خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا ٱلآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ
٤١
وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ
٤٢
-يوسف

البحر المحيط

البضع: ما بين الثلاث إلى التسع قاله قتادة. وقال مجاهد: من الثلاثة إلى السبعة، وقال أبو عبيدة: البضع لا يبلغ العقد ولا نصف العقد، وإنما هو من الواحد إلى العشرة. وقال الفراء: ولا يذكر البضع إلا مع العشرات، ولا يذكر مع مائة ولا ألف.

{يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمراً وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضيَ الأمر الذي فيه تستفتيان. وقال للذي ظنّ أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين}: لما ألقى إليهما ما كان أهم وهو أمر الدين رجاء في إيمانهما، ناداهما ثانياً لتجتمع أنفسهما لسماع الجواب، فروي أنه قال: لبنوّ: أما أنت فتعود إلى مرتبتك وسقاية ربك، وما رأيت من الكرامة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه. وقال لملحب: أما أنت فما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتصلب، فروي أنهما قالا: ما رأينا شيئاً، وإنما تحالمنا لنجرّبك. وروي أنه لم يقل ذلك إلا الذي حدثه بالصلب. وروي أنهما رأيا ثم أنكرا. وقرأ الجمهور: فيسقي ربه من سقى، وفرقة: فيسقي من أسقى، وهما لغتان بمعنى واحد. وقرىء في السبعة: نسقيكم ونسقيكم. وقال صاحب اللوامح: سقى وأسقى بمعنى واحد في اللغة، والمعروف أن سقاه ناوله ليشرب، وأسقاه جعل له سقياً. ونسب ضم الفاء لعكرمة والجحدري، ومعنى ربه. سيده. وقال ابن عطية: وقرأ عكرمة والجحدري: فيسقي ربه خمراً بضم الياء وفتح القاف، أي ما يرويه. وقال الزمخشري: وقرأ عكرمة فيسقى ربه، فيسقى ما يروى به على البناء للمفعول، ثم أخبرهما يوسف عليه السلام عن غيب علمه من قبل الله أنّ الأمر قد قضى ووافق القدر، وسواء كان ذلك منكما حلم، أو تحالم. وأفرد الأمر وإن كان أمر هذا، لأنّ المقصود إنما هو عاقبة أمرهما الذي أدخلا به السجن، هو اتهام الملك إياهما بسمه، فرأيا ما رأيا، أو تحالما بذلك، فقضيت وأمضيت تلك العاقبة من نجاة أحدهما، وهلاك الآخر. وقال أي: يوسف للذي ظن: أي أيقن هو أي يوسف: إنه ناج وهو الساقي. ويحتمل أن يكون ظن على بابه، والضمير عائد على الذي وهو الساقي أي: لما أخبره يوسف بما أخبره، ترجح عنده أنه ينجو، ويبعد أن يكون الظن على بابه، ويكون مسنداً إلى يوسف على ما ذهب إليه قتادة والزمخشري. قال قتادة: الظن هنا على بابه، لأن عبارة الرؤيا ظن. وقال الزمخشري: الظان هو يوسف عليه السلام إن كان تأويله بطريق الاجتهاد فيبعد، لأنه قوله: قضي الأمر، فيه تحتم ما جرى به القدر وإمضاؤه، فيظهر أن ذلك بطريق الوحي، إلا أن حمل قضي الأمر على قضى كلامي، وقلت ما عندي، فيجوز أن يعود على يوسف. فالمعنى أن يوسف عليه السلام قال لساقي الملك حين علم أنه سيعود إلى حالته الأولى مع الملك: اذكرني عند الملك أي: بعلمي ومكانتي وما أنا عليه مما آتاني الله، أو اذكرني بمظلمتي وما امتحنت به بغير حق. وهذا من يوسف على سبيل الاستعانة والتعاون في تفريج كربه، وجعله بإذن الله وتقديره سبباً للخلاص كما جاء عن عيسى عليه السلام: { من أنصاري إلى الله } [آل عمران: 52] وكما كان الرسول يطلب من يحرسه. والذي أختاره أن يوسف إنما قال لساقي الملك: اذكرني عند ربك ليتوصل إلى هدايته وإيمانه بالله، كما توصل إلى إيضاح الحق للساقي ورفيقه. والضمير في فأنساه عائد على الساقي، ومعنى ذكر ربه: ذكر يوسف لربه، والإضافة تكون بأدنى ملابسة. وإنساء الشيطان له بما يوسوس إليه من اشتغاله حتى يذهل عما قال له يوسف، لما أراد الله بيوسف من إجزال أجره بطول مقامه في السجن. وبضع سنين مجمل، فقيل: سبع، وقيل: اثنا عشر. والظاهر أن قوله: فلبث في السجن، إخبار عن مدّة مقامه في السجن، منذ سجن إلى أن أخرج. وقيل: هذا اللبث هو ما بعد خروج الفتيين وذلك سبع. وقيل: سنتان. وقيل: الضمير في أنساه عائد على يوسف. ورتبوا على ذلك أخباراً لا تليق نسبتها إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.