خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
٨٣
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ
٨٤
وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ
٨٥
وَإِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَالَمِينَ
٨٦
وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَٱجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
٨٧
ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٨٨
أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ
٨٩
أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ
٩٠
وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
٩١
وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ
٩٢
-الأنعام

مدارك التنزيل وحقائق التأويل

{وَتِلْكَ حُجَّتُنَا } إشارة إلى جميع ما احتج به إبراهيم عليه السلام على قومه من قوله {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ } إلى قوله { وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } {ءاتَيْنَـٰهَا إِبْرٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ } وهو خبر بعد خبر {نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاءُ } في العلم والحكمة وبالتنوين كوفي وفيه نقض قول المعتزلة في الأصلح {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ } بالرفع {عَلِيمٌ } بالأهل.

{وَوَهَبْنَا لَهُ } لإبراهيم {إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا } أي كلهم وانتصب {كَلاَّ } بـ {هَدَيْنَا } {وَنُوحاً هَدَيْنَا } أي وهدينا نوحاً {مِن قَبْلُ } من قبل إبراهيم {وَمِن ذُرّيَّتِهِ } الضمير لنوح أو لإبراهيم، والأوّل أظهر لأن يونس ولوطاً لم يكونا من ذرية إبراهيم {دَاوُدَ وَسُلَيْمَـٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ } والتقدير: وهدينا من ذريته هؤلاء {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ } ونجزي المحسنين جزاء مثل ذلك، فالكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ } أي كلهم {مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } وذكر عيسى معهم دليل على أن النسب يثبت من قبل الأم أيضاً لأنه جعله من ذرية نوح عليه السلام وهو لا يتصل به إلا بالأم، وبذا أجيب الحجاج حين أنكر أن يكون بنو فاطمة أولاد النبي عليه السلام {وَإِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ } {والليسع} حيث كان بلامين: حمزة وعلي {وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } بالنبوة والرسالة {وَمِنْ ءَابَائِهِمْ } في موضع النصب عطفاً على {كُلاَّ } أي وفضلنا بعض آبائهم {وَذُرّيَّـٰتِهِمْ وَإِخْوٰنِهِمْ وَٱجْتَبَيْنَـٰهُمْ وَهَدَيْنَـٰهُمْ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ * ذٰلِكَ } أي ما دان به هؤلاء المذكورون {هُدَى ٱللَّهِ } دين الله {يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } فيه نقض قول المعتزلة لأنهم يقولون إن الله شاء هداية الخلق كلهم لكنهم لم يهتدوا {وَلَوْ أَشْرَكُواْ } مع فضلهم وتقدمهم وما رفع لهم من الدرجات العلىٰ {لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } لبطلت أعمالهم كما قال { لئن أشركت ليحبطن عملك } [الزمر: 65]

أُوْلَـٰئكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } يريد الجنس {وَٱلْحُكْمَ } والحكمة أو فهم الكتاب {وَٱلنُّبُوَّةَ } وهي أعلى مراتب البشر {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا } بالكتاب والحكم والنبوة أو بآيات القرآن {هَٰـؤُلآء } أي أهل مكة {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً } هم الأنبياء المذكورون ومن تابعهم بدليل قوله: {أُوْلَٰـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } أو أصحاب النبي عليه السلام، أوكل من آمن به أو العجم. ومعنى توكيلهم بها أنهم وفقوا للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكل الرجل بالشيء ليقوم به ويتعهده ويحافظ عليه. والباء في {لَّيْسُواْ بِهَا } صلة {كَـٰفِرِينَ } وفي {بِكَـٰفِرِينَ } لتأكيد النفي {أُوْلَٰـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ } أي الأنبياء الذين مر ذكرهم {فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } فاختص هداهم بالاقتداء ولا تقتد إلا بهم، وهذا معنى تقديم المفعول. والمراد بهداهم طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع فهي مختلفة، والهاء في {ٱقْتَدِهْ } للوقف تسقط في الوصل، واستحسن إيثار الوقف لثبات الهاء في المصحف ويحذفها حمزة. وعلى في الوصل ويختلسها: شامي. {قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ } على الوحي أو على تبليغ الرسالة والدعاء إلى التوحيد {أَجْراً } جعلاً. وفيه دليل على أن أخذ الأجر على تعليم القرآن ورواية الحديث لا يجوز {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ } ما القرآن إلا عظة للجن والإنس {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مّن شَيْءٍ} أي ما عرفوه حق معرفته في الرحمة على عباده حين أنكروا بعثة الرسل والوحي إليهم، وذلك من أعظم رحمته { وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } [الأنبياء: 107] رُوي أن جماعة من اليهود ـ منهم مالك بن الصيف ـ كانوا يجادلون النبي عليه السلام فقال النبي عليه السلام له "أليس في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين" قال: نعم. قال: "فأنت الحبر السمين" فغضب وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء. و {حَقَّ قَدْرِهِ } منصوب نصب المصدر.

{قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَاء بِهِ مُوسَىٰ نُوراً } حال من الضمير في {بِهِ } أو {مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } {وَهُدًى لّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرٰطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً } مما فيه نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي بعضوه وجعلوه قراطيس مقطعة وورقات مفرقة ليتمكنوا مما راموا من الإبداء والإخفاء. وبالياء في الثلاثة: مكي وأبو عمرو {وَعُلِّمْتُمْ } يا أهل الكتاب بالكتاب {مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَاؤُكُمْ } من أمور دينكم ودنياكم {قُلِ ٱللَّهُ } جواب أي أنزله الله فإنهم لا يقدرون أن يناكروك {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ } في باطلهم الذي يخوضون فيه {يَلْعَبُونَ } حال من {ذَرْهُمْ } أو {مِنْ خَوْضِهِمْ } {وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ } على نبينا عليه السلام {مُّبَارَكٌ } كثير المنافع والفوائد {مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } من الكتب {وَلِتُنذِرَ } وبالياء: أبو بكر، أي الكتاب وهو معطوف على ما دل عليه صفة الكتاب كأنه قيل: أنزلناه للبركات وتصديق ما تقدمه من الكتب والإنذار {أُمَّ ٱلْقُرَىٰ } مكة، وسميت أم القرى لأنها سرة الأرض وقبلة أهل القرى وأعظمها شأناً ولأن الناس يؤمونها {وَمَنْ حَوْلَهَا } أهل الشرق والغرب {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ } يصدقون بالعاقبة ويخافونها {يُؤْمِنُونَ بِهِ } بهذا الكتاب فأصل الدين خوف العاقبة فمن خافها لم يزل به الخوف حتى يؤمن {وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } خصت الصلاة بالذكر لأنها علم الإيمان وعماد الدين فمن حافظ عليها يحافظ على أخواتها ظاهراً.