خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ
١٠٢
إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ
١٠٣
وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ
١٠٤
يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
١٠٥
-هود

البحر المحيط

الشقاء نكد العيش. وسوؤه. يقال منه: شقي يشقى شقاء وشقوة وشقاوة والسعادة ضده، يقال منه: سعد يسعد، ويعديان بالهمزة فيقال: أشقاه الله، وأسعده الله. وقد قرىء شقوا وسعدوا بضم الشين والسين، فدل على أنهما قد يتعدّيان. ومنه قولهم مسعود، وذكر أنّ الفراء حكى أن هذيلاً تقول: سعده الله بمعنى أسعده. وقال الجوهري: سعد بالكسر فهو سعيد، مثل سلم فهو سليم، وسعد فهو مسعود. وقال أبو نصر عبد الرحيم القشيري: ورد سعده الله فهو مسعود، وأسعده الله فهو مسعد.

{وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد. إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود وما نؤخره إلا لأجل معدود. يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد}: أي ومثل ذلك الأخذ أخذ الله الأمم السابقة أخذ ربك. والقرى عام في القرى الظالمة، والظلم يشمل ظلم الكفر وغيره. وقد يمهل الله تعالى بعض الكفرة. وأما الظلمة في الغالب فمعاجلون، وفي الحديث: "إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ: وكذلك أخذ ربك إذاً. وقرأ أبو رجاء والجحدري: وكذلك أخذ ربك، إذ أخذ على أنّ أخذ ربك فعل وفاعل، وإذ ظرف لما مضى، وهو إخبار عما جرب به عادة الله في إهلاك من تقدم من الأمم. وقرأ طلحة بن مصرف: وكذلك أحذ ربك هذا أخذ. قال ابن عطية: وهي قراءة متمكنة المعنى، ولكن قراءة الجماعة تعطي الوعيد واستمراره في الزمان، وهو الباب في وضع المستقبل موضع الماضي، والقرى مفعول بأخذ على الإعمال إذ تنازعه المصدر وهو: أخذ ربك، وأخذ، فاعمل الثاني وهي ظالمة جملة حالية إن أخذه أليم موجع صعب على المأخوذ. والأخذ هنا أخذ الإهلاك.

إنّ في ذلك أي: فيما قص الله من أخبار الأمم الماضية وإهلاكهم لآية لعلامة لمن خاف عذاب الآخرة، أي: إنهم إذا عذبوا في الدنيا لأجل تكذيبهم الأنبياء وإشراكهم بالله، وهي دار العمل فلأن يعذبوا على ذلك في الآخرة التي هي دار الجزاء أولى، وذلك أنّ الأنبياء أخبروا باستئصال من كذبهم، وأشركوا بالله. ووقع ما أخبروا به وفق إخبارهم، فدل على أنّ ما أخبروا به من البعث والجزاء صدق لا شك فيه. قال الزمخشري: لآية لمن خاف لعبرة له، لأنه ينظر إلى ما أحل الله بالمجرمين في الدنيا، وما هو إلا أنموذج مما أعد لهم في الآخرة، فإذا رأى عظمته وشدته اعتبر به من عظيم العذاب الموعود فيكون له عظة وعبرة ولطفاً في زيادة التقوى والخشية من الله ونحوه: { إنّ في ذلك لعبرة لمن يخشى } [النازعات: 26] ذلك إشارة إلى يوم القيامة الدال عليه قوله: عذاب الآخرة، والناس مفعول لم يسم فاعله رافعه مجموع، وأجاز ابن عطية أن يكون الناس مبتدأ، ومجموع خبر مقدم، وهو بعيد لإفراد الضمير في مجموع، وقياسه على إعرابه مجموعون، ومجموع له الناس عبارة عن الحشر، ومشهود عام يشهده الأولون والآخرون من الإنس والجن والملائكة والحيوان في قول الجمهور.

وقال الزمخشري: (فإن قلت): أي فائدة في أن أوثر اسم المفعول على فعله؟ (قلت): لما في اسم المفعول من دلالته على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنه لا بد أن يكون ميعاداً مضروباً لجمع الناس له، وأنه هو الموصوف بذلك صفة لازمة، وهو أثبت أيضاً لإسناد الجمع إلى الناس وأنهم لا ينفكون منه، وفيه من تمكن الوصف وثباته ما ليس في الفعل. ومعنى مشهود، مشهود فيه، فاتسع في الجار والمجرور ووصل الفعل إلى الضمير إجراء له مجرى المفعول به على السعة لقوله:

ويومـاً شهـدنـاه سليمــاً وعـامـراً

والمعنى: يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب عنه أحد، ومنه قولهم لفلان: مجلس مشهود، وطعام محضور. وإنما لم يجعل اليوم مشهوداً في نفسه كما قال: { فمن شهد منكم الشهر } [البقرة: 185] لأن الغرض وصف ذلك اليوم بالهول والعظم وغيره من بين الأيام، وكونه مشهوداً في نفسه لا يميزه، إذ هو موافق لسائر الأيام في كونها مشهودة. وما نؤخره أي: ذلك اليوم. وقيل: يعود على الجزاء قاله الحوفي، إلا لأجل معدود أي لقضاء سابق قد نفذ فيه بأجل محدود لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه. وقرأ الأعمش: وما يؤخره بالياء، وقرأ النحويان ونافع: يأتي بإثبات الياء وصلاً، وحذفها وقفاً، وابن كثير بإثباتها وصلاً ووقفاً، وهي ثابتة في مصحف أبيّ. وقرأ باقي السبعة بحذفها وصلاً ووقفاً، وسقطت في مصحف الإمام عثمان. وقرأ الأعمش يأتون، وكذا في مصحف عبد الله، وإثباتها وصلاً ووقفاً هو الوجه، ووجه حذفها في الوقف التشبيه بالفواصل، وقفاً ووصلاً التخفيف كما قالوا: لا أدرِ ولا أبالِ. وذكر الزمخشري أنّ الاجتزاء بالكسرة عن الياء كثير في لغة هذيل. وأنشد الطبري:

كفاك كف ما يليق درهماً جوداً وأخرى تعط بالسيف الدما

والظاهر أنّ الفاعل بيأتي ضمير يعود على ما عاد عليه الضمير في نؤخره وهو قوله: ذلك يوم، والناصب له لا تكلم، والمعنى: لا تكلم نفس يوم يأتي ذلك اليوم إلا بإذن الله، وذلك من عظم المهابة والهول في ذلك اليوم. وهو نظير: { لا يتكلمون إلا من إذن له الرحمن } [النبأ: 38] هو ناصب كقوله: { يوم يقوم الروح والملائكة صفاً } [النبأ: 38] والمراد بإتيان اليوم إتيان أهواله وشدائده، إذ اليوم لا يكون وقتاً لإتيان اليوم.

وأجاز الزمخشري أن يكون فاعل يأتي ضميراً عائداً على الله قال: كقوله: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله } [البقرة: 210] { أو يأتي أمر ربك } [النحل: 33] وجاء ربك، ويعضده قراءة وما يؤخره بالياء، وقوله: { بإذنه } [البقرة: 255] وأجاز أيضاً أن ينتصب يوم يأتي باذكر أو بالانتهاء المحذوف في قوله: إلا لأجل معدود، أي ينتهي الأجل يوم يأتي. وأجاز الحوفي أن يكون لا تكلم حالاً من ضمير اليوم المتقدم في مشهود، أو نعتاً لأنه نكره، والتقدير: لا تكلم نفس فيه يوم يأتي إلا بإذنه. وقال ابن عطية: لا تكلم نفس، يصح أن يكون جملة في موضع الحال من الضمير الذي في يأتي، وهو العائد على قوله ذلك يوم، ويكون على هذا عائد محذوف تقديره: لا تكلم نفس فيه إلا بإذنه. ويصح أن يكون قوله: لا تكلم نفس، صفة لقوله: يوم يأتي، أو يوم يأتي يراد به الحين والوقت لا النهار بعينه. وما ورد في القرآن من ذكر كلام أهل الموقف في التلازم والتساؤل والتجادل، فإما أن يكون بإذن الله، وإما أن يكون هذه مختصة هنا في تكلم شفاعة أو إقامة حجة انتهى. وكلامه في إعراب لا تكلم كأنه منقول من كلام الحوفي. وقيل: يوم القيامة يوم طويل له مواقف، ففي بعضها يجادلون عن أنفسهم، وفي بعضها يكفون عن الكلام فلا يؤذن لهم، وفي بعضها يؤذن لهم فيتكلمون، وفي بعضها يختم على أفواههم وتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم، والضمير في منهم عائد على الناس في قوله: مجموع له الناس. وقال الزمخشري: الضمير لأهل الموقف، ولم يذكروا إلا أن ذلك معلوم، ولأنّ قوله: لا تكلم نفس، يدل عليه، وقد مرّ ذكر الناس في قوله: مجموع له الناس. وقال ابن عطية فمنهم عائد على الجميع الذي تضمنه قوله: نفس، إذ هو اسم جنس يراد به الجميع انتهى. قال ابن عباس: الشقي من كتبت عليه الشقاوة، والسعيد الذي كتبت له السعادة. وقيل: معذب ومنعم، وقيل: محروم ومرزوق، وقيل: الضمير في منهم عائد على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ذكره ابن الأنباري.