خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ
٤٥
إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ
٤٦
وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ
٤٧
وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ
٤٨
هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ
٤٩
جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ
٥٠
مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ
٥١
وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ
٥٢
هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ
٥٣
إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ
٥٤
هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ
٥٥
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ
٥٦
هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ
٥٧
وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ
٥٨
هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ
٥٩
قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ
٦٠
قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ
٦١
وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ
٦٢
أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار
٦٣
إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ
٦٤
قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ
٦٥
رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ
٦٦
قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ
٦٧
أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ
٦٨
مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
٦٩
إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ
٧٠

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{وَٱذْكُرْ عِبَادَنَا } {عَبْدَنَا } مكي. {إِبْرٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ } فمن جمع فـ {إِبْرَاهِيمَ } ومن بعده عطف بيان على {عِبَادِنَا } ومن وحد فـ {إبراهيم} وحده عطف بيان له، ثم عطف ذريته على {عَبْدَنَا }ولما كانت أكثر الأعمال تباشر بالأيدي غلبت فقيل في كل عمل هذا مما عملت أيديهم وإن كان عملاً لا تتأتى فيه المباشرة بالأيدي، أو كان العمال جذماً لا أيدي لهم وعلى هذا ورد قوله {أُوْلِى ٱلأَيْدِى وَٱلأَبْصَـٰرِ } أي أولي الأعمال الظاهرة والفكر الباطنة كأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ولا يجاهدون في الله ولا يتفكرون أفكار ذوي الديانات في حكم الزمني الذين لا يقدرون على إعمال جوارحهم والمسلوبي العقول الذين لا استبصار لهم، وفيه تعريض بكل من لم يكن من عمال الله ولا من المستبصرين في دين الله وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتأمل مع كونهم متمكنين منهما {إِنَّا أَخْلَصْنٰهُمْ } جعلناهم لنا خالصين {بِخَالِصَةٍ } بخصلة خالصة لا شوب فيها. {ذِكْرَى ٱلدَّارِ } {ذِكْرِى } في محل النصب أو الرفع بإضمار «أعني»، أو «هي»، أو الجر على البدل من بـ {خَالِصَة } والمعنى إنا أخلصناهم بذكرى الدار، والدار هنا: الدار الآخرة يعني جعلناهم لنا خالصين بأن جعلناهم يذكرون الناس الدار الآخرة ويزهدونهم في الدنيا كما هو ديدن الأنبياء عليهم السلام، أو معناه أنهم يكثرون ذكر الآخرة والرجوع إلى الله وينسون ذكر الدنيا بخالصة ذكرى الدار، على الإضافة مدني ونافع وهي من إضافة الشيء إلى ما يبينه، لأن الخالصة تكون ذكرى وغير ذكرى. و {ذِكْرى } مصدر مضاف إلى المفعول أي بإخلاصهم ذكرى الدار. وقيل: خالصة بمعنى خلوص فهي مضافة إلى الفاعل أي بأن خلصت لهم ذكرى الدار على أنهم لا يشوبون ذكرى الدار بِهمٍ آخر، إنما همهم ذكرى الدار لا غير. وقيل: ذكرى الدار الثناء الجميل في الدنيا، وهذا شيء قد أخلصهم به فليس يذكر غيرهم في الدنيا بمثل ما يذكرون به يقويه قوله { وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً } [مريم: 50] {وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ } المختارين من بين أبناء جنسهم {ٱلأَخْيَارِ } جمع خير أو خير على التخفيف كأموات في جمع ميت أو ميت.

{وَٱذْكُرْ إِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ } كأن حرف التعريف دخل على «يسع» {وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ } التنوين عوض عن المضاف إليه أي وكلهم {مِّنَ ٱلأَخْيَارِ هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَـئَابٍ } أي هذا شرف وذكر جميل يذكرون به أبداً، وإن لهم مع ذلك لحسن مرجع يعني يذكرون في الدنيا بالجميل ويرجعون في الآخرة إلى مغفرة رب جليل. ثم بين كيفية حسن ذلك المرجع فقال {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } بدل من {حسن مـئاب} {مُّفَتَّحَةً } حال من {جَنَّـٰت} لأنها معرفة لإضافتها إلى {عَدْنٍ } وهو علم، والعامل فيها ما في {لّلْمُتَّقِينَ } من معنى الفعل {لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ } ارتفاع الأبواب بأنها فاعل {مُّفَتَّحَةً } والعائد محذوف أي مفتحة لهم الأبواب منها فحذف كما حذف في قوله { فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ } [النازعات: 39] أي لهم أو أبوابها إلا أن الأول أجود، أو هي بدل من الضمير في {مُّفَتَّحَةً } وهو ضمير الجنات تقديره مفتحة هي الأبواب وهو من بدل الاشتمال {مُتَّكِئِينَ } حال من المجرور في {لَهُمْ } والعامل {مُّفَتَّحَةً } {فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَـٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ } أي وشراب كثير فحذف اكتفاء بالأول {وَعِندَهُمْ قَـٰصِرٰتُ ٱلطَّرْفِ } أي قصرن طرفهن على أزواجهن {أَتْرَابٌ } لدات أسنانهن كأسنانهم لأن التحاب بين الأقران أثبت كأن اللدات سمين أتراباً لأن التراب مسهن في وقت واحد.

{هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ } وبالياء: مكي وأبو عمر {لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ } أي ليوم تجزى كل نفس بما عملت {إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ } من انقطاع والجملة حال من الرزق والعامل الإشارة. {هَـٰذَا } خبر والمبتدأ محذوف أي الأمر هذا أو هذا كما ذكر { وَإِنَّ لِلطَّـٰغِينَ لَشَرَّ مَأَبٍ} مرجع {جَهَنَّمَ } بدل منه {يَصْلَوْنَهَا } يدخلونها {فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } شبه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفترشه النائم {هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ } أي هذا حميم وغساق فليذوقوه، فـ {هَـٰذَا } مبتدأ و {حَمِيم} خبر {وَغَسَّاقٌ } بالتشديد: حمزة وعلي وحفص. والغساق بالتشديد والتخفيف ما يغسق من صديد أهل النار، يقال: غسقت العين إذا سال دمعها. وقيل: الحميم يحرق بحره والغساق يحرق ببرده {وَءَاخرُ} أي وعذاب آخر أو مذوق آخر {مِن شَكْلِهِ } من مثل العذاب المذكور. {وأَخر} بصري أي ومذوقات أخر من شكل هذا المذوق في الشدة والفظاعة {أَزْوٰجٌ } صفة لـ {ءَاخَرَ }لأنه يجوز أن يكون ضروباً {هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ } هذا جمع كثيف قد اقتحم معكم النار أي دخل النار في صحبتكم. والاقتحام: الدخول في الشيء بشدة، والقحمة: الشدة، وهذه حكاية كلام الطاغين بعضهم مع بعض أي يقولون هذا والمراد بالفوج اتباعهم الذين اقتحموا معهم الضلالة فيقتحمون معهم العذاب {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ } دعاء منهم على أتباعهم تقول لن تدعو له مرحباً أي أتيت رحباً من البلاد لا ضيقاً أو رحبت بلادك رحباً ثم تدخل عليه «لا» في دعاء السوء، وبهم بيان للمدعو عليهم {إِنَّهُمْ صَالُو ٱلنَّارِ } أي داخلوها وهو تعليل لاستيجابهم الدعاء عليهم. وقيل: {هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ } كلام الخزنة لرؤساء الكفرة في أتباعهم، و {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو ٱلنَّارِ } كلام الرؤساء. وقيل: هذا كله كلام الخزنة.

{قَالُواْ } أي الأتباع {بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ } أي الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به، وعللوا ذلك بقوله {أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا } والضمير للعذاب أو لصليهم أي انكم دعوتمونا إليه فكفرنا باتباعكم {فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ } أي النار {قَالُواْ } أي الأتباع {رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً } أي مضاعفاً {فِى ٱلنَّارِ } ومعناه ذا ضعف. ونحوه قوله {رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا فَـئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا } وهو أن يزيد على عذابه مثله {وَقَالُواْ } الضمير لرؤساء الكفرة {مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً } يعنون فقراء المسلمين {كُنَّا نَعُدُّهُمْ } في الدنيا {مِّنَ ٱلأَشْرَارِ } من الأرذال الذين لا خير فيهم ولا جدوى {اتَّخَذْنَـٰهُمْ سِخْرِيّاً } بلفظ الإخبار: عراقي غير عاصم على أنه صفة لـ {رِجَالاً } مثل {كُنَّا نَعُدُّهُمْ مّنَ ٱلأَشْرَارِ } وبهمزة الاستفهام: غيرهم على أنه إنكار على أنفسهم في الاستسخار منهم، {سُخرِياً }مدني وحمزة وعلي وخلف والمفضل {أَمْ زَاغَتْ } مالت {عَنْهُمُ ٱلأَبْصَـٰرُ } هو متصل بقوله {مَا لَنَا } أي ما لنا لا نراهم في النار كأنهم ليسوا فيها بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها، قسموا أمرهم بين أن يكونوا من أهل الجنة وبين أن يكونوا من أهل النار إلا أنه خفي عليهم مكانهم {إِنَّ ذٰلِكَ } الذي حكينا عنهم {لَحَقٌّ} لصدق كائن لا محالة لا بد أن يتكلموا به. ثم بين ما هو فقال: هو {تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ } ولما شبه تقاولهم وما يجري بينهم من السؤال والجواب بما يجري بين المتخاصمين سماه تخاصماً، ولأن قول الرؤساء {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ } وقول أتباعهم: {بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ } من باب الخصومة فسمى التقاول كله تخاصماً لاشتماله على ذلك.

{قُلْ } يا محمد لمشركي مكة {إِنَّمَا أَنَاْ مُنذِرٌ } ما أنا إلا رسول منذر أنذركم عذاب الله تعالى {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ } وأقول لكم إن دين الحق توحيد الله وأن تعتقدوا أن لا إله إلا الله {ٱلْوَاحِدُ } بلا ند ولا شريك {ٱلْقَهَّارُ } لكل شيء {رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } له الملك والربوبية في العالم كله {ٱلْعَزِيزُ } الذي لا يغلب إذا عاقب {ٱلْغَفَّارُ } لذنوب من التجأ إليه {قُلْ هُوَ } أي هذا الذي أنبأتكم به من كوني رسولاً منذراً وأن الله واحد لا شريك له {نَبَؤُا عظِيمٌ } لا يعرض عن مثله إلا غافل شديد الغفلة. ثم {أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ } غافلون {مَا كَانَ لِىَ } حفص {مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَـَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } احتج لصحة نبوته بأن ما ينبىء به عن الملإ الأعلى واختصامهم أمر ما كان له به من علم قط، ثم علمه ولم يسلك الطريق الذي يسلكه الناس في علم ما لم يعلموا وهو الأخذ من أهل العلم وقراءة الكتب، فعلم أن ذلك لم يحصل له إلا بالوحي من الله تعالى. {إِن يُوحَىٰ إِلَىَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أي لأنما أنا نذير مبين ومعناه ما يوحى إلي إلا للإنذار فحذف اللام وانتصب بإفضاء الفعل إليه، ويجوز أن يرتفع على معنى ما يوحى إلي إلا هذا وهو أن أنذر وأبلغ ولا أفرط في ذلك أي ما أومر إلا بهذا الأمر وحده وليس لي غير ذلك. وبكسر {إِنَّمَا } يزيد على الحكاية أي إلا هذا القول وهو أن أقول لكم إنما أنا نذير مبين ولا أدعي شيئاً آخر. وقيل: النبأ العظيم قصص آدم والإنباء به من غير سماع من أحد. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: القرآن. وعن الحسن: يوم القيامة. والمراد بالملإ الأعلى أصحاب القصة: الملائكة وآدم وإبليس، لأنهم كانوا في السماء وكان التقاول بينهم و {إِذْ يَخْتَصِمُونَ } متعلق بمحذوف إذ المعنى ما كان لي من علم بكلام الملإ الأعلى وقت اختصامهم.