خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُواْ يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً
٢٧
يٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً
٢٨
فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً
٢٩
قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً
٣٠
وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً
٣١
وَبَرّاً بِوَٰلِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً
٣٢
وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً
٣٣
-مريم

البحر المحيط

{فأتت به} قيل إتيانها كان من ذاتها. قيل: طهرت من النفاس بعد أربعين يوماً وكان الله تعالى قد أراها آيات واضحات، وكلمها عيسى ابنها وحنت إلى الوطن وعلمت أن عيسى سيكفيها من يكلمها فعادت إلى قومها. وقيل: أرسلوا إليها لتحضري إلينا بولدك، وكان الشيطان قد أخبر قومها بولادتها وفي الكلام حذف أي فلما رأوها وابنها {قالوا} قال مجاهد والسدّي: الفري العظيم الشنيع. وقرأ أبو حيوة فيما نقل ابن عطية {فرياً} بسكون الراء، وفيما نقل ابن خالويه فرئاً بالهمز، و{هارون} شقيقها أو أخوها من أمّها، وكان من أمثل بني إسرائيل، أو {هارون} أخو موسى إذ كانت من نسله، أو رجل صالح من بني إسرائيل شبهت به، أو رجل من النساء وشبهوها به أقوال. والأولى أنه أخوها الأقرب. وفي حديث المغيرة حين خصمه نصارى نجران في قوله تعالى {يا أخت هارون} والمدة بينهما طويلة جداً فقال له الرسول: "ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم" . وأنكروا عليها ما جاءت به وأن أبويها كانا صالحين، فكيف صدرت منك هذه الفعلة القبيحة وفي هذا دليل على أن الفروع غالباً تكون زاكية إذا زكت الأصول، وينكر عليها إذا جاءت بضد ذلك.

وقرأ عمر بن لجا التيمي الشاعر الذي كان يهاجي جريراً {ما كان أبوك امرأ سوء} لجعل الخبر المعرفة والاسم النكرة وحسن ذلك قليلاً كونها فيها مسوع جواز الابتداء وهو الإضافة، ولما اتهموها بما اتهموها نفوا عن أبويها السوء لمناسبة الولادة، ولم ينصوا على إثبات الصلاح وإن كان نفي السوء يوجب الصلاح ونفي البغاء يوجب العفة لأنهما بالنسبة إليهما نقيضان. روي أنها لما دخلت به على قومها وهم أهل بيت صالحون تباكوا وقالوا ذلك. وقيل: هموا برجمها حتى تكلم عيسى فتركوها.

{فأشارت} أي هو الذي يجيبكم إذا ناطقتموه. وقيل: كان المستنطق لعيسى زكريا. ويروى أنهم لما أشاروا إلى الطفل قالوا: استخفافها بنا أشد علينا من زناها، ثم قالوا لها على جهة الإنكار والتهكم بها أي إن من كان في المهد يُربيّ لا يكلم، وإنما أشارت إليه لما تقدم لها من وعده أنه يجيبهم عنها ويغنيها عن الكلام. وقيل: بوحي من الله إليها. و{كان} قال أبو عبيدة: زائدة. وقيل: تامّة وينتصب {صبياً} على الحال في هذين القولين، والظاهر أنها ناقصة فتكون بمعنى صار أو تبقى على مدلولها من اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي، ولا يدل ذلك على الانقطاع كما لم يدل في قوله { وكان الله غفوراً رحيماً } [النساء: 96] وفي قوله { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة } [الإسراء: 32] والمعنى {كان} وهو الآن على ما كان، ولذلك عبر بعض أصحابنا عن {كان} هذه بأنها ترادف لم يزل وما ردّ به ابن الأنباري كونها زائدة من أن الزائدة لا خبر لها، وهذه نصبت {صبيا} خبراً لها ليس بشيء لأنه إذ ذاك ينتصب على الحال، والعامل فيها الاستقرار.

وقال الزمخشري: كان لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماض مبهم يصلح لقريبه وبعيده وهو ههنا لقريبه خاصة والدال عليه معنى الكلام وأنه مسوق للتعجب، ووجه آخر أن يكون {نكلم} حكاية حال ماضية أي كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس {صبياً}.

{في المهد صبيا} فيما سلف من الزمان حتى نكلم هذا انتهى. والظاهر أن {من} مفعول بنكلم. ونقل عن الفراء والزجّاج أن {من} شرطية و{كان} في معنى يكن وجواب الشرط محذوف تقديره فكيف {نكلم} وهو قول بعيد جداً. وعن قتادة أن {المهد} حجر أمه. وقيل: سريره. وقيل: المكان الذي يستقر عليه. وروي أنه قام متكئاً على يساره وأشار إليهم بسبابته اليمنى، وأنطقه الله تعالى أولاً بقوله {إني عبد الله آتاني الكتاب} ردّاً للوهم الذي ذهبت إليه النصارى.

وفي قوله {عبد الله} والجمل التي بعده تنبيه على براءة أمّه مما اتهمت به لأنه تعالى لا يخص بولد موصوف بالنبوة والخلال الحميدة إلاّ مبرأة مصطفاة و{الكتاب} الإنجيل أو التوراة أو مجموعهما أقوال. وظاهر قوله {وجعلني نبياً} أنه تعالى نبأه حال طفوليته أكمل الله عقله واستنبأه طفلاً. وقيل: إن ذلك سبق في قضائه وسابق حكمه، ويحتمل أن يجعل الآتي لتحققه كأنه قد وجد {وجعلني مباركاً} قال مجاهد: نفاعاً. وقال سفيان: معلم خير. وقيل: آمراً بمعروف، ناهياً عن منكر. وعن الضحاك: قضاء للحوائج و{أينما كنت} شرط وجزاؤه محذوف تقديره {جعلني مباركاً} وحذف لدلالة ما تقدم عليه، ولا يجوز أن يكون معمولاً لجعلني السابق لأن {أين} لا يكون إلاّ استفهاماً أو شرطاً لا جائز أن يكون هنا استفهاماً، فتعينت الشرطية واسم الشرط لا ينصبه فعل قبله إنما هو معمول للفعل الذي يليه، والظاهر حمل الصلاة والزكاة على ما شرع في البدن والمال. وقيل: {الزكاة} زكاة الرؤوس في الفطر. وقيل الصلاة الدعاء، و{الزكاة} التطهر.

و{ما} في {ما دمت} مصدرية ظرفية. وقال ابن عطية. وقرأ {دمت} بضم الدال عاصم وجماعة. وقرأ {دمت} بكسر الدال أهل المدينة وابن كثير وأبو عمرو انتهى. والذي في كتب القراءات أن القراء السبعة قرؤوا {دمت حياً} بضم الدال، وقد طالعنا جملة من الشواذ فلم نجدها لا في شواذ السبعة ولا في شواذ غيرهم على أنها لغة تقول {دمت} تدام كما قالوا مت تمات، وسبق أنه قرىء {وبراً} بكسر الباء فإما على حذف مضاف أي وذا بر، وإما على المبالغة جعل ذاته من فرط بره، ويجوز أن يضمر فعل في معنى أوصاني وهو كلفني لأن أوصاني بالصلاة وكلفنيها واحد، ومن قرأ {وبراً} بفتح الباء، فقال الحوفي وأبو البقاء: إنه معطوف على {مباركاً} وفيه بعد للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالجملة التي هي {أوصاني} ومتعلقها، والأولى إضمار فعل أي وجعلني {براً}. وحكى الزهراوي وأبو البقاء أنه قرىء وبر بكسر الباء والراء عطفاً على {بالصلاة والزكاة}.

وقوله: {بوالدتي} بيان محل البر وأنه لا والد له، وبهذا القول برأها قومها. والجبار كما تقدم المتعاظم وكان في غاية التواضع يأكل الشجر ويلبس الشعر ويجلس على التراب حيث جنه الليل لا مسكن له، وكان يقول: سلوني فإني لين القلب صغير في نفسي، والألف واللام في {والسلام} للجنس. قال الزمخشري: هذا التعريف تعريض بلعنة متهمي مريم وأعدائهما من اليهود، وحقيقته أن اللام للجنس فإذا قال: وجنس السلام على خاصة فقد عرض بأن ضده عليكم، ونظيره { والسلام على من اتبع الهدى } [طه: 47] يعني إن العذاب على من كذب وتولى، وكان المقام مقام مناكرة وعناد فهو مئنة لنحو هذا من التعريض. وقيل: أل لتعريف المنكر في قصة يحيى في قوله {وسلام} نحو { كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً } [المزمل: 15] فعصى فرعون الرسول أي وذلك السلام الموجه إلى يحيى في المواطن الثلاثة موجه إليّ. وسبق القول في تخصيص هذه المواطن.

وقرأ زيد بن علي {يوم ولدت} أي يوم ولدتني جعله ماضياً لحقته تاء التأنيث ورجح وسلام عليّ والسلام لكونه من الله وهذا من قول عيسى عليه السلام. وقيل: سلام عيسى أرجح لأنه تعالى أقامه في ذلك مقام نفسه فسلم نائباً عن الله.