خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً
٢١
وَلَوْ قَـٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً
٢٢
سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً
٢٣
وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً
٢٤
-الفتح

لباب التأويل في معاني التنزيل

قوله تعالى: {وأخرى لم تقدروا عليها} يعني وعدكم الله فتح بلدة أخرى لم تقدروا عليها {قد أحاط الله بها} يعني حفظها لكم حتى تفتحوها ومنعها من غيركم حتى تأخذوها، وقال ابن عباس: علم الله أن يفتحها لكم واختلفوا فيها فقال ابن عباس: هي فارس والروم وما كانت العرب تقدر على قتال فارس والروم بل كانوا خولاً لهم حتى أقدرهم الله عليها بشرف الإسلام وعزه. وقيل: هي خيبر وعدها الله نبيه صلى الله عليه وسلم قبل أن يصيبها ولم يكونوا يرجونها ففتحها الله لهم. وقيل: هي مكة. وقيل: هو كل فتح فتحه المسلمون أو يفتحونه إلى آخر الزمان {وكان الله على كل شيء قديراً} أي: من فتح القرى والبلدان لكم وغير ذلك {ولو قاتلكم الذين كفروا} أي أسد وغطفان وأهل خيبر {لَولّوا الأدبار} أي لانهزموا عنكم {ثم لا يجدون ولياً ولا نصيراً} يعني من تولى الله خلذلانه فلا ناصر له ولا مساعد {سنة الله التي قد خلت من قبل} يعني هذه سنة الله في نصر أوليائه وقهر أعدائه {ولن تجد لسنة الله تبديلاً} قوله عز وجل: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم} سبب نزول هذه الآية ما روي عن أنس بن مالك: "أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين يريدون غدر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ فأخذهم سبايا فاستحياهم فأنزل الله تعالى وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أطفركم عليهم" انفرد بإخراجه مسلم "وقال عبد الله بن مغفل المزني: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله في القرآن وعلى ظهره غصن من أغصان تلك الشجرة فرفعته عن ظهره وعلي بن أبي طالب بين يديه يكتب كتاب الصلح فخرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: جئتم في عهد أو هل جعل لكم أحد أماناً قالوا اللهم لا فخلى سبيلهم" .
ومعنى الآية، أن الله تعالى ذكر منته بحجزه بين الفريقين حتى لم يقتلوا وحتى اتفق بينهم الصلح الذي كان أعظم من الفتح وهو قوله تعالى: {وهو الذي كف أيديهم عنكم} يعني أيدي أهل مكة {وأيديكم عنهم} أي قضى بينهم وبينكم بالمكافة والمحاجرة {ببطن مكة} قيل: أراد به الحديبية. وقيل: التنعيم وقيل: وادي مكة {من بعد أن أظفركم عليهم} أي مكنكم منهم حتى ظفرتم بهم {وكان الله بما تعملون بصيراً} قوله عز وجل: { هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام } }. [الفتح: 25] (ذكر صلح الحديبية)
روى الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه يريد زيارة البيت لا يريد قتالاً وساق معه سبعين بدنة والناس سبعمائة رجل وكانت كل بدنة عن عشرة نفر فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة وبعث عيناً له من خزاعة يخبره عن قريش. وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريباً من عسفان أتى عتبة الخزاعي. وقال: إن قريشاً قد جمعوا لك جموعاً وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أشيروا عليّ أيها الناس أترون أن أميل على ذراري هؤلاء الذين عاونوهم فنصيبهم فإن قعدوا قعدوا موتورين وإن نجوا تكن عنقاً قطعها الله أو ترون أن نؤم البيت لا نريد قتال أحد ولا حرباً فمن صدنا عنه قاتلناه. فقال أبو بكر: يا رسول الله إنما جئت عامداً لهذا البيت لا تريد قتال أحد ولا حرباً فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه قال: امضوا على اسم الله فنفذوا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش فانطلق يركض نذيراً لقريش. وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت راحلته فقال الناس: حل حل. فألحت فقالوا خلأت القصواء فقال النبي صلى الله عليه وسلم من خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ثم قال: والذي نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يعظمون فيها حرمات الله وفيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها فوثبت. قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتربضه الناس تربضاً فلم يلبث الناس أن نزحوه. وشكا الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم العطش، فنزع سهماً من كنانته وأعطاه رجلاً من أصحابه يقال له ناجية بن عمير وهو سائق بدن النبي صلى الله عليه وسلم فنزل في البئر فغرزه في جوفه. فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا على أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنا لم نجىء لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاؤوا ماددتهم ويخلوا بيني وبين الناس فإن أظهر.
فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل الناس فيه فعلوا وإلا فقد جموا وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذن الله أمره. فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشاً، فقال إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولاً فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته. قال: سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم فقام عروة بن مسعود الثقفي، فقال: أي قوم، ألستم بالولد؟ قالوا: بلى. قال: أولست بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ؟ فلما ألحّوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا الرجل قد عرض عليكم خطة رشد فأقبلوها ودعوني آتية قالوا ائته فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحواً من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: يا محمد أرأيت إن استأصلت قومك فهل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك وإن تكن الأخرى فإني والله لأرى وجوهاً وإني لأرى أشواباً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك فقال له أبو بكر رضي الله عنه: امصص بظر اللات أنحن نفرُّ عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد لك عندي ولم أجزك بها لأجبتك. قال وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنصل السيف. وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم. فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا قالوا المغيرة بن شعبة فقال: أي غدر ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة قد صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء.
ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينه قال: فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمر ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون في وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون النظر إليه تعظيماً له فرجع عروة إلى أصحابه وقال: أي قوم. والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي. والله إن رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً والله ما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره.
وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه. وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون النظر إليه تعظيماً له وقد عرض عليكم خطة رشد فأقبلوها فقال رجل من كنانة: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم: وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فلان من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعث له واستقبله الناس يلبون فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت. ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة وكان يومئذ سيد الأحابيش فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه، فلما رأى الهدي يسيل إليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاماً لما رأى فقال: يا معشر قريش إني قد رأيت ما لا يحل صد الهدى في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله قالوا له: اجلس فإنما أنت رجل أعرابي لا علم لك. فغضب الحليس عند ذلك وقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم أيصد عن بيت الله من جاءه معظماً له؟ والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحبيش نفرة رجل واحد. فقالوا: مه كفَّ عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال: دعوني آته. فقال: ائته فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو قال معمر فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل قال النبي صلى الله عليه وسلم: قد سهل لكم من أمركم قال معمر قال الزهري في حديثه فجاء سهيل بن عمرو فقال هات أكتب بيننا وبينكم كتاباً فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب فقال المسلمون والله ما نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: اكتب باسمك اللهم. ثم قال له: اكتب هذا ما قضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال سهيل لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن هذا البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله. قال الزهري وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وعلي أن يخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به فقال سهيل: والله لأتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من العام المقبل فكتب فقال سهيل وعلي أن لا يأتيك منا رجلاً وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين من جاء مسلماً.
وروي عن البراء قصة الصلح وفيها قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئاً ولكن أنت محمد بن عبد الله قال: أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله ثم قال لعلي: امحِ رسول الله. قال: لا والله لا أمحوك أبداً قال: فأرنيه، فأراه إياه فمحاه النبي صلى الله عليه وسلم بيده. وفي رواية، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن أن يكتب فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله قال البراء: على ثلاثة أشياء على أن من أتاه من المشركين رده إليهم ومن أتاه من المسلمين لم يردوه وعلى أن يدخلها من قابل ويقيم ثلاثة أيام ولا يدخلها بجلباب السلاح السيف والقوس ونحوه.
وروى ثابت عن أنس أن قريشاً صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم فاشترطوا أن من جاءنا منكم لم نرده عليكم ومن جاءكم منا رددتموه علينا فقالوا يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال: نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً.
(رجعنا إلى حديث الزهري)
قال بينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد انفلت وخرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل هذا: يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إليّ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نقض الكتاب بعد قال فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبداً. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأجره لي. قال: ما أنا بمجيره لك. قال: بلى فافعل. قال: ما أنا بفاعل. ثم جعل سهيل يجره ليرده إلى قريش. فقال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً ألا ترون ما لقيت، وكان قد عذب في الله عذاباً شديداً، وفي الحديث، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا جندل احتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك في المستضعفين فرجاً ومخرجاً إنَّا قد قعدنا بيننا وبين القوم عقداً وصلحاً وإنا لا نغدر، فوثب عمر إلى جنب أبي جندل وجعل يقول: اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون ودم أحدهم دم كلب ويدني السيف منه.
قال عمر: ورجوت أن يأخذ السيف فيضربه به فضن الرجل بأبيه وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا ذلك، دخل الناس أمر عظيم حتى كادوا يهلكون وزادهم أمر أبي جندل شرّاً إلى ما بهم.
قال عمر: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ قال الزهري في حديثه عن مروان والمسور وروى أبو وائل عن سهل بن حنيف قال عمر بن الخطاب فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقلت: ألست نبي الله حقاً؟ قال: بلى. قلنا: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل. قال: بلى. قلت: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار. قال: بلى. قلت: فلم نعط الدنية في ديننا إذا قال إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري قلت أولست كنت تحدثنا إنّا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى. أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه وتطوف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقاً؟ قال: بلى قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطى الدنية في ديننا؟ قال: أيها الرجل إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق. قلت: أليس كان يحدثنا أنه سيأتي البيت ويطوف به؟ قال: بلى. أفأخبرك أنه آتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك تأتيه وتطوف به. قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً، فلما فرغ من قضية الكتاب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا فوالله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم أحد منهم قام النبي صلى الله عليه وسلم فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. قالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك اخرج ثم لا تكلم منهم أحداً كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك ونحر بدنة ودعا حالقاً فحلقه، فلما رأوا ذلك، قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً قال ابن عمر وابن عباس: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله المحلقين. قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: يرحم المحلقين. قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: يرحم الله المحلقين والمقصرين قالوا: يا رسول الله فلم ظاهرت الترحم للمحلقين دون المقصرين. قال: لأنهم لم يشكوا.
قال ابن عمر: وذلك أنه تربص قوم وقالوا: لعلنا نطوف بالبيت.
قال ابن عباس: وأهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في هداياه جملاً لأبي جهل في رأسه برة من فضة ليغيظ المشركين بذلك. قال الزهري في حديثه: ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى
{ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات } [الممتحنه: 10]حتى بلغ { بعصم الكوافر } [الممتحنه: 10] فطلق عمر امرأتين يومئذ كانتا في الشرك فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية قال: فنهاهم أن يردوا النساء وأمرهم أن يردوا الصداق. قال: ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجاءه أبو بصير عتبة بن أسيد رجل من قريش وهو مسلم؛ وكان ممن حبس بمكة فكتب فيه أزهر بن عبد عوف والأخنس بن شريق الثقفي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثا في طلبه رجلاً من بني عامر بن لؤي ومعه مولى لهم فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالا: العهد الذي جعلت لنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ولا يصلح في ديننا الغدر وإن الله تعالى جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً ثم دفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى إذا بلغا ذا الحليفة نزلوا يأكلون من تمر لهم. فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا جيد، فاستله الآخر، فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت به. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأخذه، منه فضربه حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ذعراً. فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويلك ما لك؟ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول فوالله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشح السيف حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم فأنجاني الله تعالى منهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد.
فلما سمع ذلك، عرف أن يرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر وبلغ المسلمين الذين كانوا حبسوا بمكة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بصير ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد فخرج عصابة منهم إليه فانفلت أبو جندل فلحق بأبي بصير حتى اجتمع إليه قريب من سبعين رجلاً فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسلت إليهم فمن أتاه فهو آمن فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقدموا إليه المدينة وأنزل الله عز وجل: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم} حتى بلغ {حمية الجاهلية} وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم وحالوا بينه وبين هذا البيت أخرجه البخاري بطوله سوى ألفاظ منه وهي مستثناة في الحديث. منها قوله: فنزع سهماً من كنانته، وأعطاه رجلاً من أصحابه، إلى قوله: فوالله ما زال يجيش لهم بالري ومنها قوله ثم بعثوا الحليس بن علقمة إلى قوله فقالوا كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا بما نرضى به ومنها قوله هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، إلى قوله: وعليّ أن يخلوا بيننا وبين البيت. ومنها قوله: وروي عن البراء قصة الصلح، إلى قوله: رجعنا إلى حديث الزهري. ومنها قوله: وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا جندل، إلى قوله: قال عمر فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت ألست نبي الله حقاً؟ ومنها قوله: قال ابن عمر وابن عباس، إلى قوله: وقال الزهري في حديثه ثم جاء نسوة مؤمنات فهذه الألفاظ لم يخرجها البخاري في صحيحه.
(شرح غريب ألفاظ الحديث)
قوله: بضع عشرة، البضع: في العدد بالكسر وقد يفتح هو ما بين الثلاثة إلى التسعة. وقيل: ما بين الواحد إلى العشرة. قوله: وبعث عيناً له أي جاسوساً. قوله: وقد جمعوا لك الأحابيش: هم أحياء من القارة انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشاً. وقيل: هم حلفاء قريش وهم بنو الهون بن خزيمة وبنو الحارث بن عبد مناة وبنو المصطلق من خزاعة تحالفوا تحت جبل يقال له: حبش فسموا بذلك. وقيل: هو اسم واد بأسفل مكة. وقيل: سموا بذلك لتجمعهم. والتحبيش: التجمع. قوله: فإن قعدوا قعدوا موتورين، أي منقوصين. قوله: فنفذوا: أي مضوا وتخلصوا. قوله: إن خالد بن الوليد بالغميم، اسم موضع ومنه كراع الغميم. وقوله: طليعة الطليعة، الجماعة يبعثون بين يدي الجيش ليطلعوا على أخبار العدو. قوله: وقترة الجيش: هو الغبار الساطع معه سواد. قوله: يركض نذير، النذير: الذي يعلم القوم بالأمر الحادث. قوله: حلَ حل: هو زجر للناقة. قوله خلأت القصوا: يعني أنها لما توقفت عن المشي وتقهقرت ظنوا ذلك خللاً في خلقها وهو كالحران للفرس فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما خلأت أي ليس ذلك من خلقها ولكن حبسها حابس الفيل، أي منعها عن المسير. والذي منع الفيل عن مكة هو الله تعالى والقصوا اسم ناقة النبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن قصوا وهو شق الأذن. قوله: خطة، أي حالة وقضية يعظمون فيها حرمات الله جمع حرمة وهي فروضه وما يجب القيام به يريد بذلك حرمة الحرم ونحوه. قوله: حتى نزل بأقصى الحديبية بتخفيف الياء وتشديدها، وهي قرية ليست بالكبيرة سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة وبين الحديبية ومكة مرحلة وبينها وبين المدينة تسع مراحل. وقال ما لك: هي من الحرم. وقال ابن القصار: بعضها من الحل حكاه في المطالع. والثمد: الماء القليل الذي لا مادة له. والتربض: أخذ الشيء قليلاً قليلاً. وقوله: فما زال يجيش بالري، يقال: جاشت البئر بالماء إذا ارتفعت وفاضت. والري ضد العطش، والصد الرجوع بعد الورود. وقوله: وكانت خزاعة عيبة، نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال فلان عيبة نصح فلان إذا كان موضع سره وثقته في ذلك. قوله: نزلوا على أعداد مياه الحديبية، الماء العد: الكثير الذي لا انقطاع له كالعيون وجمعه أعداد. قوله: ومعهم العوذ المطافيل، العوذ: جمع عائذ وهي الناقة إذا وضعت إلى أن يقوى ولدها، وقيل: هي كل أنثى لها سبع ليال منذ وضعت. والمطافيل: جمع مطفل وهي الناقة معها فصيلها وهذه استعارة استعار ذلك للناس وأراد بهم أن معهم النساء والصبيان. قوله: وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب أي، أضرت بهم وأثَّرت فيهم. وقوله: ماددتهم أي جعلت بيني وبينهم مدة. قوله: وإلا فقد جموا، أي: استراحوا. والجمام: بالجيم الراحة بعد التعب. قوله: تنفرد سالفتي السالفة الصفحة والسالفتان صفحتا العنق. وقيل: السالفة حبل العنق وهو ما بينه وبين الكتف وهو كناية عن الموت لأنها لا تنفرد عنه إلا بالموت. قوله: إني استنفرت، يقال: استنفر القوم إذا دعاهم إلى قتال العدو، وعكاظ: اسم سوق كانت في الجاهلية معروفة. وقوله: بلحوا على فيه لغتان التخفيف والتشديد وأصل التبليح: الإعياء والفتور. والمراد: امتناعهم من إجابته وتقاعدهم عنه. قوله: استأصلت قومك. واجتاح: أصله من الاجتياح إيقاع المكروه بالإنسان ومنه الجائحة والاستئصال والاجتياح متقاربان في مبالغة الأذى. قوله: إني لأرى وجوهاً وأشواباً: الأشواب، مثل الأوباش وهم الأخلاط من الناس والرعاع. يقال: فلان خليق بذلك أي جدير لا يبعد ذلك من خلقه قوله امصص بظر اللات وهي اسم صنم لهم كانوا يعبدونه والبظر ما تقطعه الخافضة وهي الخاتنة من الهنة التي تكون في فرج المرأة وكان هذا اللفظ شتماً لهم يدور في ألسنتهم.
قوله: لولا يدلك عندي اليد النعمة وما يمتن به الإنسان على غيره. قوله: أي غدر معدول عن غادر وهو للمبالغة. وقوله: قد عرض عليكم خطة رشد، يقال: خطة رشد وخطة غيّ. والرشد والرشاد خلاف الغي والمراد منه أنه قد طلب منكم طريقاً واضحاً في هدى واستقامة. قوله: وهو من قوم يعظمون البدن أي الإبل تُهدى إلى البيت في حج أو عمرة، وتقليدها: هو أن يجعل في رقابها شيء كالقلادة من لحاء الشجر أو نعل أو غيره ليعلم بذلك أنه هدى. والإشعار: هو أن يشق جانب السنام فيسيل دمه عليه وقوله لما رأى الهدى يسيل عليه أي يقبل عليه كالسيل من عرض الوادي أي جانبه. وقوله: هذا مكرز وهو رجل فاجر. الفجور: الميل عن الحق وكل انبعاث في شر فهو فجور. قوله: هذا ما قاضى عليه، أي فاعل من القضاء وهو إحكام الأمر وإمضاؤه وهو في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقضاء الشيء وإتمامه. قوله: ضغطة، هو كناية عن القهر والضيق. قوله: بجلباب السلاح، بضم الجيم وسكون اللام مع تخفيف الباء ويروى بضم اللام أيضاً مع التشديد وهو وعاء من أدم شبه الجراب يوضع فيه السيف مغموداً ويعلق في مؤخرة الرحل. يرسُف بضم السين وكسرها لغتان، وهو: مشي المقيد. قوله: فأجره لي. قال ابن الأثير: يجوز أن يكون بالزاي من الإجازة أي اجعله جائزاً غير ممنوع ولا محرم أو أطلقه لي وإن كان بالراء المهملة فهو من الإجارة والحماية والحفظ وكلاهما صالح في هذا الموضوع.
قوله: فلم نعطى الدنية، أي القضية التي لا نرضى بها أي لم نرض بالأدون والأقل في ديننا؟ قوله: فاستمسك بغرزه الغرز لكور الناقة كالركاب لسرج الفرس والمعنى: فاستمسك به ولا تفارقه ساعة كما لا تفارق رجل الراكب غرز رحله فإنه على الحق الذي لا يجوز لأحد تركه. قوله: ويل أمه، هذه كلمة تقال للوافع فيما يكره ويتعجب بها أيضاً، ومسعر الحرب أي موقدها. يقال: سعرت النار وأسعرتها إذا أوقدتها. والمسعر: الخشب الذي توقد به النار وسيف البحر بكسر السين جانبه وساحله والله أعلم وأما تفسير الآية فقوله عز وجل: {هم الذين كفروا...}.