خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١
مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٢
يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ
٣
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ
٤
يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ
٥
إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ
٦
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
٧
أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ
٨
-فاطر

البحر المحيط

هذه السورة مكية. ولما ذكر تعالى في آخر السورة التي قبلها هلاك المشركين أعداء المؤمنين، وأنزلهم منازل العذاب، تعين على المؤمنين حمده تعالى وشكره لنعمائه ووصفه بعظيم آلائه، كما في قوله: { فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين } [الأَنعام: 45].

وقرأ الضحاك والزهري: فطر، جعله فعلاً ماضياً ونصب ما بعده. قال أبو الفضل الرازي: فأما على إضمار الذي فيكون نعتاً لله عز وجل، وأما بتقدير قد فيما قبله فيكون بمعنى الحال. انتهى. وحذف الموصول الاسمي لا يجوز عند البصريين، وأما الحال فيكون حالاً محكية، والأحسن عندي أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي هو فطر، وتقدم شرح {فاطر السماوات والأرض}، وأن المعنى خالقها بعد أن لم تكن، والسماوات والأرض عبارة عن العالم.

وقال أبو عبد الله الرازي: الحمد يكون في غالب الأمر على النعمة، ونعم الله عاجلة، و { الحمد لله الذين خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور } [الأَنعام: 1]، إشارة إلى أن النعمة العاجلة ودليله: { هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً } [الأَنعام: 2]، و { الحمد لله الذين أنزل على عبده الكتاب } [الكهف: 1]، إشارة إليها أيضاً، وهي الاتقاء، فإن الاتقاء والصلاح بالشرع والكتاب. والحمد في سورة سبأ إشارة إلى نعمة الإيجاد والحشر، ودليله: { يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها } [سبأ: 2] منها، وقوله: { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة } [سبأ: 3]، وهنا إشارة إلى نعمة البقاء في الآخرة، ودليله: { وتتلقاهم الملائكة } [الأَنبياء: 103]. ففاطر السموات والأرض شاقهما لنزول الأرواح من السماء، وخروج الأجساد من الأرض دليله: {جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة}: أي في ذلك اليوم. فأول هذه السورة متصل بآخر ما مضى، لأن كما فعل بأشياعهم من قبل بيان لانقطاع رجاء من كان في شك مريب. ولما ذكر حالهم ذكر حال المؤمن وبشره بإرسال الملائكة إليهم مبشرين، وأنه يفتح لهم أبواب الرحمة.

وقرأ الحسن: جاعل بالرفع، أي هو جاعل؛ وعبد الوارث عن أبي عمرو: وجاعل رفعاً بغير تنوين، الملائكة نصباً، حذف التنوين لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن يعمر، وخليد بن نشيط: جعل فعلاً ماضياً، الملائكة نصباً، وذلك بعد قراءته فاطر بألف، والجر كقراءة من قرأ: { فالق الإصباح وجعل الليل سكناً } [الأَنعام: 96]. وقرأ الحسن، وحميد بن قيس: رسلاً بإسكان السين، وهي لغة تميم. وقال الزمخشري: وقرىء الذي فطر السموات والأرض وجعل الملائكة. فمن قرأ: فطر وجعل، فينبغي أن تكون هذه الجمل إخباراً من العبد إلى ما أسداه إلينا من النعم، كما تقول: الفضل لزيد أحسن إلينا بكذا خولنا كذا، يكون ذلك جهة بيان لفعله الجميل، كذلك يكون في قوله: فطر، جعل، لأن في ذلك نعماً لا تحصى. ومن قرأ: وجاعل، فالأظهر أنهما اسما فاعل بمعنى المضي، فيكونان صفة لله، ويجيء الخلاف في نصب رسلاً. فمذهب السيرافي أنه منصوب باسم الفاعل، وإن كان ماضياً لما لم يمكن إضافته إلى اسمين نصب الثاني. ومذهب أبي علي أنه منصوب بإضمار فعل، والترجيح بين المذهبين مذكور في النحو. وأما من نصب الملائكة فيتخرج على مذهب الكسائي وهشام في جواز إعمال الماضي النصب، ويكون إذ ذاك إعرابه بدلاً. وقيل: هو مستقبل تقديره: يجعل الملائكة رسلاً، ويكون أيضاً إعرابه بدلاً. ومعنى رسلاً بالوحي وغيره من أوامره، ولا يريد جميع الملائكة لأنهم ليسوا كلهم رسلاً. فمن الرسل: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، والملائكة المتعاقبون، والملائكة المسددون حكام العدل وغيرهم، كالملك الذي أرسله الله إلى الأعمى والأبرص والاقرع.

و{أجنحة} جمع جناح، صيغة جمع القلة، وقياس جمع الكثرة فيه جنح على وزن فعل، فإن كان لم يسمع كان أجنحة مستعملاً في القليل والكثير. وتقدم الكلام على مثنى وثلاث ورباع في أول النساء مشبعاً، ولكن المفسرون تعرضوا لكلام فيه هنا، فقال الزمخشري: مثنى وثلاث ورباع صفات الأجنحة، وإنما لم تنصرف لتكرار العدل فيها، وذلك أنها عدلت عن ألفاظ الإعداد من صيغ إلى صيغ أخر، كما عدل عمر عن عامر، وحذام عن حاذمة، وعن تكرير إلى غير تكرير. وأما بالوصفية، فلا تقترن الحال فيها بين المعدولة والمعدول عنها. ألا تراك تقول بنسوة أربع وبرجال ثلاثة فلا يعرج عليها؟ انتهى. فجعل المانع للصرف هو تكرار العدل فيها، والمشهور أنها امتنعت من الصرف للصفة والعدل. وأما قوله: ألا تراك، فإنه قاس الصفة في هذا المعدول على الصفة في أفعل وفي ثلاثة، وليس بصحيح، لأن مطلق الصفة لم يعدوه علة، بل اشترطوا فيه. فليس الشرط موجوداً في أربع، لأن شرطه أن لا يقبل تاء التأنيث. وليس شرطه في ثلاثة موجوداً، لأنه لم يجعل علة مع التأنيث. فقياس الزمخشري قياس فاسد، إذ غفل عن شرط كون الصفة علة. وقال ابن عطية: عدلت عن حال التنكير، فتعرفت بالعدل، فهي لا تنصرف للعدل والتعريف، وقيل: للعدل والصفة. انتهى. وهذا الثاني هو المشهور، والأول قول لبعض الكوفيين. والظاهر أن الملك الواحد من صنف له جناحان، وآخر ثلاثة، وآخر أربعة، وآخر أكثر من ذلك، لما روي أن لجبريل ستمائة جناح، منها اثنان يبلغ بهما المشرق إلى المغرب. قال قتادة: وأخذ الزمخشري يتكلم على كيفية هذه الأجنحة، وعلى صورة الثلاثة بما لا يجدي قائلاً: يطالع ذلك في كتابه. وقالت فرقة: المعنى أن في كل جانب من الملك جناحان، ولبعضهم ثلاثة، ولبعضهم أربعة، وإلا فلو كانت ثلاثة لواحد، لما اعتدلت في معتاد ما رأينا نحن من الأجنحة. وقيل: بل هي ثلاثة لواحد، كما يوجد لبعض الحيوانات. والظاهر أن المراد من الأجنحة ما وضعت له في اللغة.

وقال أبو عبد الله الرازي: يزيل بحثه في قوله: {الحمد لله فاطر السماوات والأرض}، وهو الذي حكينا عنه أن قوله: {جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع}، أقل ما يكون لذي الجناح، إشارة إلى الجهة، وبيانه أن الله ليس شيء فوقه، وكل شيء تحت قدرته ونعمته، والملائكة لهم وجه إلى الله يأخذون منه نعمه ويعطون من دونهم مما أخذوه بإذن الله، كما قال تعالى: { نزل به الروح الأمين على قلبك } [الشعراء: 193 ـ 194]، وقوله: { علمه شديد القوى } [النجم: 5]، وقال تعالى في حقهم: { فالمدبرات أمراً } [النازعات: 5]، فهما جناحان، وفيهم من يفعل ما يفعل من الخير بواسطة، وفيهم من يفعله لا بواسطة. فالفاعل بواسطة فيهم من له ثلاث جهات، ومنهم من له أربع جهات وأكثر. انتهى. وبحثه في هذه، وفي {فاطر السموات والأرض} بحث عجيب، وليس على طريقة فهم العرب من مدلولات الألفاظ التي حملها ما حمل. والظاهر أن مثنى وما بعده من صفات الأجنحة، وقيل: {أولي أجنحة} معترض، و{مثنى} حال، والعامل فعل محذوف يدل عليه {رسلاً}، أي يرسلون مثنى وثلاث ورباع. قيل: وإنما جعلهم أولي أجنحة، لأنه لما جعلهم رسلاً، جعل لهم أجنحة ليكون أسرع لنفاد الأمر وسرعة إنفاذ القضاء. فإن المسافة التي بين السماء والأرض لا تقطع بالأقدام إلا في سنين، فجعلت لهم الأجنحة حتى ينالوا المكان البعيد في الوقت القريب كالطير.

{يزيد في الخلق ما يشاء}: تقرير لما يقع في النفوس من التعجب والاستغراب من خبر الملائكة أولي أجنحة، أي ليس هذا ببدع في قدرة الله، فإنه يزيد في خلقه ما يشاء، والظاهر عموم الخلق. وقال الفراء: هذا في الأجنحة التي للملائكة، أي يزيد في خلق الملائكة الأجنحة. وقالوا: في هذه الزيادة الخلق الحسن، أو حسن الصوت، أو حسن الخط، أو لملاحة في العينين أو الأنف، أو خفة الروح، أو الحسن، أو جعودة الشعر، أو العقل، أو العلم، أو الصنعة، أو العفة في الفقراء، والحلاوة في الفم، وهذه الأقوال على سبيل التمثيل لا الحصر. والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق، وقد شرحوا هذه الزيادة بالأشياء المستحسنة، وما يشاء عام لا يخص مستحسناً دون غيره. وختم الآية بالقدرة على كل شيء يدل على ذلك، والفتح والإرسال استعارة للإطلاق، {فلا مرسل له} مكان لا فاتح له، والمعنى: أي شيء يطلق الله.

{من رحمة}: أي نعمة ورزق، أو مطر، أو صحة، أو أمن، أو غير ذلك من صنوف نعمائه التي لا يحاط بعددها. وما روي عن المفسرين المتقدمين من تفسير رحمة بشيء معين فليس على الحصر منه، إنما هو مثال. قال الزمخشري: وتنكير الرحمة للإشاعة والإبهام، كأنه قال: من أية رحمة كانت سماوية أو أرضية، فلا يقدر أحد على إمساكها وحبسها، وأي شيء يمسك الله فلا أحد يقدر على إطلاقه. انتهى. والعموم مفهوم من اسم الشرط ومن رحمة لبيان ذلك العام من أي صنف هو، وهو مما اجتزىء فيه بالنكرة المفردة عن الجمع المعرف المطابق في العموم لاسم الشرط، وتقديره: من الرحمات، ومن في موضع الحال، أي كائناً من الرحمات، ولا يكون في موضع الصفة، لأن اسم الشرط لا يوصف. والظاهر أن قوله: {وما يمسك} عام في الرحمة وفي غيرها، لأنه لم يذكر له تبيين، فهو باق على العموم في كل ما يمسك. فإن كان تفسيره {من رحمة}، وحذفت لدلالة الأول عليه، فيكون تذكير الضمير في {فلا مرسل له من بعده} حملاً على لفظ ما، وأنث في {فلا ممسك لها} على معنى ما، لأن معناها الرحمة. وقرىء: فلا مرسل لها، بتأنيث الضمير، وهو دليل على أن التفسير هو {من رحمة}، وحذف لدلالة ما قبله عليه. وعن ابن عباس: {من رحمة}: من باب توبة، {فلا ممسك لها}: أي يتوبون إن شاؤوا وإن أبوا، {وما يمسك}: من باب، {فلا مرسل له} من بعده، فهم لا يتوبون. وعنه أيضاً: {من رحمة}: من هداية. قال الزمخشري: فإن قلت: فما تقول فيمن فسر الرحمة بالتوبة وعزاه إلى ابن عباس؟ قلت: أراد بالتوبة: الهداية لها والتوفيق فيها، وهو الذي أراده ابن عباس، إن قاله فمقبول، وإن أراد أنه إن شاء أن يتوب العاصي تاب، وإن لم يشأ لم يتب فمردود، لأن الله تعالى يشاء التوبة أبداً، ولا يجوز عليه أن لا يشاء بها. انتهى، وهو على طريقة الاعتزال. {من بعده}: هو على حذف مضاف، أي من بعد إمساكه، كقوله: { فمن يهديه من بعد الله } [الجاثية: 23]، أي من بعد إضلال الله إياه، لأن قبله وأضله الله على علم، كقوله: { ومن يضلل الله فلا هادي له } [الأعراف: 186] وقدره الزمخشري من بعد هداية الله، وهو تقدير فاسد لا يناسب الآية، جرى فيه على طريقة الاعتزال. {وهو العزيز} الغالب القادر على الإرسال والإمساك، {الحكيم} الذي يرسل ويمسك ما اقتضته حكمته.

{يا أيها الناس}: خطاب لقريش، وهو متجه لكل مؤمن وكافر، ولا سيما من عبد غير الله، وذكرهم بنعمه في إيجادهم. و{اذكروا}: ليس أمراً بذكر اللسان، ولكن به وبالقلب وبحفظ النعمة من كفرانها وشكرها، كقولك لمن أنعمت عليه: اذكر أياديّ عندك، تريد حفظها وشكرها، والجميع مغمورون في نعمة الله. فالخطاب عام اللفظ، وإن كان نزل ذلك بسبب قريش، ثم استفهم على جهة التقرير. {هل من خالق غير الله}: أي فلا إله إلا الخالق، ما تعبدون أنتم من الأصنام. وقرأ ابن وثاب، وشقيق، وأبو جعفر، وزيد بن علي، وحمزة، والكسائي: غير بالخفض، نعتاً على اللفظ، {ومن خالق} مبتدأ. و{يرزقكم}: جوزوا أن يكون خبراً للمبتدأ، وإن يكون صفته، وأن يكون مستأنفاً، والخبر على هذين الوجهين محذوف تقديره لكم. وقرأ شيبة، وعيسى، والحسن، وباقي السبعة: {غير} بالرفع، وجوزوا أن يكون نعتاً على الموضع، كما كان الخبر نعتاً على اللفظ، وهذا أظهر لتوافق القراءتين؛ وأن يكون خبراً للمبتدأ، وأن يكون فاعلاً باسم الفاعل الذي هو خالق، لأنه قد اعتمد على أداة الاستفهام، فحسن إعماله، كقولك: أقائم زيد في أحد وجهيه؟ وفي هذا نظر، وهو أن اسم الفاعل، أو ما جرى مجراه، إذا اعتمد على أداة الاستفهام وأجرى مجرى الفعل، فرفع ما بعده، هل يجوز أن تدخل عليه من التي للاستغراق فتقول: هل من قائم الزيدون؟ كما تقول: هل قائم الزيدون؟ والظاهر أنه لا يجوز. ألا ترى أنه إذا جرى مجرى الفعل، لا يكون فيه عموم خلافه إذا أدخلت عليه من، ولا أحفظ مثله في لسان العرب، وينبغي أن لا يقدم على إجازة مثل هذا إلا بسماع من كلام العرب؟ وقرأ الفضل بن إبراهيم النحوي: غير بالنصب على الاستثناء، والخبر إما يرزقكم وإما محذوف، ويرزقكم مستأنف؛ وإذا كان يرزقكم مستأنفاً، كان أولى لانتفاء صدق خالق على غير الله، بخلاف كونه صفة، فإن الصفة تقيد، فيكون ثم خالق غير الله، لكنه ليس برازق. ومعنى {من السماء}: بالمطر، {والأرض}: بالنبات، {لا إله إلا هو}: جملة مستقلة لا موضع لها من الإعراب. {فأنى يؤفكون}: أي كيف يصرفون على التوحيد إلى الشرك، وأن يكذبوك إلى الأمور، تقدم الكلام على ذلك.

{إن وعد الله حق}: شامل لجميع ما وعد من ثواب وعقاب وغير ذلك. وقرأ الجمهور: {الغرور} بفتح الغين، وفسره ابن عباس بالشيطان. وقرأ أبو حيوة، وأبو السمال: بضمها جمع غار، أو مصدراً، كقوله: { فدلاهما بغرور } [الأعراف: 22]، وتقدم الكلام على ذلك في آخر لقمان. {إن الشيطان لكم عدو}: عداوته سبقت لأبينا آدم، وأي عداوة أعظم من أن يقول في بنيه: { لأغوينهم أجمعين } [الحجر: 39]، { ولأضلنهم } [النساء: 119] {فاتخذوه عدواً}: أي بالمقاطعة والمخالفة باتباع الشرع. ثم بين أن مقصوده في دعاء حزبه إنما هو تعذيبهم في النار، يشترك هو وهم في العذاب، فهو حريص على ذلك أشد الحرص حتى يبين صدق قوله في: {فلاغوينهم}، {ولأضلنهم}، لأن الاشتراك فيما يسوء مما قد يتسلى به بخلاف المنفرد بالعذاب. ثم ذكر الفريقين، وما أعدّ لهما من العقاب والثواب. وبدأ بالكفار لمجاورة قوله: {إنما يدعو حزبه}، فاتبع خبر الكافر بحاله في الآخرة. قال ابن عطية: واللام في ليكون لام الصيرورة، لأنه لم يدعهم إلى السعير، إنما اتفق أن صار أمرهم عن دعائه إلى ذلك. انتهى. ونقول: هو مما عبر فيه عن السبب بما تسبب عنه دعاؤهم إلى الكفر، وتسبب عنه العذاب. و{الذين كفروا}، {والذين آمنوا}. مبتدآن، وجوز بعضهم في {الذين كفروا} أن يكون في موضع خفض بدلاً {من أصحاب السعير}، أو صفة، وفي موضع نصب بدلاً من {حزبه}، وفي موضع رفع بدلاً من ضمير {ليكونوا}، وهذا كله بمعزل من فصاحة التقسيم وجزالة التركيب.

{أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً}: أي فرأى سوء عمله حسناً، ومن مبتدأ موصول، وخبره محذوف. فالذي يقتضيه النظر أن يكون التقدير: كمن لم يزين له، كقوله: { أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله } [محمد: 14]، { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى } [الرعد: 19]، { أَو من كان ميتاً فأحييناه } ،} [الأَنعام: 122] ثم قال: { كمن مثله في الظلمات } [الأَنعام: 122]، وقاله الكسائي، أي تقديره: تذهب نفسك عليهم حسرات لدلالة: {فلا تذهب نفسك عليهم}. وقيل: التقدير: فرآه حسناً، فأضله الله كمن هداه الله، فحذف ذلك لدلالة: {فإن الله يضل من يشاء}، وذكر هذين الوجهين الزجاج. وشرح الزمخشري هنا {يضل من يشاء} على طريقته في غير موضع من كتابه، من أن الإضلال هو خذلانه وتخليته وشأنه، وأتى بألفاظ كثيرة في هذا المعنى. وقرأ الجمهور: {أفمن زين} مبنياً للمفعول سوء رفع. وقرأ عبيد بن عمير: زين له سوء، مبنياً للفاعل، ونصب سوء؛ وعنه أيضاً أسوأ على وزن أفعل منصوباً؛ وأسوأ عمله: هو الشرك. وقراءة طلحة: أمن بغير فاء، قال صاحب اللوامح: للاستخبار بمعنى العامة للتقرير، ويجوز أن يكون بمعنى حرف النداء، فحذف التمام كما حذف من المشهور الجواب. انتهى. ويعني بالجواب: خبر المبتدأ، وبالتمام: ما يؤدي لأجله، أي تفكر وارجع إلى الله، {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} تسلية للرسول عن كفر قومه، ووجوب التسليم لله في إضلاله من يشاء وهداية من يشاء. وقرأ الجمهور: {فلا تذهب نفسك}، مبنياً للفاعل من ذهب، ونفسك فاعل. وقرأ أبو جعفر، وقتادة، وعيسى، والأشهب، وشيبة، وأبو حيوة، وحميد والأعمش، وابن محيصن: تذهب من أذهب، مسند الضمير المخاطب، نفسك: نصب، ورويت عن نافع: والحسرة هم النفس على فوات أمر. وانتصب {حسرات} على أنه مفعول من أجله، أي فلا تهلك نفسك للحسرات، وعليهم متعلق بتذهب، كما تقول: هلك عليه حباً، ومات عليه حزناً، أو هو بيان للمتحسر عليه، ولا يتعلق بحسرات لأنه مصدر، فلا يتقدّم معموله. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون حالاً، كأنه كلها صارت حسرات لفرط التحسر، كما قال جرير:

مشق الهواجر لحمهن مع السرى حتى ذهبن كلاكلاً وصدرواً

يريد: رجعن كلاكلاً وصدوراً، أي لم يبق إلا كلاكلها وصدورها، ومنه قوله:

فعلى إثرهم تساقط نفسي حسرات وذكرهم لي سقام

انتهى. وما ذكر من أن كلاكلاً وصدوراً حالان هو مذهب سيبويه. وقال المبرد: هو تمييز منقول من الفاعل، أي حتى ذهبت كلاكلها وصدورها. ثم توعدهم بالعقاب على سوء صنعهم فقال: {إن الله عليم بما يصنعون}: أي فيجازيهم عليه.