خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً
٢٥
إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً
٢٦
-الفتح

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

يريد بقوله تعالى: {هم الذين كفروا} أهل مكة الذين تقدم ذكرهم. وقوله {وصدوكم عن المسجد الحرام} هو منعهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من العمرة عام الحديبية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة في ذي القعدة سنة ست من الهجرة يريد العمرة وتعظيم البيت، وخرج معه بمائة بدنة، قاله النقاش، وقيل بسبعين، قاله المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، فلما دنا من مكة، قال أهل مكة هذا محمد الذي قد حاربنا وقتل فينا، يريد أن يدخل مكة مراغمة لنا، والله لا تركناه حتى نموت دون ذلك، فاجتمعموا لحربه، واستنجدوا بقبائل من العرب وهم الأحابيش وبعثوا فغوروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم المياه التي تقرب من مكة، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل على بئر الحديبية، وحينئذ وضع سهمه في الماء فجرى غمراً حتى كفى الجيش، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى مكة عثمان، وبعث أهل مكة إليه رجالاً منهم: عروة بن مسعود، وبديل بن ورقاء، وتوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم هناك أياماً حتى سفر سهيل بن عمرو، وبه انعقد الصلح على أن ينصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم ويعتمر من العام القادم، فهذا كان صدهم إياه وهو مستوعب في كتب السير، فلذلك اختصرناه.
وقرأ الجمهور: "والهدْي" بسكون الدال.. وقرأ الأعرج والحسن بن أبي الحسن: "والهدِيّ" بكسر الدال وشد الياء، وهما لغتان، وهو معطوف على الضمير في قوله: {وصدوكم} أي وصدوا الهدي. و: {معكوفاً} حال، ومعناه: محبوساً، تقول: عكفت الرجل عن حاجته إذا حبسته، وقد قال أبو علي: إن عكف لا يعرفه متعدياً، وحكى ابن سيده وغيره: تعديه، وهذا العكف الذي وقع للهدي كان من قبل المشركين بصدهم، ومن قبل المسلمين لرؤيتهم ونظرهم في أمرهم فحبسوا هديهم. و {أن} في قوله: {أن يبلغ} يحتمل أن يعمل فيها الصد، كأنه قال: وصدوا الهدي كراهة أن أو عن أن، ويحتمل أن يعمل فيها العكف فتكون مفعولاً من أجله، أي الهدي المحبوس لأجل {أن يبلغ محله}، و {محله} مكة.
وذكر الله تعالى العلة في أن صرف المسلمين ولم يمكنهم من دخول مكة في تلك الوجهة، وهو أنه كان بمكة مؤمنون ومن رجال ونساء خفي إيمانهم، فلو استباح المسلمون بيضتها أهلكوا أولئك المؤمنين. قال قتادة: فدفع الله عن المشركين ببركة أولئك المؤمنين، وقد يدفع بالمؤمنين عن الكفار.
وقوله تعالى: {لم تعلموهم} صفة للمذكورين. وقوله: {أن تطؤوهم} يحتمل أن تكون {أن} بدلاً من {رجال}، كأنه قال: ولولا قوم مؤمنون أن تطؤوهم، أي لولا وطئكم قوماً مؤمنين، فهو على هذا في موضع رفع، ويحتمل أن تكون في موضع نصب بدلاً من الضمير في قوله: {لم تعلموهم} كأنه قال: لم تعلموا وطأهم أنه وطء المؤمنين، والوطء هنا: الإهلاك بالسيف وغيره على وجه التشبيه، ومنه قول الشاعر [زهير]: [الكامل]

ووطئتنا وطئاً على حنق وطء المقيد ثابت الهرم

ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم اشدد وطأتك على مضر" ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "إن آخر وطأة الرب يوم وج بالطائف" لأنها كانت آخر وقعة للنبي صلى الله عليه وسلم، فيها ذكر هذا المعنى النقاش: و "المعرة" السوء والمكروه اللاصق، مأخوذ من العر والعرة وهي الجرب الصعب اللازم. واختلف الناس في تعيين هذه المعرة، فقال ابن زيد: هي المأثم وقال ابن إسحاق: هي الدية.
قال القاضي أبو محمد: وهذان ضعيفان، لأنه لا إثم ولا دية في قتل مؤمن مستور الإيمان من أهل الحرب.
وقال الطبري حكاه الثعلبي: هي الكفارة. وقال منذر: المعرة: أن يعيبهم الكفار ويقولوا قتلوا أهل دينهم. وقال بعض المفسرين: هي الملام والقول في ذلك، وتألم النفس منه في باقي الزمن.
قال القاضي أبو محمد: وهذه أقوال حسان. وجواب {لولا} محذوف تقديره: لمكناكم من دخول مكة وأيدناكم عليهم.
وقرأ الأعمش: "فتنالكم منه معرة".
واللام في قوله: {ليدخل} يحتمل أن يتعلق بمحذوف من القول، تقديره: لولا هؤلاء لدخلتم مكة، لكن شرفنا هؤلاء المؤمنين بأن رحمناهم ودفعنا بسببهم عن مكة {ليدخل الله}: أي ليبين للناظر أن الله تعالى يدخل من يشاء في رحمته، أو ليقع دخولهم في رحمة الله ودفعه عنهم، ويحتمل أن تتعلق بالإيمان المتقدم الذكر، فكأنه قال: ولولا قوم مؤمنون آمنوا ليدخل الله من يشاء في رحمته، وهذا مذكور، لكنه ضعيف، لأن قوله: {من يشاء} يضعف هذا التأويل.
ثم قال تعالى: {لو تزيلوا} أي لو ذهبوا عن مكة، تقول: أزلت زيداً عن موضعه إزالة، أي أذهبته، وليس هذا الفعل من زال يزول، وقد قيل هو منه.
وقرأ أبو حيوة وقتادة: بألف بعد الزاي، أي "لو تزايلوا"، أي ذهب هؤلاء عن هؤلاء وهؤلاء عن هؤلاء.
وقوله: {منهم} لبيان الجنس إذا كان الضمير في {تزيلوا} للجميع من المؤمنين والكافرين وقال النحاس: وقد قيل إن قوله: {ولولا رجال مؤمنون} الآية. يريد من في أصلاب الكافرين من سيؤمن في غابر الدهر، وحكاه الثعلبي والنقاش عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً. والعامل في قوله: {إذ جعل} قوله: {لعذبنا} ويحتمل أن يكون المعنى: أذكر إذ جعلنا. و: {الحمية} التي جعلوها هي حمية أهل مكة في الصد، قال الزهري: وحمية سهيل ومن شاهد عقد الصلح في أن منعوا أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم، ولجوا حتى كتب باسمك اللهم، وكذلك منعوا أن يثبت: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. ولجوا حتى
" قال صلى الله عليه وسلم لعلي: امح واكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله الحديث" وجعلها تعالى "حمية جاهلية"، لأنها كانت بغير حجة وفي غير موضعها، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو جاءهم محارباً لعذرهم في حميتهم، وإنما جاء معظماً للبيت لا يريد حرباً، فكانت حميتهم جاهلية صرفاً. والسكينة هي الطمأنينة إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والثقة بوعد الله والطاعة وزوال الأنفة التي لحقت عمر وغيره.
و: {كلمة التقوى} قال الجمهور: هي لا إله إلا الله، وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال عطاء بن أبي رباح: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وقال أبو هريرة وعطاء الخراساني: هي لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقال علي بن أبي طالب: هي لا إله إلا الله والله أكبر، وحكاه الثعلبي عن ابن عمر.
قال القاضي أبو محمد: وهذه كلها أقوال متقاربة حسان، لأن هذه الكلمة تقي النار، فهي {كلمة التقوى}.
وقال الزهري عن المسور ومروان: {كلمة التقوى} المشار إليها هي بسم الله الرحمن الرحيم وهي التي أباها كفار قريش، فألزمها الله المؤمنين وجعلهم {أحق بها}
قال القاضي أبو محمد: ولا إله إلا الله أحق باسم: {كلمة التقوى}. من: بسم الله الرحمن الرحيم.
وفي مصحف ابن مسعود: "وكانوا أهلها وأحق بها". والمعنى: كانوا أهلها على الإطلاق في علم الله وسابق قضائه لهم، وقيل {أحق بها} من اليهود والنصارى في الدنيا، وقيل أهلها في الآخرة بالثواب.
وقوله تعالى: {وكان الله بكل شيء عليماً} إشارة إلى علمه بالمؤمنين الذين دفع عن كفار قريش بسببهم وإلى علمه بوجه المصلحة في صلح الحديبية، فيروى أنه لما انعقد، أمن الناس في تلك المدة الحرب والفتنة، وامتزجوا، وعلت دعوة الإسلام، وانقاد إليه كل من كان له فهم من العرب، وزاد عدد الإسلام أضعاف ما كان قبل ذلك.
قال القاضي أبو محمد: ويقتضي ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في عام الحديبية في أربع عشرة مائة، ثم سار إلى مكة بعد ذلك بعامين في عشرة آلاف فارس صلى الله عليه وسلم.