خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ
٤٧
وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌ
٤٨
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ
٤٩
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ
٥٠
قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ
٥١
يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ
٥٢
أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ
٥٣
قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ
٥٤
فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ
٥٥
قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ
٥٦
وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ
٥٧
أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ
٥٨
إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
٥٩
إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
٦٠
لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ
٦١
أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ
٦٢
إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ
٦٣
إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ
٦٤
طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ
٦٥
فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ
٦٦
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ
٦٧
ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ
٦٨
إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ
٦٩
فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ
٧٠
وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ
٧١
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ
٧٢
فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ
٧٣
إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ
٧٤
وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ
٧٥
وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ
٧٦
وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ
٧٧
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ
٧٨
سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ
٧٩
إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ
٨٠
إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ
٨١
ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ
٨٢
-الصافات

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{لاَ فِيهَا غَوْلٌ } أي لا تغتال عقولهم كخمور الدنيا وهو من غاله يغوله غولاً إذا أهلكه وأفسده {وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ } يسكرون من نزف الشارب إذا ذهب عقله ويقال للسكران نزيف ومنزوف، {يُنزِفُونَ} علي وحمزة أي لا يسكرون أو لا ينزِف شرابهم من أنزف الشارب إذا ذهب عقله أو شرابه {وَعِندَهُمْ قَـٰصِرٰتُ ٱلطَّرْفِ } قصرن أبصارهن على أزواجهن لا يمددن طرفاً إلى غيرهم {عِينٌ } جمع عيناء أي نجلاء واسعة العين {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ } مصون شبههن ببيض النعام المكنون في الصفاء وبها تشبه العرب النساء وتسميهن بيضات الخدور. وعطف {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ } يعني أهل الجنة. {عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} عطف على {يُطَافُ عَلَيْهِمْ } والمعنى يشربون ويتحادثون على الشراب كعادة الشّرب قال:

وما بقيت من اللذات إلا أحاديث الكرام على المدام

فيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم وعليهم في الدنيا إلا أنه جيء به ماضياً على ما عرف في أخباره. {قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌ يَقُولُ أَءِنَّكَ} بهمزتين: شامي وكوفي {لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ} بيوم الدين {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ } لمجزيون من الدين وهو الجزاء {قَالَ } ذلك القائل {هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ } إلى النار لأريكم ذلك القرين قيل: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار. أو قال الله تعالى لأهل الجنة: هل أنتم مطلعون إلى النار فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار {فَأَطَّلَعَ } المسلم {فَرَءَاهُ } أي قرينة {فِى سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ } في وسطها {قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ } «إن» مخففة من الثقيلة وهي تدخل على «كاد» كما تدخل على «كان»، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية والإرداء الإهلاك. وبالياء في الحالين: يعقوب {وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّى } وهي العصمة والتوفيق في الاستمساك بعروة الإسلام {لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ } من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك {أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } الفاء للعطف على محذوف تقديره أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين ولا معذبين، والمعنى أن هذه حال المؤمنين وهو أن لا يذوقوا إلا الموتة الأولى بخلاف الكفار فإنهم فيما يتمنون فيه الموت كل ساعة. وقيل لحكيم: ما شر من الموت؟ قال: الذي يتمنى فيه الموت. وهذا قول يقوله المؤمن تحدثاً بنعمة الله يسمع من قرينه ليكون توبيخاً له وزيادة تعذيب. و {موتتنا} نصب على المصدر والاستثناء متصل تقديره ولا نموت إلا مرة، أو منقطع وتقديره لكن الموتة الأولى قد كانت في الدنيا. ثم قال لقرينه تقريعاً له {إِنَّ هَٰذَا } أي الأمر الذي نحن فيه {لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ }. ثم قال الله عز وجل {لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ } وقيل: هو أيضاً من كلامه.

{أَذٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً } تمييز {أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ } أي نعيم الجنة وما فيها من اللذات والطعام والشراب خير نزلاً أم شجرة الزقوم خير نزلاً؟ والنزل ما يقام للنازل بالمكان من الرزق، والزقوم: شجرة مر يكون بتهامة {إِنَّا جَعَلْنَـٰهَا فِتْنَةً لِّلظَّـٰلِمِينَ } محنة وعذاباً لهم في الآخرة أو ابتلاء لهم في الدنيا، وذلك أنهم قالوا: كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر فكذبوا {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِى أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ } قيل منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءوُسُ ٱلشَّيَـٰطِينِ } الطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها، وشبه برءوس الشياطين للدلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر، لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض. وقيل: الشيطان حية عرفاء قبيحة المنظر هائلة جداً.

{فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا } من الشجرة أي من طلعها {فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ } فمالئون بطونهم لما يغلبهم من الجوع الشديد {ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا } على أكلها {لَشَوْباً } لخلطاً ولمزاجاً {مِّنْ حَمِيمٍ } ماء حار يشوي وجوههم ويقطع أمعاءهم كما قال في صفة شراب أهل الجنة { وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ } [المطففين: 27] والمعنى ثم إنهم يملئون البطون من شجرة الزقوم وهو حار يحرق بطونهم ويعطشهم فلا يسقون إلا بعد مليء تعذيباً لهم بذلك العطش ثم يسقون ما هو أحر وهو الشراب المشوب بالحميم. {ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ } أي أنهم يذهب بهم عن مقارهم ومنازلهم في الجحيم وهي الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم فيأكلون إلى أن يمتلئوا ويسقون بعد ذلك ثم يرجعون إلى دركاتهم، ومعنى التراخي في ذلك ظاهر {إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ فَهُمْ عَلَىٰ ءَاثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ } علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد بتقليد الآباء في الدين واتباعهم إياهم في الضلال وترك اتباع الدليل. والإهراع: الإسراع الشديد كأنهم يحثون حثاً {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ } قبل قومك قريش {أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ } يعني الأمم الخالية بالتقليد وترك النظر والتأمل {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ } أنبياء حذروهم العواقب {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ } أي الذين أنذروا وحذروا أي أهلكوا جميعاً {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } أي إلا الذين آمنوا منهم وأخلصوا لله دينهم أو أخلصهم الله لدينه على القراءتين.

ولما ذكر إرسال المنذرين في الأمم الخالية وسوء عاقبة المنذرين أتبع ذلك ذكر نوح ودعاءه إياه حين أيس من قومه بقوله {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ } دعانا لننجيه من الغرق. وقيل: أريد به قوله { أَنّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ } [القمر: 10] {فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ } اللام الداخلة على «نعم» جواب قسم محذوف، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره ولقد نادانا نوح فوالله لنعم المجيبون نحن، والجمع دليل العظمة والكبرياء. والمعنى إنا أجبناه أحسن الإجابة ونصرناه على أعدائه وانتقمنا منهم بأبلغ ما يكون {وَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ } ومن آمن به وأولاده {مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ } وهو الغرق {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَـٰقِينَ } وقد فنى غيرهم. قال قتادة: الناس كلهم من ذرية نوح وكان لنوح عليه السلام ثلاثة أولاد: سام وهو أبو العرب وفارس والروم، وحام وهو أبو السودان من المشرق إلى المغرب، ويافث وهو أبو الترك ويأجوج ومأجوج. {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلآخِرِينَ } من الأمم هذه الكلمة وهي {سَلَـٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍ } يعني يسلمون عليه تسليماً ويدعون له وهو من الكلام المحكي كقولك «قرأت سورة أنزلناها» {فِى ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي ثبت هذه التحية فيهم جميعاً ولا يخلو أحد منهم منها كأنه قيل: ثبت الله التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين يسلمون عليه عن آخرهم {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } علل مجازاته بتلك التكرمة السنية بأنه كان محسناً {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ } ثم علل كونه محسناً بأنه كان عبداً مؤمناً ليريك جلالة محل الإيمان وأنه القصارى من صفات المدح والتعظيم {ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلأَخَرِينَ } أي الكافرين.