خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ
٥٦
قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ
٥٧
قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّالِمِينَ
٥٨
وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ
٥٩
وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّٰكُم بِٱلَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
٦٠
وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ
٦١
ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَاسِبِينَ
٦٢
قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ
٦٣
قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ
٦٤
قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ
٦٥
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ
٦٦
لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
٦٧
-الأنعام

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي صرفت وزجرت بأدلة العقل والسمع عن عبادة ما تعبدون من دون الله {قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ } أي لا أجري في طريقتكم التي سلكتموها في دينكم من اتباع الهوى دون اتباع الدليل، وهو بيان سبب الذي منه وقعوا في الضلال {قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً } أي إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال {وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ } وما أنا من المهتدين في شيء يعني أنكم كذلك ولما نفي أن يكون الهوى متبعاً نبه على ما يجب اتباعه بقوله {قُلْ إِنّي عَلَىٰ بَيّنَةٍ مِّن رَّبّي } أي إني من معرفة ربي وأنه لا معبود سواه على حجة واضحة {وَكَذَّبْتُم بِهِ } حيث أشركتم به غيره. وقيل: على بينة من ربي على حجة من جهة ربي وهو القرآن وكذبتم به بالبينة، وذكر الضمير على تأويل البرهان أو البيان أو القرآن. ثم عقبه بما دل على أنهم أحقاء بأن يعاقبوا بالعذاب فقال {مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } يعني العذاب الذي استعجلوه في قولهم { فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء } [الأنفال: 32] {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ } في تأخير عذابكم {يَقُصُّ ٱلْحَقَّ } حجازي وعاصم أي يتبع الحق والحكمة فيما يحكم به ويقدره من قص أثره. الباقون {يَقْضِ ٱلْحَقّ } في كل ما يقضي من التأخير والتعجيل، والحق صفة لمصدر يقضي وقوله {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَـٰصِلِينَ } أي القاضين بالقضاء الحق إذ الفصل هو القضاء، وسقوط الياء من الخط لاتباع اللفظ لالتقاء الساكنين {قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى } أي في قدرتي وإمكاني {مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } من العذاب {لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } لأهلكتكم عاجلاً غضباً لربي {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّـٰلِمِينَ } فهو ينزل عليكم العذاب في وقت يعلم أنه أردع.

{وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } المفاتح جمع مفتح وهو المفتاح، أو هي خزائن العذاب والرزق، أو ما غاب عن العباد من الثواب والعقاب والآجال والأحوال. جعل للغيب مفاتح على طريق الاستعارة لأن المفاتح يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالأغلاق والأقفال، ومن علم مفاتحها وكيفية فتحها توصل إليها فأراد أنه هو المتوصل إلى المغيبات وحده لا يتوصل إليها غيره كمن عنده مفاتح أقفال المخازن ويعلم فتحها فهو المتوصل إلى ما في المخازن. قيل: عنده مفاتح الغيب وعندك مفاتح الغيب، فمن آمن بغيبه أسبل الله الستر على عيبه {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرّ } من النبات والدواب {وَٱلْبَحْرِ } من الحيوان والجواهر وغيرهما {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا } «ما» للنفي و «من» للاستغراق أي يعلم عددها وأحوالها قبل السقوط وبعده {وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَـٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ } عطف على {وَرَقَةٍ } وداخل في حكمها وقوله {إِلاَّ فِي كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ } كالتكرير لقوله {إِلاَّ يَعْلَمُهَا } لأن معنى {إِلاَّ يَعْلَمُهَا } ومعنى {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ } واحد وهو علم الله أو اللوح. ثم خاطب الكفرة بقوله{وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ } أي يقبض أنفسكم عن التصرف بالتمام في المنام {وَيَعْلَمَ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ } كسبتم فيه من الآثام {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ } ثم يوقظكم في النهار، أو التقدير ثم يبعثكم في النهار ويعلم ما جرحتم فيه فقدم الكسب لأنه أهم، وليس فيه أنه لا يعلم ما جرحنا بالليل ولا أنه لا يتوفانا بالنهار فدل أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه {لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مّسَمًّى } لتوفى الآجال على الاستكمال {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } رجوعكم بالبعث بعد الموت {ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } في ليلكم ونهاركم. قال بعض أهل الكلام: أن لكل حاسة من هذه الحواس روحاً تقبض عند النوم ثم ترد إليها إذا ذهب النوم، فأما الروح التي تحيا بها النفس فإنها لا تقبض إلا عند انقضاء الأجل. والمراد بالأرواح المعاني والقوى التي تقوم بالحواس ويكون بها السمع والبصر والأخذ والمشي والشم. ومعنى {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ } أي يوقظم ويرد إليكم أرواح الحواس فيستدل به على منكري البعث لأنه بالنوم يذهب أرواح هذه الحواس ثم يردها إليها فكذا يحيي الأنفس بعد موتها.

{وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً } ملائكة حافظين لأعمالكم وهم الكرام الكاتبون ليكون ذلك أزجر للعباد عن ارتكاب الفساد إذا تفكروا أن صحائفهم تقرأ على رؤوس الأشهاد {حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ } «حتى» لغاية حفظ الأعمال أي وذلك دأب الملائكة مع المكلف مدة الحياة إلى أن يأتيه الممات {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } أي استوفت روحه وهم ملك الموت وأعوانه {توفيه} و {استوفيه} بالإمالة: حمزة { رُسُلُنَا } أبو عمرو {وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ } لا يتوانون ولا يؤخرون {ثُمَّ رُدُّواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ } إلى حكمه وجزائه أي رد المتوفون برد الملائكة {مَوْلَـٰهُمُ } مالكهم الذي يلي عليهم أمورهم {ٱلْحَقِّ } العدل الذي لا يحكم إلا بالحق وهما صفتان لله {أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ } يومئذ لا حكم فيه لغيره {وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَـٰسِبِينَ } لا يشغله حساب عن حساب يحاسب جميع الخلق في مقدار حلب شاة وقيل: الرد إلى من رباك خير من البقاء مع من آذاك.

{قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ } {يُنَجِّيكُمْ } ابن عباس {مِّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ } مجاز عن مخاوفهما وأهوالهما، أو ظلمات البر الصواعق والبحر الأمواج وكلاهما في الغيم والليل {تَدْعُونَهُ } حال من ضمير المفعول في {يُنَجِّيكُمْ } {تَضَرُّعًا } معلنين الضراعة وهو مصدر في موضع الحال، وكذا {وَخُفْيَةً } أي مسرين في أنفسكم {خفية} حيث كان: أبو بكر وهما لغتان {وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَـٰنَا } عاصم وبالإمالة حمزة وعلي. الباقون {أَنْجَيْتَنَا } والمعنى يقولون لئن خلصنا {مِنْ هَـٰذِهِ } الظلمات {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ } لله تعالى {قُلِ ٱللَّهُ يُنَجّيكُمْ } بالتشديد كوفي {مِّنْهَا } من الظلمات {وَمِن كُلِّ كَرْبٍ } وغم وحزن {ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ } ولا تشكرون.

{قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ } هو الذي عرفتموه قادراً أو هو الكامل القدرة فاللام يحتمل العهد والجنس {عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ } كما أمطر على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل الحجارة{أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } كما غرّق فرعون وخسف بقارون، أو من قبل سلاطينكم وسفلتكم، أو هو حبس المطر والنبات {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً } أو يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة منكم مشايعة لإمام. ومعنى خلطهم أن ينشب القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } يقتل بعضكم بعضاً. والبأس السيف وعنه عليه الصلاة والسلام "سألت الله تعالى أن لا يبعث على أمتي عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني وأخبرني جبريل أن فناء أمتي بالسيف" {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرّفُ ٱلآيَـٰتِ } بالوعد والوعيد {لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ * وَكَذَّبَ بِهِ} بالقرآن أو بالعذاب {قَوْمُكَ } قريش {وَهُوَ ٱلْحَقُّ } أي الصدق أو لا بد أن ينزل بهم {قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } بحفيظ وكل إليّ أمركم إنما أنا منذر {لِكُلِّ نَبَاءٍ } لكل شيء ينبأ به يعني إنباءهم بأنهم يعذبون وإيعادهم به {مُّسْتَقَرٌّ} وقت استقرار وحصول لا بد منه {وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } تهديد.