خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ ٱلْكَافِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ
٢
إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ
٣
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ
٤
-يونس

لباب التأويل في معاني التنزيل

قوله سبحانه وتعالى: {أكان للناس عجباً} قال ابن عباس: سبب نزول هذه الآية أن الله عز وجل لما بعث محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً أنكرت العرب ذلك ومن أنكر منهم قال: الله أعظم من أن يكون له رسول بشر مثل محمد فقال الله سبحانه وتعالى: {أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم} وقال سبحانه وتعالى: { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً } [يوسف: 109] الآية والهمزة في أكان همزة استفهام ومعناه الإنكار والتوبيخ والمعنى لا يكون ذلك عجباً {أن أوحينا إلى رجل منهم} والعجب حالة تعتري الإنسان من رؤية شيء على خلاف العادة. وقيل: العجب حالة تعتري الإنسان عند الجهل بسبب الشيء ولهذا قال بعض الحكماء: العجب ما لا يعرف سببه والمراد بالناس هنا أهل مكة وبالرجل محمد صلى الله عليه وسلم منهم يعني من أهل مكة من قريش يعرفون نسبه وصدقه وأمانته {أن أنذر الناس} يعني خوفهم بعقاب الله تعالى إن أصروا على الكفر والمخالفة والإنذار إخبار مع تخويف كما أن البشارة إخبار مع سرور وهو قوله سبحانه وتعالى: {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} اختلفت عبارات المفسرين وأهل اللغة في معنى قدم صدق. فقال ابن عباس: أجراً حسناً بما قدموا من أعمالم. وقال الضحاك: ثواب صدق. وقال مجاهد: الأعمال الصالحة صلاتهم وصومهم وصدقتهم وتسبيحهم. وقال الحسن:عمل صالح أسلفوه يقدمون عليه. وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنه قال: سبقت لهم السعادة في الذكر الأول يعني في اللوح المحفوظ. وقال زيد ابن اسلم: هو شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم وهو قول قتادة. وقيل: لهم منزلة رفيعة عند ربهم وأضيف القدم إلى الصدق وهو نعته كقوله مسجد الجامع وصلاة الأولى وحب الحصيد والفائدة في هذه الإضافة التنبيه على زيادة الفضل ومدح القدم لأن كل شيء أضيف إلى الصدق فهو ممدوح ومثله في مقعد صدق، وقال أبو عبيدة: كل سابق في خير أو شر فهو عند العرب قدم. يقال: لفلان قدم في الإسلام وقدم في الخير ولفلان عندي قدم صدق وقدم سوء. قال حسان بن ثابت:

لنا القدم العليا إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابع

وقال الليث وأبو الهيثم القدم السابق والمعنى أنه قد سبق لهم عند الله خير قال ذو الرمة:

وأنت امرؤ من أهل بيت ذؤابة لهم قدم معروفة ومفاخر

والسبب في إطلاق لفظ القدم على هذه المعاني أن السعي والسبق لا يحصل إلا بالقدم فسمى المسبب باسم السبب كما سميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد. وقال ذو الرمة:

لكم قدم لا ينكر الناس أنها مع الحسب العادي طمت على البحر

معناه لكم سابقة عظيمة لا ينكرها الناس وقال آخر.

صل لذي العرش واتخذ قدماً تنجيك يوم العثار والزلل

وقوله سبحانه وتعالى: {قال الكافرون إن هذا لساحر مبين} وقرئ: لساحر مبين وفيه حذف تقديره أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم فلما جاءهم بالوحي وأنذرهم قال الكافرون: إن هذا لساحر، يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم، وإنما نسبوه إلى السحر لما أتاهم بالمعجزات الباهرات التي لا يقدر أحد من البشر أن يحصل مثلها، ومن قرأ السحر فإنهم عنوا به القرآن المنزل عليه وإنما نسبوه إلى السحر لأن فيه الإخبار بالبعث والنشور وكانوا ينكرون ذلك.
قوله عز وجل: {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} تقدم تفسير هذا في سورة الأعراف بما فيه كفاية.
وقوله سبحانه وتعالى: {يدبر الأمر} قال مجاهد: يقضيه وحده. وقيل: معنى التدبير، تنزيل الأمور في مراتبها وعلى أحكام عواقبها. وقيل: إنه سبحانه وتعالى يقضي ويقدر على حسب مقتضى الحكمة وهو النظر في أدبار الأمور وعواقبها لئلا يدخل في الوجود ما لا ينبغي. وقيل: معناه إنه سبحانه وتعالى يدبر أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض فلا يحدث حدث في العالم العلوي ولا في العالم السفلي إلا بإرادته وتدبيره وقضائه وحكمته {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} يعني: لا يشفع عنده شافع يوم القيامة إلا من بعد أن يأذن له في الشفاعة لأنه عالم بمصالح عباده وبموضع الصواب والحكمة في تدبيرهم فلا يجوز لأحد أن يسأله ما ليس له به علم فإذا أذن له في الشفاعة كان له أن يشفع فيمن يأذن له فيه وفيه رد على كفار قريش في قولهم: إن الأصنام تشفع لهم عند الله يوم القيامة فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه لأن له التصرف المطلق في جميع العالم {ذلكم الله ربكم} يعني الذي خلق هذه الأشياء ودبرها هو ربكم وسيدكم لا رب لكم سواه {فاعبدوه} أي فاجعلوا عبادتكم له لا لغيره لأنه المستحق للعبادة بما أنعم عليكم من النعم العظيمة {أفلا تذكرون} يعني أفلا تتعظون وتعتبرون بهذه الدلائل والآيات التي تدل على وحدانيته سبحانه وتعالى: {إليه مرجعكم جميعاً} يعني إلى ربكم الذي خلق جميع المخلوقات مصيركم جميعاً أيها الناس يوم القيامة والمرجع بمعنى الرجوع {وعد الله حقاً} يعني وعدكم الله ذلك وعداً حقاً {إنه يبدأ الخلق ثم يعيده} أي يحييهم ابتداء ثم يميتهم ثم يحييهم وهذا معنى قول مجاهد فإنه قاله يحييه ثم يميته ثم يحييه.
وفي هذه الآية دليل على إمكان الحشر والنشر والمعاد وصحة وقوعه ورد على منكري البعث ووقوعه، لأن القادر على خلق هذه الأجسام المؤلفة والأعضاء المركبة على غير مثال سبق، قادر على إعادتها بعد تفرقها بالموت والبلى، فيركب تلك الأجزاء المتفرقة تركيباً ثانياً ويخلق الإنسان الأول مرة أخرى وكما لم يمتنع تعلق هذه النفس بالبدن في المرة الأولى لم يمتنع تعلقها بالبدن مرة أخرى وإذا ثبت القول بصحة المعاد والبعث بعد الموت كان المقصود منها إيصال الثواب للمطيع والعقاب للعاصي وهو قوله سبحانه وتعالى: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} يعني بالعدل لا ينقص من أجورهم شيئاً {والذين كفروا لهم شراب من حميم} هو ماء حار قد انتهى حره {وعذاب أليم بما كانوا يكفرون}.