خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا
١
قَيِّماً لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً
٢
مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً
٣
وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً
٤
مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً
٥
فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً
٦
-الكهف

زاد المسير في علم التفسير

قوله تعالى: {الحمد لله} قد شرحناه في أول «الفاتحة». والمراد بعبده هاهنا: محمد صلى الله عليه وسلم، وبالكتاب: القرآن، تمدَّح بانزاله، لأنه إِنعام على الرسول خاصة، وعلى الناس عامَّة. قال العلماء باللغة والتفسير: في هذه الآية تقديم وتأخير، تقديرها: أنزل على عبده الكتاب {قيّماً} أي: مستقيماً عدلاً. وقرأ أبو رجاء، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وابن يعمر، والنخعي، والأعمش: «قِيَماً» بكسر القاف، وفتح الياء، وقد فسرناه في [الأنعام: 161].

قوله تعالى: {ولم يجعل له عوجا} أي: لم يجعل فيه اختلافا، وقد سبق بيان العِوَج في [آل عمران: 99].

قوله تعالى: {لينذر بأساً شديداً} أي: عذاباً شديداً، {من لدنه} أي: من عنده، ومن قِبَلِه، والمعنى: لينذر الكافرين {ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم} أي: بأن لهم {أجراً حسناً} وهو الجنة. {ماكثين} أي: مقيمين، وهو منصوب على الحال. {وينذر} بعذاب الله {الذين قالوا اتخذ الله ولداً} وهم اليهود حين قالوا: عزيرٌ ابن الله، والنصارى حين قالوا: المسيح ابن الله، والمشركون حين قالوا: الملائكة بنات الله، {ما لهم به} أي: بذلك القول {من عِلْم} لأنهم قالوا: أفْتَرَى على الله، {ولا لآبائهم} الذين قالوا ذلك، {كَبُرَتْ} أي: عَظُمَتْ {كلمةً} الجمهور على النصب. وقرأ ابن مسعود، والحسن، ومجاهد، وأبو رزين، وأبو رجاء، ويحيى بن يعمر، وابن محيصن، وابن أبي عبلة: «كلمةٌ» بالرفع. قال الفراء: من نصب، أضمر: كُبْرتْ تلك الكلمةُ كلمةً، ومن رفع، لم يضمر شيئاً، كما تقول: عَظُم قولك. وقال الزجاج: من نصب، فالمعنى: كبرت مقالتهم: اتخذ الله ولداً كلمة، و«كلمةً» منصوب على التمييز. ومن رفع، فالمعنى: عظمت كلمة هي قولهم: اتخذ الله ولداً.

قوله تعالى: {تخرج من أفواههم} أي: إِنها قول بالفم لا صحة لها، ولا دليل عليها، {إِن يقولون} أي: ما يقولون {إِلا كذبا}. ثم عاتبه على حُزْنِهِ لفوت ما كان يرجو من إِسلامهم، فقال: {فلعلك باخع نفسك} وقرأ سعيد بن جبير، وأبو الجوزاء، وقتادة: «باخعُ نفسِك» بكسر السين، على الإِضافة. قال المفسرون واللغويون: فلعلك مهلك نفسك، وقاتل نفسك، وأنشد أبو عبيدة لذي الرمَّة:

ألا أيُّهَذَا الباخِعُ الوجْد نَفْسَهُ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ المقَادِرُ

أي: نحَّتْه. فإن قيل: كيف قال: {فلعلك} والغالب عليها الشك، والله عالم بالأشياء قبل كونها؟

فالجواب: أنها ليست بشكّ، إِنما هي مقدَّرة تقدير الاستفهام الذي يعنى به التقرير، فالمعنى: هل أنت قاتل نفسك؟! لا ينبغي أن يطول أساك على إِعراضهم، فإن من حَكَمْنَا عليه بالشِّقْوَةِ لا تجدي عليه الحسرة، ذكره ابن الأنباري.

قوله تعالى: {على آثارهم} أي: من بعد تولِّيهم عنك {إِن لم يؤمنوا بهذا الحديث} يعني: القرآن {أسفا} وفيه أربعة أقوال.

أحدها: حَزَناً، قاله ابن عباس، وابن قتيبة.

والثاني: جَزَعاً، قاله مجاهد.

والثالث: غَضَباً، قاله قتادة.

والرابع: نَدَماً، قاله السدي. وقال أبو عبيدة: نَدَماً وتَلهُّفاً وأَسىً. قال الزجاج: الأسف: المبالغة في الحزن، أو الغضب، يقال: قد أسف الرجل، فهو أَسيف، قال الشاعر:

أَرَى رَجُلاً مِنْهُمْ أَسِيفاً كَأَنَّما يَضُمُّ إِلى كَشْحَيْهِ كَفّاً مُخَضَّبا

وهذه الآية يشير بها إِلى نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كثرة الحرص على إيمان قومه لئلا يؤدّي ذلك إِلى هلاك نفسه بالأسف.