خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ
١
وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ
٢
ذَلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْبَاطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ
٣
فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ
٤
سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ
٥
وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ
٦
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ
٧
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ
٨
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَٰلَهُمْ
٩
أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا
١٠
ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ
١١
-محمد

البحر المحيط

هذه السورة مدنية عند الأكثر. وقال الضحاك، وابن جبير، والسدي: مكية. وقال ابن عطية: مدنية بإجماع، وليس كما قال، وعن ابن عباس، وقتادة: أنها مدنية، إلا آية منها نزلت بعد حجة، حين خرج من مكة وجعل ينظر إلى البيت، وهي: {وكأين من قرية} الآية. ومناسبة أولها لآخر ما قبلها واضحة جداً.

{الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله}: أي أعرضوا عن الدخول في الإسلام، أو صدوا غيرهم عنه، وهم أهل مكة الذين أخرجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: وهم المطعمون يوم بدر. وقال مقاتل: كانوا اثني عشر رجلاً من أهل الشرك، يصدون الناس عن الإسلام ويأمرونهم بالكفر، وقيل: هم أهل الكتاب، صدوا من أراد منهم ومن غيرهم أن يدخل في الإسلام. وقال الضحاك: {عن سبيل الله}: عن بيت الله، يمنع قاصديه، وهو عام في كل من كفر وصد. {أضل أعمالهم}: أي أتلفها، حيث لم ينشأ عنها خير ولا نفع، بل ضرر محض. وقيل: نزلت هذه الآية ببدر، وأن الإشارة بقوله: {أضل أعمالهم} إلى الاتفاق الذي اتفقوه في سفرهم إلى بدر. وقيل: المراد بالأعمال: أعمالهم البرة في الجاهلية، من صلة رحم وفك عان ونحو ذلك؛ واللفظ يعم جميع ذلك.

{والذين آمنوا وعملوا الصالحات}: هم الأنصار. وقال مقاتل: ناس من قريش. وقيل: مؤمنو أهل الكتاب. وقيل: هو عام؛ وعلى تقدير خصوص السبب في القبيلتين، فاللفظ عام يتناول كل كافر وكل مؤمن. {وآمنوا بما نزل على محمد}: تخصيصه من بين ما يجب الإيمان به، تعظيم لشأن الرسول، وإعلام بأنه لا يصح الإيمان ولا يتم إلا به. وأكد ذلك بالجملة الأعتراضية التي هي: {وهو الحق من ربهم}. وقيل: {وهو الحق}: ناسخ لغيره ولا يرد عليه النسخ. وقرأ الجمهور: نزل مبنياً للمفعول؛ وزيد بن علي، وابن مقسم: نزل مبنياً للفاعل؛ والأعمش: أنزل معدى بالهمزة مبنياً للمفعول. وقرىء: نزل ثلاثياً. {كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم}: أي حالهم، قاله قتادة؛ وشأنهم، قاله مجاهد؛ وأمرهم، قاله ابن عباس. وحقيقة لفظ البال أنها بمعنى الفكر، والموضع الذي فيه نظر الإنسان وهو القلب. فإذا صلح ذلك، فقد صلحت حاله، فكأن اللفظ مشير إلى صلاح عقيدتهم، وغير ذلك من الحال تابع.

{ذلك}: إشارة إلى ما فعل بالكفار من إضلال أعمالهم، وبالمؤمنين من تكفير سيئاتهم وإصلاح حالهم. وذلك مبتدأ وما بعده الخبر، أي كائن بسبب اتباع هؤلاء الباطل وهؤلاء الحق. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون ذلك خبر مبتدأ محذوف تقديره الأمر ذلك، أي كما ذكر بهذا السبب، فيكون محل الجار والمجرور منصوباً. انتهى. ولا حاجة إلى الإضمار مع صحة الوجه وعدم الإضمار. والباطل: ما لا ينتفع به. وقال مجاهد: الشيطان وكل ما يأمر به؛ والحق: هو الرسول والشرع، وهذا الكلام تسميه علماء البيان: التفسير. {كذلك يضرب}: قال ابن عطية: الإشارة إلى اتباع المذكورين من الفريقين، أي كما اتبعوا هذين السبيلين، كذلك يبين أمر كل فرقة، ويجعل لها ضربها من القول وصفها؛ وضرب المثل من الضرب الذي هو بمعنى النوع. وقال الزمخشري: كذلك، أي مثل ذلك الضرب. {يضرب الله للناس أمثالهم} لأجل الناس ليعتبروا بهم. فإن قلت: أين ضرب الأمثال؟ قلت: في أن جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكفار، واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين؛ أو في أن جعل الإضلال مثلاً لخيبة الكفار، وتكفير السيئآت مثلاً لفوز المؤمنين.

{فإذا لقيت الذين كفروا}: أي في أي زمان لقيمتوهم، فاقتلوهم. وفي قوله: { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } [التوبة: 5]، أي في أي مكان، فعم في الزمان وفي المكان. وقال الزمخشري: لقيتم، من اللقاء، وهو الحرب. انتهى. {فضرب الرقاب}: هذا من المصدر النائب مناب فعل الأمر، وهم مطرد فيه، وهو منصوب بفعل محذوف فيه، واختلف فيه إذا انتصب ما بعده فقيل: هو منصوب بالفعل الناصب للمصدر؛ وقيل: هو منصوب بنفس المصدر لنيابته عن العامل فيه، ومثاله: ضرباً زيداً، كما قال الشاعر:

على حين ألهى الناس جل أمورهم فندلاً زريق المال ندل الثعالب

وهذا هو الصحيح، ويدل على ذلك قوله: {فضرب الرقاب}، وهو إضافة المصدر للمفعول، ولو لم يكن معمولاً له، ما جازت إضافته إليه. وضرب الرقاب عبارة عن القتل؛ ولما كان القتل للإنسان أكثر ما يكون بضرب رقبته، عبر بذلك عن القتل، ولا يراد خصوصية الرقاب، فإنه لا يكاد تتأتى حالة الحرب أن تضرب الرقاب، وإنما يتأتى القتال في أي موضع كان من الأعضاء. ويقال: ضرب الأمير رقبة فلان، وضرب عنقه وعلاوته وما فيه عيناه، إذا قتله، كما عبر بقوله: { فبما كسبت أيديكم } [الشورى: 30] عن سائر الأفعال، لما كان أكثر الكسب منسوباً إلى الأيدي. قال الزمخشري: وفي هذه العبارة من الغلظة والشدة ما ليس في لفظ القتل، لما فيه من تصوير القتل بأشنع صورة، وهو حز العنق وإطارة العضو الذي هو رأس البدن وعلوه وأوجه أعضائه. وقد زاد في هذه في قوله: { فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان } [الأَنفال: 12]. انتهى. ولما في ذلك من تشجيع المؤمنين، وأنهم من الكفار بحيث هم متمكنون منهم إذا أمروا بضرب رقابهم. {حتى إذا أثخنتموهم}: أي أكثرتم القتل فيهم، وهذه غاية للضرب، فإذا وقع الإثخان وتمكنوا من أخذ من لم يقتل وشدوا وثاق الأسرى، {فإما مناً} بالإطلاق، {وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها}: أي أثقالها وآلاتها. ومنه قول عمرو بن معدي كرب:

وأعددت للحرب أوزارها رماحاً طوالاً وخيلاً ذكورا

أنشده ابن عطية لعمرو هذا، وأنشده الزمخشري للأعشى. وقيل: الأوزار هنا: الآثام، لأن الحرب لا بد أن يكون فيها آثام في أحد الجانبين، وهذه الغاية. قال مجاهد: حتى ينزل عيسى بن مريم. وقال قتادة: حتى يسلم الجميع: وقيل: حتى تقتلوهم. وقال ابن عطية: وظاهر اللفظ أنها استعارة يراد بها التزام الأمر أبداً، وذلك أن الحرب بين المؤمنين والكافرين لا يضيع أوزارها، فجاء هذه، كما تقول: أنا أفعل كذا وكذا إلى يوم القيامة، فإنما تريد أنك تفعله دائماً. وقال الزمخشري: وسميت، يعني آلات الحرب من السلاح والكراع، أوزارها، لأنه لما لم يكن لها بد من جرها، فكأنها تحملها وتستقل بها؛ فإذا انقضت، فكأنها وضعتها. وقيل: أوزارها: آثامها، يعني حتى يترك أهل الحرب، وهم المشركون، شركهم ومعاصيهم، بأن يسلموا. والظاهر أن ضرب الرقاب، وهو القتل مغياً بشد الوثاق وقت حصول الإثخان، وأن قوله: {فإما مناً بعد}، أي بعد الشد، {وإما فداء}، حالتان للمأسور، إما أن يمن عليه بالإطلاق، كما منّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بإطلاق ثمامة بن أثال الحنفي، وإما أن يفدى، كما روي عنه عليه السلام أنه فودي منه رجلان من الكفار برجل مسلم.

وهذه الآية معارض ظاهرها لقوله تعالى: { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } [التوبة: 5]. فذهب ابن عباس، وقتادة، وابن جريج، والسدي، والضحاك، ومجاهد، إلى أنها منسوخة بقوله: {فاقتلوا المشركين} الآية، وأن الأسر والمن والفداء مرتفع، فإن وقع أسير قتل ولا بد إلا أن يسلم. وروي نحوه عن أبي بكر الصديق، وذهب ابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، والحسن، إلى أن هذه مخصصة لعموم تلك، والمنّ والفداء ثابت. وقال الحسن: لا يقتل الأسير إلا في الحرب، يهيب بذلك على العدو. وذهب أكثر العلماء إلى أن أهل الكتاب فيهم المنّ والفداء وعباد الأوثان، ليس فيهم إلا القتل، فخصصوا من المشركين أهل الكتاب، وخصص من الكفار عبدة الأوثان. وأما مذهب الأئمة اليوم: فمذهب أبي حنيفة أن الإمام يخير في القتل والاسترقاق؛ ومذهب الشافعي أنه مخير في القتل والاسترقاق والفداء والمن؛ ومذهب مالك أنه مخير في واحد من هذه الأربعة، وفي ضرب الجزية. والظاهر أن قوله: {وإما فداء}، يجوز فداؤه بالمال وبمن أسر من المسلمين. وقال الحسن: لا يفدى بالمال. وقرأ السلمي: فشدوا، بكسر الشين، والجمهور: بالضم. والوثاق: بفتح الواو، وفيه لغة الوثاق، وهو اسم لما يوثق به، وانتصب مناً وفداء بإضمار فعل يقدر من لفظهما، أي فإما تمنون مناً، وإما تفدون فداء، وهو فعل يجب إضماره، لأن المصدر جاء تفصيل عاقبة، فعامله مما يجب إضماره، ونحوه قول الشاعر:

لأجهدنّ فإما درء واقعة تخشى وإما بلوغ السؤل والأمل

أي: فإما أدرأ درأ واقعة، وإما أبلغ بلوغ السؤل. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكونا مفعولين، أي أدوهم منا واقبلوا، وليس إعراب نحوي. وقرأ ابن كثير في رواية شبل: وإما فدى بالقصر. قال أبو حاتم: لا يجوز قصره لأنه مصدر فاديته، وهذا ليس بشيء، فقد حكى الفراء فيه أربع لغات: فداء لك بالمد والإغراء، وفدى لك بالكسر بياء والتنوين، وفدى لك بالقصر، وفداء لك. والظاهر من قوله: {فإما مناً}: المن بالإطلاق، كما منّ الرسول عليه الصلاة والسلام على ثمامة، وعلى أبي عروة الحجبي. وفي كتاب الزمخشري: كما منّ على أبي عروة الحجبي، وأثال الحنفي، فغير الكنية والاسم، ولعل ذلك من الناسخ، لا في أصل التصنيف. وقيل: يجوز أن يراد بالمنّ: أي يمنّ عليهم بترك القتل ويسترقوا، أو يمن عليهم فيخلوا لقبولهم الجزية وكونهم من أهل الذمة.

والظاهر أن قوله: {حتى تضع الحرب أوزارها} غاية لقوله: {فشدوا الوثاق}، لأنه قد غيا فضرب الرقاب بشد الوثاق وقت الإثخان. فلا يمكن أن يغيا بغاية أخرى لتدافع الغايتين، إلا إن كانت الثانية مبينة للأولى ومؤكدة، فيجوز، لأن شد الوثاق للأسرى لا يكون إلا حتى تضع الحرب أوزارها. إذا فسرنا ذلك بانتفاء شوكة الكفار الملقيين إذ ذاك، ويكون الحرب المراد بها التي تكون وقت لقاء المؤمنين للكفار، ويجوز أن يكون المغيا محذوفاً يدل عليه المعنى، التقدير: الحكم ذلك حتى تضع الحرب أوزارها، أي لا يبقى شوكة لهم. أو كما قال ابن عطية: إنها استعارة بمعنى إلى يوم القيامة، أي اصنعوا ذلك دائماً. وقال الزمخشري: فإن قلت: حتى بم تعلقت؟ قلت: لا يخلو من أن تتعلق إما بالضرب والشد، أو بالمنّ والفداء. فالمعنى على كلا المتعلقين عند الشافعيرحمه الله : أنهم لا يزالون على ذلك أبداً إلى أن يكون حرب مع المشركين، وذلك إذا لم يبق لهم شوكة. وقيل: إذا نزل عيسى بن مريم؛ وعند أبي حنيفةرحمه الله : إذا علق بالضرب والشد. فالمعنى: أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك حتى لا يبقى شوكة للمشركين. وإذا علق بالمن والفداء، فالمعنى: أنهم يمن عليهم ويفادون حتى تضع حرب بدر أوزارها، إلى أن تناول المن والفداء، يعني: بتناول المن بأن يتركوا عن القتل ويسترقوا، أي بالتخلية بضرب الجزية بكونهم من أهل الذمة، وبالعذاب أن يفادى بأسارى المشركين أسارى المسلمين. وقد رواه الطحاوي مذهباً لأبي حنيفة؛ والمشهور أنه لا يرى فداءهم بمال ولا غيره، خيفة أن يعودوا حدباً للمسلمين. {ذلك} أي الأمر ذلك إذا فعلوا.

{ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم}: أي لا أنتقم منهم ببعض أسباب الهلاك، من خسف، أو رجفة، أو حاصب، أو غرق، أو موت جارف. {ولكن ليبلو}: أي ولكن: أمركم بالقتال ليبلو بعضكم، وهم المؤمنون، أي يختبرهم ببعض، وهم الكافرون، بأن يجاهدوا ويصبروا، والكافرين بالمؤمنين بأن يعاجلهم على أيديهم ببعض ما وجب لهم من العذاب. وقرأ الجمهور: قاتلوا، بفتح القاف والتاء، بغير ألف؛ وقتادة، والأعرج، والأعمش، وأبو عمرو، وحفص: قتلوا مبنياً للمفعول، والتاء خفيفة، وزيد بن ثابت، والحسن، وأبو رجاء، وعيسى، والجحدري أيضاً: كذلك. وقرأ علي: {فلن يضل} مبنياً للمفعول؛ {أعمالهم}: رفع. وقرىء: يضل، بفتح الياء، من ضل أعمالهم: رفع. {سيهديهم}: أي إلى طريق الجنة. وقال مجاهد: يهتدي أهل الجنة إلى مساكنهم منها لا يخطؤون، لأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا، لا يستبدلوا عليها. وروى عياض عن أبي عمرو: {ويدخلهم}، و { يوم يجمعكم ليوم الجمع } [التغابن: 9]، و { إنما نطعمكم } [الإنسان: 9]، بسكون لام الكلمة. {عرفها لهم}، عن مقاتل: أن الملك الذي وكل بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه فيعرفه كل شيء أعطاه الله. وقال أبو سعيد الخدري، ومجاهد، وقتادة: معناه بينها لهم، أي جعلهم يعرفون منازلهم منها. وفي الحديث لأحدكم بمنزلة في الجنة أعرف منه بمنزلة في الدنيا. وقيل: سماها لهم ورسمها كل منزل بصاحبه، وهذا نحو من التعريف. يقال: عرف الدار وأرفها: أي حددها، فجنة كل أحد مفرزة عن غيرها. والعرف والأرف: الحدود. وقيل: شرفها لهم ورفعها وعلاها، وهذا من الأعراف التي هي الجبال وما أشبهها. وقال مؤرج وغيره: طيبها، مأخوذ من العرف، ومنه: طعام معرف: أي مطيب، أي وعرفت القدر طيبتها بالملح والتابل.

{إن تنصروا الله}: أي دينه، {ينصركم}: أي على أعدائكم، بخلق القوة فيكم، وغير ذلك من المعارف. {ويثبت أقدامكم}: أي في مواطن الحرب، أو على محجة الإسلام. وقرأ الجمهور: {ويثبت}: مشدداً، والمفضل عن عاصم: مخففاً. {فتعساً لهم}: قال ابن عباس: بعد الهم؛ وابن جريج، والسدي: حزناً لهم؛ والحسن: شتماً؛ وابن زيد: شقاء؛ والضحاك: رغماً؛ وحكى النقاش: قبحاً. {والذين كفروا}: مبتدأ، والفاء داخلة في خبر المبتدأ وتقديره: فتعسهم الله تعساً. فتعساً: منصوب بفعل مضمر، ولذلك عطف عليه الفعل في قوله: {وأضل أعمالهم}. ويجوز أن يكون الذين منصوباً على إضمار فعل يفسره قوله: {فتعساً لهم}، كما تقول: زيداً جدعاً له. وقال الزمخشري: فإن قلت: على م عطف قوله: وأضل أعمالهم؟ قلت: على الفعل الذي نصب تعساً، لأن المعنى: فقال تعساً لهم، أو فقضى تعساً لهم؛ وتعساً لهم نقيض لعى له. انتهى. وإضمار ما هو من لفظ المصدر أولى، لأن فيه دلالة على ما حذف. وقال ابن عباس: يريد في الدنيا القتل، وفي الآخرة التردي في النار. انتهى. وفي قوله: {فتعساً لهم}: أي هلاكاً بأداة تقوية لقلوب المؤمنين، إذ جعل لهم التثبيت، وللكفار الهلاك والعثرة.

{ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله}: يشمل ما أنزل من القرآن في بيان التوحيد، وذكر البعث والفرائض والحدود، وغير ذلك مما تضمنه القرآن. {فأحبط أعمالهم}: أي جعلها من الأعمال التي لا تزكوا ولا يعتد بها. {دمر الله عليهم}: أي أفسد عليهم ما اختصوا به من أنفسهم وأولادهم وأموالهم، وكل ما كان لهم وللكافرين أمثالها. تلك العاقبة والتدميرة التي يدل عليها دمّر والهلكة، لأن التدمير يدل عليها، أو السنة، لقوله عز وجل: { سنة الله في الذين خلوا } [الأحزاب: 38]. والوجه الأول هو الراجح، لأن العاقبة منطوق بها، فعاد الضمير على الملفوظ به، وما بعده مقول القول. {ذلك بأن}: ابتداء وخبر، والإشارة بذلك إلى النصر في اختيار جماعة، وإلى الهلاك، كما قال: {وللكافرين أمثالها}، قال ذلك الهلاك الذي جعل للكفار بأيدي المؤمنين بسبب {أن الله مولاهم}: أي ناصرهم ومؤيدهم، وأن الكافرين لا ناصر لهم، إذ اتخذوا آلهة لا تنفع ولا تضر، وتركوا عبادة من ينفع ويضر، وهو الله تعالى.

قال قتادة: نزلت هذه الآية يوم أُحُد، ومنها انتزع رسول الله صلى الله عليه وسلم رده على أبي سفيان حين قال: «قولوا الله مولانا ولا مولى لكم»، حين قال المشركون: إن لنا عزى، ولا عزى لكم.