خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ
٢٩
قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ
٣٠
وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِيۤ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
٣١
-النور

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ } في أن تدخلوا {بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ } استثنى من البيوت التي يجب الاستئذان على داخلها ما ليس بمسكون منها كالخانات والربط وحوانيت التجار {فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ } أي منفعة كالاستكنان من الحر والبرد وإيواء الرحال والسلع والشراء والبيع. وقيل: الخربات يتبرز فيها والمتاع التبرز {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } وعيد للذين يدخلون الخربات والدور الخالية من أهل الريبة {قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ } «من» للتبعيض والمراد غض البصر عما يحرم والاقتصار به على ما يحل {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ } عن الزنا ولم يدخل «من» هنا لأن الزنا لا رخصة فيه بوجه، ويجوز النظر إلى وجه الأجنبية وكفها وقدميها في رواية، وإلى رأس المحارم والصدر والساقين والعضدين {ذٰلِكَ } أي غض البصر وحفظ الفرج {أَزْكَىٰ لَهُمْ } أي أطهر من دنس الاثم {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } فيه ترغيب وترهيب يعني أنه خبير بأحوالهم وأفعالهم وكيف يجيلون أبصارهم يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فعليهم إذا عرفوا ذلك أن يكونوا منه على تقوى وحذر في كل حركة وسكون.

{وَقُل لّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } أمرن بغض الأبصار فلا يحل للمرأة أن تنظر من الأجنبي إلى ما تحت سرته إلى ركبتيه، وإن اشتهت غضت بصرها رأساً ولا تنظر إلى المرأة إلا إلى مثل ذلك وغض بصرها من الأجانب أصلاً أولى بها. وإنما قدم غض الأبصار على حفظ الفروج لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور فبذر الهوى طموح العين {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، والمعنى ولا يظهرن مواضع الزينة إذ إظهار عين الزينة وهي الحلي ونحوها مباح فالمراد بها مواضعها أو إظهارها وهي في مواضعها لإظهار مواضعها لا لإظهار أعيانها، ومواضعها الرأس والأذن والعنق والصدر والعضدان والذراع والساق فهي للإكليل والقرط والقلادة والوشاح والدملج والسوار والخلخال {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } إلا ما جرت العادة والجبلة على ظهوره وهو الوجه والكفان والقدمان، ففي سترها حرج بين فإن المرأة لا تجد بداً من مزاولة الأشياء بيديها ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصاً في الشهادة والمحاكمة والنكاح وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها وخاصة الفقيرات منهن {وَلْيَضْرِبْنَ } وليضعن من قولك «ضربت بيدي على الحائط» إذا وضعتها عليه {بِخُمُرِهِنَّ } جمع خمار {عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ } بضم الجيم: مدني وبصري وعاصم. كانت جيوبهن واسعة تبدو منها صدورهن وما حواليها وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفة فأمرن بأن يسدلنها من أقدامهن حتى تغطيها.

{وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } أي مواضع الزينة الباطنة كالصدر والساق والرأس ونحوها {إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ } لأزواحهن جمع بعل {أو ءَابآئهن} ويدخل فيهم الأجداد {أو آباء بعولتهن} فقد صاروا محارم {أَوْ أَبْنَائِهِنَّ } ويدخل فيهم النوافل {أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ } فقد صاروا محارم أيضاً {أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أَخَوٰتِهِنَّ } ويدخل فيهم النوافل وسائر المحارم كالأعمام والأخوال وغيرهم دلالة {أَوْ نِسَائِهِنَّ } أي الحرائر لأن مطلق هذا اللفظ يتناول الحرائر {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ } أي إمائهن ولا يحل لبعدها أن ينظر إلى هذه المواضع منها خصياً كان أو عنيناً أو فحلاً. وقال سعيد بن المسيب: لا تغرنكم سورة النور فإنها في الإماء دون الذكور. وعن عائشة رضي الله عنها أنها أباحت النظر إليها لعبدها {أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيْرِ } بالنصب: شامي ويزيد وأبو بكر على الاستثناء أو الحال، وغيرهم بالجر على البدل أو على الوصفية {أُوْلِى ٱلإِرْبَةِ } الحاجة إلى النساء. قيل: هم الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم ولا حاجة لهم إلى النساء لأنهم بله لا يعرفون شيئاً من أمرهن، أو شيوخ صلحاء، أو العنين أو الخصي والمخنث. وفي الأثر أنه المجبوب والأول الوجه {مِنَ ٱلرّجَالِ } حال {أَوِ ٱلطّفْلِ ٱلَّذِينَ } هو جنس فصلح أن يراد به الجمع {لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرٰتِ ٱلنّسَاء } أي لم يطلعوا لعدم الشهوة من ظهر على الشيء إذا اطلع عليه، أو لم يبلغوا أوان القدرة على الوطء من ظهر على فلان إذا قوي عليه {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ } كانت المرأة تضرب الأرض برجليها إذا مشت لتسمع قعقعة خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال فنهين عن ذلك إذ سماع صوت الزينة كإظهارها ومنه سمي صوت الحلي وسواساً {وَتُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } {أَيُّهُ } شامي إتباعاً للضمة قبلها بعد حذف الألف لالتقاء الساكنين، وغيره على فتح الهاء لأن بعدها ألفاً في التقدير {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } العبد لا يخلو عن سهو وتقصير في أوامره ونواهيه وإن اجتهد. فلذا وصى المؤمنين جميعاً بالتوبة وبتأميل الفلاح إذا تابوا وقيل: أحوج الناس إلى التوبة من توهم أنه ليس له حاجة إلى التوبة، وظاهر الآية يدل على أن العصيان لا ينافي الإيمان.