خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ
٧٠
-الأنعام

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

هذا أمر بالمشاركة وكان ذلك بحسب قلة أتباع الإسلام حينئذ، قال قتادة: ثم نسخ ذلك وما جرى مجراه بالقتال، وقال مجاهد: الآية إنما هي للتهديد والوعيد فهي كقوله تعالى: { ذرني ومن خلقت وحيدأ } [المدثر:11] وليس فيها نسخ لأنها متضمنة خبراً وهو التهديد، وقوله {لعباً ولهواً} يريد إذ يعتقدون أن لا بعث فهم يتصرفون بشهواتهم تصرف اللاعب اللاهي، {وغرتهم الحياة الدنيا} أي خدعتهم من الغرور وهو الإطماع بما لا يتحصل فاغتروا بنعم الله ورزقه وإمهاله وطمعهم ذلك فيما لا يتحصل من رحمته.
قال القاضي أبو محمد: ويتخرج في {غرتهم} هنا وجه آخر من الغَرور بفتح العين أي ملأت أفواههم وأشبعتهم، ومنه قول الشاعر: [الطويل]

ولما التَقَيْنَا بالحَنِيَّةِ غَرَّنِي بِمَعْروفِهِ حتّى خَرَجتُ أُفَوِّقُ

ومنه غر الطائر فرخه، ولا يتجه هذا المعنى في تفسير "غر" وفي كل موضع وأضاف الدين إليهم على معنى أنهم جعلوا اللعب واللهو ديناً، ويحتمل أن يكون المعنى اتخذوا دينهم الذي كان ينبغي لهم لعباً ولهواً، والضمير في {به} عائد على الدين، وقيل: على القرآن، و {أن تبسل} في موضع المفعول أي لئلا تبسل أو كراهية أن تبسل، ومعناه تسلم، قال الحسن وعكرمة، وقال قتادة: تحبس وترتهن، وقال ابن عباس: تفضي وقال الكلبي وابن زيد: تجزى، وهذه كلها متقاربة بالمعنى، ومنه قول الشنفرى: [الطويل]

هنالك لا أَرْجُو حَيَاةً تَسُرُّنِي سَمِيرَ اللَّيالي مُبْسَلاً بالجَرَائِرِ

وقال بعض الناس هو مأخوذ من البَسَل أي من الحرام كما قال الشاعر [ضمرة النهشاني]: [الكامل]

بَكَرَتْ تَلُومُكَ بِعْدَ وَهْنٍ في النَّدَى بَسل عَلَيْك مَلامَتِي وعِتابي

قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد، و {نفس} تدل على الجنس، ومعنى الآية وذكر بالقرآن والدين وادع إليه لئلا تبسل نفس التارك للإيمان بما كسبت من الكفر وآثرته من رفض الإسلام، وقوله تعالى: {ليس لها من دون الله} في موضع الحال، و {من} لابتداء الغاية ويجوز أن تكون زائدة و {دون} ظرف مكان وهي لفظة تقال باشتراك، وهي في هذه الآية الدالة على زوال من أضيفت إليه من نازلة القول كما في المثل:

وأمر دون عبيدة الودم

والولي والشفيع هما طريقا الحماية والغوث في جميع الأمور {وإن تعدل كل عدل} أي وإن تعط كل فدية، وإن عظمت فتجعلها عدلاً لها لا يقبل منها، وحكى الطبري عن قائل ان المعنى وإن تعدل من العدل المضاد للجور، ورد عليه وضعّفه بالإجماع على أن توبة الكافر مقبولة.
قال القاضي أبو محمد: ولا يلزم هذا الرد لأن الأمر إنما هو يوم القيامة ولا تقبل فيه توبة ولا عمل، والقول نص لأبي عبيدة، و "العدل" في اللغة مماثل الشيء من غير جنسه، وقبل: العِدل بالكسر المثل والعَدل بالفتح القيمة، و {أولئك} إشارة إلى الجنس المدلول عليه بقوله {تبسل نفس} ، و {ابسلوا} معناه أسلموا بما اجترحوه من الكفر، و "الحميم" الماء الحار، ومنه الحمام والحمة ومنه قول أبي ذؤيب: [الكامل]

إلا الحَميمَ فإنَّه يَتَبَصَّعُ

"وأليم" فعيل بمعنى مفعل أي مؤلم.