خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

بَلْ مَتَّعْنَا هَـٰؤُلاۤءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ
٤٤
قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ
٤٥
وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يٰويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ
٤٦
وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ
٤٧
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ
٤٨
ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ
٤٩
وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ
٥٠
وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ
٥١
إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ
٥٢
قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ
٥٣
قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٥٤
قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ
٥٥
قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ
٥٦
وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ
٥٧
-الأنبياء

لباب التأويل في معاني التنزيل

{بل متعنا هؤلاء} يعني الكفار {وآباءهم} أي في الدنيا بأن أنعمنا عليهم وأمهلناهم {حتى طال عليهم العمر} أي امتد بهم الزمان فاغتروا {أفلا يرون} يعني هؤلاء المشركين {أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} يعني ننقص من أطراف المشركين، ونزيد من أطراف المؤمنين يريد بذلك ظهور النبي صلى الله عليه وسلم وفتحه ديار الشرك أرضاً فأرضاً وقرية فقرية، والمعنى أفلا يرى هؤلاء المشركون بالله المستعجلون بالعذاب آثار قدرتنا في إتيان الأرض من جوانبها بأخذ الواحد، بعد الواحد وفتح البلاد والقرى مما حول مكة وإدخالها في ملك محمد صلى الله عليه وسلم، وموت رؤوس المشركين المتنعمين بالدنيا. أما كان لهم عبرة في ذلك فيؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويعلموا أنهم لا يقدرون على الامتناع منا ومن إرادتنا فيهم ثم قال {أفهم الغالبون} استفهام بمعنى التقريع معناه بل نحن الغالبون وهم المغلوبون {قل} يا محمد {إنما أنذركم بالوحي} أي أخوفكم بالقرآن {ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون} أي يخوفون {ولئن مستهم} أي أصابتهم {نفحة من عذاب ربك} قال ابن عباس طرف وقيل شيء قليل {ليقولن يا ويلنا إن كنا ظالمين} دعوا على أنفسهم بالويل بعد ما أقروا على أنفسهم بالظلم والشرك. وقوله عزّ وجلّ {ونضع الموازين القسط} أي ذوات العدل ومعنى وصفها بذلك لأن الميزان قد يكون مستقيماً وقد يكون بخلافه فبين أن تلك الموازين تجري على حد العدل ومعنى وضعها إحضارها {ليوم القيامة} أي لأهل يوم القيامة قيل المراد بالميزان العدل والقسط بينهم في الأعمال، فمن أحاطت حسناته بسيئاته فاز ونجا وبالعكس ذل وخسر، والصحيح الذي عليه أئمة السلف أن الله سبحانه وتعالى يضع الموازين الحقيقية ويزن بها أعمال العباد، وقال الحسن هو ميزان له كفتان ولسان وأكثر الأقوال أنه ميزان واحد وإنما جمع لاعتبار تعدد الأعمال الموزونة به. وروي أن داود عليه الصلاة والسلام سأل ربه عزّ وجلّ أن يريه الميزان فأراه كل كفته ما بين المشرق والمغرب فلما رآه غشي عليه، ثم فاق فقال إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟ قال يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة. فعلى هذا ففي كيفية وزن الأعمال مع أنها أعراض طريقان: أحدهما: أن توضع صحائف الأعمال فتوضع صحائف الحسنات في كفة، وصحائف السيئات في كفة. والثاني: أن يجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة. فإن قلت كيف تصنع بقوله ونضع الموازين القسط مع قوله فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً.
قلت هذه في حق الكفار لأنهم ليس لهم أعمال توزن مع الكفر. وقوله تعالى {فلا تظلم نفس شيئاً} يعني لا تبخس مما لها وما عليها من خير وشر شيئاً {وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها} معناه أنه لا ينقص من إحسان محسن، ولا يزاد في إساءة مسيء، وأراد بالحبة الجزء اليسير من الخردل، ومعنى أتينا بها يعني أحضرناها لنجازي بها. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
"إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مد البصر، ثم يقول أتنكر من هذا شيئاً، أظلمك كتبتي الحافظون، فيقول لا يارب، فيقول أفلك عذر، فيقول لا يا رب. فيقول الله تعالى بلى إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول أحضر وزنك فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقال إنك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله شيء" أخرجه الترمذي. السجل الكتاب الكبير، وأصله من التسجيل لأنه يجمع أحكاماً, والبطاقة ورقة صغيرة تجعل في طي الثوب يكتب فيها ثمنه، والطيش الخفة، قلت في الحديث دليل على أن صحائف الأعمال هي التي توزن, لا أن الأعمال تتجسد جواهر فتوزن والله أعلم. قوله تعالى {وكفى بنا حاسبين} قال ابن عباس معناه كفى بنا عالمين حافظين لأن من حسب شيئاً فقد علمه وحفظه، والغرض منه التحذير فإن المحاسب إذا كان في العلم بحيث لا يمكن أن يشتبه عليه شيء وفي القدرة بحيث لا يعجز عن شيء فحقيق بالعاقل أن يكون بأشد الخوف منه ويروى عن الشبلي أنه رؤي في المنام فقيل له ما فعل الله بك فقال:

حاسبونا فدققوا ثم منوا فأعتقوا
هكذا سيمة الملو ك بالمماليك يرفقوا

قوله عزّ وجلّ {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان} يعني الكتاب المفرق بين الحق والباطل وهو التوراة، وقيل الفرقان النصر على الأعداء فعلى هذا يكون {وضياء} يعني التوراة ومن قال الفرقان هو التوراة جعل الواو زائدة في وضياء والمعنى آتينا موسى التوراة ضياء {وذكراً للمتقين} يعني يتذكرون بمواعظها ويعملون بما فيها {الذين يخشون ربهم بالغيب} أي يخافونه ولم يروه، وقيل يخافونه في الخلوات إذا غابوا عن أعين الناس {وهم من الساعة مشفقون} أي خائفون {وهذا ذكر مبارك أنزلناه} أي كما آتينا موسى التوراة، فكذلك أنزلنا القرآن ذكراً مباركاً، أي هو ذكر لمن آمن به مبارك يتبرك به ويطلب منه الخير {أفأنتم} يا أهل مكة {له منكرون} أي جاحدون. قوله تعالى {ولقد آتينا إبراهيم رشده} أي صلاحه وهداه {من قبل} أي من قبل موسى وهرون، وقيل من قبل البلوغ وهو حين خرج من السرب وهو صغير {وكنا به عالمين} أي إنه من أهل الهداية والنبوة {إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل} يعني الصور والأصنام {التي أنتم لها عاكفون} أي مقيمون على عبادتها {قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين} أي فاقتدينا بهم {قال} يعني إبراهيم {لقد كنتم أنتم وآباءكم في ضلال مبين} أي في خطأ بين بعبادتكم إياها {قالوا أجئتنا بالحق} أي بالصدق {أم أنت من اللاعبين} يعنون أجاد أنت فيما تقول أم أنت لاعب {قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن} أي خلقهن {وأنا على ذلكم من الشاهدين} أي على أنه الإله الذي يستحق العبادة، وقيل شاهد على أنه خالق السموات والأرض {وتالله لأكيدن أصنامكم} أي لأمكرن بها {بعد أن تولوا مدبرين} أي منطلقين إلى عيدكم، قيل إنما قال إبراهيم هذا القول سراً في نفسه، ولم يسمع ذلك إلا رجل واحد من قومه فأفشاه عليه، وهو القائل إنا سمعنا فتى يذكرهم، وقيل كان لهم في كل سنة مجمع وعيد فكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها ثم رجعوا إلى منازلهم فلما كان ذلك العيد قال أبو إبراهيم يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا فخرج معهم إبراهيم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه إلى الأرض وقال إني سقيم أشتكي رجلي فتركوه ومضوا، فنادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس تالله لأكيدن أصنامكم فسمعوها منه، ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة وهن في بهو عظيم، ومستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه صنم أصغر منه والأصنام جنبها إلى جنب بعض كل صنم الذي يليه أصغر منه وهكذا إلى باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً بين يدي الآلهة وقالوا إذا رجعنا وقد بركت الآلهة عليه أكلنا منه، فلما نظر إبراهيم إليهم وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال لهم على طريق الاستهزاء { ألا تأكلون } [الصافات: 91] فلما لم يجيبوه { ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضرباً باليمين } [الصافات: 92-93] وجعل يكسرهن بفأس في يده حتى إذا لم يبق إلا الصنم العظيم، علق الفأس في عنقه، وقيل في يده ثم خرج.