشاد الشعر والإرجاز حتى يخفى صوته ولا يقع الاستماع منه، وهذا الفعل منهم هو اللغو. وقال أبو العالية أرادوا: قعوا فيه وعيبوه. واللغو في اللغة: سقط القول الذي لا معنى له، وهو من الخساسة والبطول في حكم لا معنى له.
وقرأ جمهور الناس: "والغَوا" بفتح الغين وجزم الواو. وقرأ بكر بن حبيب السهمي: "الغُوا" بضم الغين وسكون الواو، ورويت عن عيسى وابن أبي إسحاق بخلاف عنهما وهما لغتان، يقال لغا يلغو، ويقال لغى يلغي، ويقال أيضاً لغى يلغى، أصله يفعِل بكسر العين، فرده حرف الحلق إلى الفتح، فالقراءة الأولى من يلغى، والقراءة الثانية من يلغو، قاله الأخفش.
وقوله: {لعلكم تغلبون} أي تطمسون أمر محمد عليه السلام وتميتون ذكره وتصرفون القلوب عنه، فهذه الغاية التي تمنوها.