خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً
١٦
فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً
١٧
قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً
١٨
قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً
١٩
قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً
٢٠
قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً
٢١
فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً
٢٢
فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ قَالَتْ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً
٢٣
فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً
٢٤
وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً
٢٥
فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً
٢٦
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُواْ يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً
٢٧
يٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً
٢٨
فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً
٢٩
قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً
٣٠
وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً
٣١
وَبَرّاً بِوَٰلِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً
٣٢
وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً
٣٣
ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ
٣٤
مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ
٣٥
وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ
٣٦
فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ
٣٧
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٣٨
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ
٣٩
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ
٤٠
-مريم

غرائب القرآن و رغائب الفرقان

القراءات: {إني أعوذ} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. {ليهب لك} على الغيبة: أبو عمرو ويعقوب وورش والحلواني عن قالون وحمزة في الوقف. الآخرون {لأهب} على التكلم {نسياً} بفتح النون: حمزة وحفص. الباقون بكسرها. {من تحتها} بكسر الميم على أنه حرف جر وبجر التاء الثانية: أبو جعفر ونافع وسهل وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقونه بفتحهما على أن "من" موصولة والظرف صلتها {تساقط} بحذف تاء التفاعل: علي وحمزة والخزاز عن هبيرة. {تساقط} من المفاعلة: حفص غير الخزاز {يساقط} بياء الغيبة، وعلى أن الضمير للجذع وبإدغام التاء في السين: سهل ويعقوب ونصير وحماد. الباقون مثله ولكن بتاء التأنيث على أن الضمير للنخلة {آتاني الكتاب} ممالة مفتوحة الياء: عليّ. وقرأ حمزة مرسلة الياء مفخمة في الوصل ممالة في الوقف. {وأوصاني} بالإمالة: علي {قول الحق} بالنصب: ابن عامر وعاصم ويعقوب. {وإن الله} بكسر الهمزة: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وروح والمعدل عن زيد.
الوقوف: {مريم} لا ليصير "إذ" ظرفاً لأذكر {شرقياً} لا للعطف {زكياً} ه {بغياً} ه {كذلك} ط لما مر {هين} ج لجواز كون الواو مقحمة أو معلقة بمحذوف كما يجيء {منا} ج لاختلاف الجملتين {مقضياً} ه {قصياً} ه {النخلة} ج لترتب الماضي من غير عاطف والأولى أن يكون استئنافاً {منسياً} ه {سرياً} ه {جنياً} ه ز {عيناً} ه ج للشرط مع الفاء {أحداً} لا لأن ما بعده جواب الشرط {نسياً} ه ج للعطف مع الآية {تحمله} ط {فرياً} ه {بغياً} ه ج {إليه} ج {صبياً} ه {عبد الله} ط لأن الجملة لا تقع صفة للمعرفة. ويمكن أن يجعل معنى التحقيق في "إن" عاملاً فيكون حالاً فلا يوقف {أينما كنت} ص لطول الكلام {حياً} ص ه لذلك والوصل أولى لأن قوله {وبراً} معطوف على قوله {مباركاً}. {بوالدتي} ج لتبدل الكلام من الإثبات إلى النفي {شقياً}، {حياً} ه، {عيسى ابن مريم} ج على القراءتين لاحتمال أن يراد أقول قول الحق وأن يجعل حالاً، وأما في قراءة الرفع فإما أن يكون بدلاً من عيسى أو يكون التقدير هو قول الحق {يمترون} ه، {من ولد} ه استعجالاً للتنزيه {سبحانه} ط {فيكون} ه ط لمن قرأ {وأن} بالكسر {فاعبدوه} ط {مستقيم}، ه {من بينهم} ج لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء {عظيم} ه {وأبصر} لا لأن ما بعده ظرف للتعجب {مبين} ه وسمعت عن مشايخي رحمهم الله أن الوقف على قوله {قضى الأمر} لازم لا أقل من المطلوب لأن ما بعده جملة مستأنفة ولو وصل لأوهم أن يكون حالاً من القضاء وليس كذلك {لا يؤمنون}، ه {يرجعون} ه.
التفسير: هذا شروع في ابتداء خلق عيسى ولا ريب أن خلق الولد بين شيخين فانيين أقرب إلى مناهج العادات من تخليق الولد من غير أب، فلهذا أخرت قصة عيسى عن قصة يحيى ترقياً من باب التفهم من الأدنى إلى الأعلى. وقوله "إذ" بدل الاشتمال من مريم لأن الأزمان مشتملة على ما فيها، وفي هذا الإبدال تفخيم لشأن الوقت كوقوع قصتها العجيبة فيه. والانتباه "افتعال" من النبذ الطرح كأنها ألقت نفسها إلى جانب معتزلة عن الناس في مكان يلي شرقي بيت المقدس أو شرقي دارها. قال ابن عباس: من ههنا اتخذت النصارى المشرق قبلة {فاتخذت من دونهم حجاباً}لا بد لهذا الاحتجاب من غرض صحيح فمن المفسرين من قال: إنها لما رأت الحيض تباعدت عن مكانها المعتاد لكي تنتظر الطهر فتغتسل وتعود، فلما طهرت جاء جبريل عليه السلام، وقيل: طلبت الخلوة لأجل العبادة. وقيل: في مشربة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أو شيء يسترها. وقيل: كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه، وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها بابها فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها، فانفجر السقف لها فخرجت وجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك وذلك قوله: {فأرسلنا إليها روحنا} يعني جبرائيل لأن الدين يحيا به وبوحيه، والإضافة للتشريف والتسمية مجاز كما تقول لمن تحبه إنه روحي {فتمثل لها} حال كونه {بشراً سوياً} تام الخلق أو حسن الصورة. وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه، وتدرع الروحاني كجبريل مثلاُ تارة بالهيكل العظيم وأخرى بالصغير غير مستبعد، والذين اعتقدوا أن جبرائيل جسماني جوزوا أن يكون له أجزاء أصلية قليلة وأجزاء فاضلة، فبتلك الأجزاء الأصلية يكون متمكناً من التشبه بصورة الإنسان، ولندرة أمثال هذه الأمور لا يلزم منها قدح في العلوم العادية المستندة إلى الإحساس. فلا يلزم الشك في أن زيداً الذي نشاهده الآن هو الذي شاهدناه بالأمس. قوله: {إن كنت تقياً} أي إن كان يرجى منك أن تتقي الله وترجع بالاستعاذة به فإني عائذة به منك. وقيل: إنه كان في ذلك العصر إنسان فاجر اسمه تقي وكان يتتبع النساء فظننت أن ذلك المتمثل هو ذلك الشخص فاستعاذت بالله. وقيل: "إن" نافية أي ما كنت تقياً حين استحللت النظر إلي وخلوت بي. وحين علم جبريل خوفها {قال إنما أنا رسول ربك} أرسلني {لأهب لك} أو ليهب لك {غلاماً زكياً} طاهراً من الذنوب ينمو على النزاهة والعفة. وكيف زال خوفها بمجرد القيل؟ احتمل أن يكون قد ظهر لها معجزة من جهة زكريا أو إرهاصاً لعيسى أو إلهاماً من الله سبحانه. وهل تقدر الملائكة على تركيب الأجزاء وخلق الحياة والنطق حتى صح قول جبرائيل {لأهب لك}؟ قال: اجتمعت الأمة على أن لا قدرة للأجسام على إيجاد الجواهر وإعدامها وإلا فلا استبعاد في تأثير بعض الأجسام في بعضها الخاصية خصها الله بها. ووجه صحة هذه القراءة أن جبرائيل صار سبباً في الهبة بالنفخ في الدرع.
{قالت} استغراباً من حيث العادة لا تشكيكاً في قدرة الله {أنى يكون لي غلام} ولم تقل ههنا "رب" إما لأنها تخاطب جبرائيل، وإما اكتفاء بما سلف في آل عمران {ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا} هي الفاجرة التي تبغي الرجال. عن المبرد أن أصله يغوى على "فعول" قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء وكسرت الغين للمناسبة. وعن ابن جنى أنه "فعيل" وإلا لقيل بغو كنهو عن المنكر خصصت بعدما عممت لزيادة الاعتبار بهذا الخزي تبرئة لساحتها عن الفحشاء. ولما جرى في أول القصة من تمثل جبرائيل لها بصورة البشر حتى ظنت أنه يريدها بسوء فاستعاذت بالرحمن منه بخلاف هذه القصة في آل عمران. فإنها بنيت على الأمن والبشارة بقوله:
{ وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك } [آل عمران: 45] فلم تحتج إلى هذه الزيادة. وقال جار الله: المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه في قوله: { من قبل أن تمسوهن } [البقرة: 237] { أو لامستم النساء } } [النساء: 43] وإنما يقال في الزنا "فجر بها" و "خبث بها" ونحو ذلك ولا يليق به الكنايات والآداب. قلت لو سلم هذا من حيث اللغة إلا أنه لا بد لزيادة قوله: {ولم أك بغياً} في هذا المقام من فائدة وقد عرفت ما سنح لنا والله أعلم. {قال كذا قال ربك هو عليّ هين} تفسيره كما مر في قصة زكريا {ولنجعله} أي ولنجعل الغلام أو خلقه {آية للناس} يستدل بها على كمال اقتدارنا على إبداع الغرائب فعلنا ذلك، ويجوز أن يكون معطوفاً على تعليل مضمر يتعلق بما يدل عليه {هين} أي تخلقه لنبين به قدرتنا {ولنجعله آية} وقد مر مثل هذا في قوله: { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه } [يوسف: 21] {ورحمة منا} على عبادنا لأن كل نبي رحمة لأمته فبه يهدون إلى صلاح الدارين {وكان أمراً مقضياً} مقدراً في اللوح أو أمراً حقيقاً بأن يقضي به لكونه آية ورحمة، وهذا مبني على أن رعاية الأصلح واجبة على الله. وههنا إضمار قال ابن عباس: فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيب درعها فوصلت النفخة إلى بطنها فحملت. وقيل: في ذيلها فوصلت إلى الفرج. وقيل: في فمها. وقيل: إن النافخ هو الله كقوله { ونفخت فيه من روحي } [ص: 72] وعلى هذا يقع تقديم ذكر جبرائيل كالضائع ولا سيما في قراءة من قرأ {لأهب لك} قيل: حملته وهي بنت ثلاث عشرة سنة. وقيل: بنت عشرين وقد حاضت حيضتين قبل أن تحمل. وكم مدة حملها؟ عن ابن عباس في رواية تسعة أشهر كما في سائر النساء لأنها لو كانت مخالفة لهن في هذه العادة لناسب أن يذكرها الله تعالى في أثناء مدائحها. وقيل: ثمانية أشهر ولم يعش مولود لثمانية إلا عيسى. قال أهل التنجيم: إنما لا يعيش لأنه يعود إلى تربية القمر وهو مغير معفن بسرعة حركته وغلبة التبريد والترطيب عليه. وعن عطاء وأبي العالية والضحاك: سبعة أشهر. وقيل: ستة أشهر. وقيل: حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها. وعن ابن عباس في رواية أخرى: كما حملته نبذته لقوله تعالى: {إن مثل عيسى عند الله} إلى قوله: { كن فيكون } [آل عمران: 59] ولفاآت التعقيب في قوله: {فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً فأجاءها المخاض} وعلى هذا فالمكان القصي هو أقصى الدار أو وراء الجبل بعيداً من أهلها. ومعنى انتبذت به اعتزلت متلبسة به وهو في بطنها. وقصى مبالغة قاص. وروى الثعلبي عن وهب قال: إن مريم لما حملت فأول من عرف هو يوسف النجار ابن عمها و كانت سميت له، وكانا يخدمان المسجد ولا يعلم من أهل زمانهما أكثر عبادة وصلاحاً منهما. فقال لها: إنه وقع في نفسي من أمرك شيء ولا أحب أن أكتمه عنك. فقالت: قل قولاً جميلاً. فقال: أخبريني يا مريم هل نبت زرع بغير بذر؟ قالت: نعم. ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر! أو تقول: إن الله لا يقدر على الإنبات حتى يستعين بالماء، ألم تعلم أن الله تعالى خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى! فقال يوسف: لا أقول هذا ولكني أقول: إن الله قادر على ما يشاء، وزالت التهمة عن قلبه وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لضيق قلبها واستيلاء الضعف عليها من الحمل. فحين دنا نفاسها أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك، فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، فلما بلغت تلك الدار أدركها النفاس فألجأها إلى أصل نخلة. قال جار الله: منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء. لا يقال: جئت المكان وأجاءنيه زيد كما يقال بلغته وأبلغنيه، ونظيره "آتى" حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ولم يقل "أتيت المكان وآتانيه فلان". قلت: حاصله تخصيص باء التعدية بعد تعميم و {المخاض} بفتح الميم وجع الولادة. قال الجوهري: مخضت الناقة بالكسر مخاضاً مثل سمع سماعاً. قيل: طلبت الجذع لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة. يروى أنه كان جذعاً لنخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمرة خضرة، وكان الوقت شتاء والتعريف إما كتعريف النجم والصعق لكون ذلك الجذع مشهوراً هناك، وإما للجنس أي جذع هذه الشجرة خاصة أرشدت إليها لتطعم منها الرطب الذي هو خرسة النفساء أي طعامها الموافق لها، ولأن النخلة أقل الأشياء صبراً على البرد ولا تثمر إلا باللقاح فكان ظهور ذلك الرطب من ذلك الجذع في الشتاء من دون لقاح وإبار دليلاً على حصول الولد من غير ذكر قال في الكشاف: النسي اسم ما من حقه أن يطرح وينسى كخرقة الطامث ونحوها، ونظير الذبح لما من شأنه أن يذبح. وعن يونس: أن العرب إذا ارتحلوا قالوا: انظروا أنساءكم يعنون العصا والقدح والشظاظ ونحوها. تمنت لو كانت شيئاً يعبأ به فحقه أن ينسى في العادة.
ومعنى {منسياً} أنه قد نسي وطرح فوجد فيه النسيان الذي هو حقه. وإنما تمنت ذلك لما لحقها من فرط الحياء والخجل، أو لأنهم بهتوا وهي عارفة ببراءة ساحتها فشق ذلك عليها، أو لخوفها على الناس أن يعصوا الله بسببها. ومن قرأ {نسياً} بالفتح فقد قال الفراء: هما لغتان كالوتر والوتر. ويجوز أن يكون تسمية بالمصدر كالحمل. وقرىء {نسأ} بالهمز وهو الحليب المخلوط بالماء ينسؤه أهله لقلته ونزارته {فناداها من تحتها} الذي هو تحتها أو إنسان تحتها يعني جبريل بناء على أنه كان يقبل الولد كالقابلة، أو أراد أسفل من مكانها لأن مريم كانت أقرب إلى الشجرة منه، أو كان جبريل تحت الأكمة وهي فوقها فصاح بها لا تحزني. وعن الحسن وسعيد بن جبير أن المراد به عيسى لأن ذكر عيسى أقرب، ولأن موضع اللوث لا يليق بالملك، ولأن الصلة يجب أن تكون معلومة للسامع والذي علم كونه حاصلاً تحتها هو الولد ويجري القولان فيمن قرأ بكسر الميم. وعن عكرمة وقتادة أن الضمير في تحتها للنخلة. قوله: {سرياً} جمهور المفسرين على أن السريّ هو الجدول. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم سمي بذلك لأن الماء يسري فيه. وقيل: هو من السر ومعناه سخاء في مروءة: ويقال: فلان من سروات قومه أي من أشرافهم. وجمع السري سراة وجمع سراة سروات. عن الحسن: كان والله عبداً سرياً حجة هذا القائل أن النهر لا يكون تحتها بل إلى جنبها ولا يمكن أن يقال: المراد أن النهر تحت أمرها يجري بأمرها ويقف بأمرها كما في قوله:
{ وهذه الأنهار تجري من تحتي } [الزخرف: 51] لأنه خلاف الظاهر. وأجيب بأن المكان المستوي إذا كان فيه مبدأ معين فكل من كان أقرب منه كان فوق. وكل من كان أبعد منه كان تحت. وأراد أن النهر تحت الأكمة وهي فوقها. وأيضاً حمل السري على النهر موافق قوله: { وءاوينٰهما إلى ربوة ذات قرار ومعين } [المؤمنون: 50] وقوله: {فكلي واشربي} يروى أن جبريل ضرب برجله فظهر ماء عذب. وقيل: كان هناك ماء جار، والأول أقرب لأن قوله {قد جعل ربك} مشعر بالأحداث في ذلك الوقت. قال القفال: الجذع من النخلة هو الأسفل وما دون الرأس الذي عليه الثمرة. وقال قطرب: كل خشبة في أصل شجرة هي جذع، والباء في قوله: {بجذع النخلة} كالزائد لأن العرب تقول هزة وهز به والمعنى حركي جذع النخلة أو افعلي الهز به. و{رطباً} تمييز ومفعول تساقط على حسب القراآت اللازمة والمتعدية. وعن الأخفش المراد جواز انتصابه بــ{هزي} أي هزي إليك رطباً جنياً بجذع النخلة أي على جذعها. والجني المأخوذ طرياً. والظاهر أنه ما أثمر إلا الرطب وقد صار نخلاً. وقيل: إنه كان على حاله وإنه أثمر مع الرطب غيره. قالوا: إذا عسر ولادة المرأة لم يكن لها خير من الرطب، والتمر للنفساء عادة من ذلك الوقت وكذا التحنيك. والمراد أنه جمع لها فائدتان في السري والرطب: إحداهما الأكل والشرب وقدم الأكل مع أن ذكر السري مقدم لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال من الدماء، والثانية سلوة الصدر لكونهما معجزين لزكريا أو إرهاصاً لعيسى أو كرامتين لمريم وأشار إلى هذه بقوله: {وقري عيناً} لأن قرّة العين تلزم قوة القلب والتسلي من الهموم والأحزان.
وقيل: إن ألم النفس أشد من ألم البدن، فلم قدم دفع ألم البدن على دفع ألم القلب؟ وأجيب بأن الخوف النفسي كان قليلاً لتقدم بشارة جبريل فكان التذكر كافياً {فإما ترين} أصله ترأيين مثل تسمعين خففت الهمزة وسقطت نون الإعراب للجزم ثم ياء الضمير للساكنين وذلك بعد لحوق نون التأكيد وقد مر في قوله:
{ إمَّا يبلغن عندك الكبر } [الإسراء: 23] إذاً لتأكيد هذه الصورة يقصد به أن الشرط مما سيقع غالباً فإن مريم لا بد أن ترى أحداً من البشر عادة. عن أنس بن مالك: الصوم هنا الصمت. وعن ابن عباس مثله. وقال أبو عبيدة: كان ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم. وقيل: أراد الصيام إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم. قال القفال: لعل مثل هذا النذر يجوز في شرعنا لأن الاحتراز عن كلام البشر يجرد الفكر لذكر الله تعالى وهو قربة، ولعله لا يجوز لما فيه من التضييق والتشديد ولا حرج في الإسلام. وفي الكشاف: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم الصمت. وروي أنه دخل أبو بكر الصديق على امرأة وقد نذرت أنها لا تتكلم فقال أبو بكر: إن الإسلام هدم هذا فتكلمي. وفي أمرها بهذا النذر معنيان: أحدهما أن كلام عيسى أقوى في إزالة التهمة وفيه أن تفويض الأمر إلى الأفضل أولى، والثاني أن السكوت عن جدال السفهاء أصون للعرض ومن أذل الناس سفيه لم يجد مشافهاً. وكيف أخبرتهم بالنذر؟ قيل: بالإشارة وإلا لزم النقض. وقيل: خص هذا الكلام بالقرينة العقلية. وقوله: {إنسياً} أراد المبالغة في نفي الكلام أو أراد أني أكلم الملائكة دون الإنس وهذا أشبه بقوله: {فإما ترين من البشر}. {فأتت به} أي بعيسى {قومها تحمله} الجملة حال. عن وهب: قال أنساها كربة الميلاد وما سمعت من الناس ما كان من بشارة الملائكة، فلما كلمها جاءها مصداق ذلك فاحتملته فأقبلت به إلى قومها. وعن ابن عباس: أن يوسف النجار انتهى بمريم إلى غار فلبثوا فيه أربعين يوماً حتى طهرت من نفاسها، ثم جاءت تحمله فكلمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه. فلما دخلت به على قومها تباركوا وقالوا: {لقد جئت شيئاً فرياً} بديعاً من فرى الجلد، وليس في هذا ما يوجب تعييراً أو ذماً لأن أمرها كان خارجاً عن المعتاد، ويحتمل أن يراد إنه أمر منكر خارج عن طريق العفة والصلاح فيكون توبيخاً ويؤكده قولهم: {يأخت هرون} الآية.
واختلفوا في هارون فقيل: كان أخاها من أبيها من أمثل بين إسرائيل وهذا أظهر لأن حمل اللفظ على الحقيقة أولى من غيره. وقيل: يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم عنوا هارون النبي أخا موسى عليهما السلام وكانت من أعقاب من كان معه في طبقة الأخوة وبينهما ألف سنة وأكثر. وعن السدي: كانت من أولاده والمراد أنها واحدة منهم كما يقال يا أخا همدان أي يا واحداً منهم. وقيل: أرادوا رجلاً صالحاً في زمانها أي كنت عندنا مثله في الصلاح. ويحكى أنه تبع جنازته أربعون ألفاً كلهم يسمى هارون تبركاً به وباسمه. وقيل: كان رجلاً طالحاً معلناً بالفسق فسموها به وبالتشبيه بسيرته. ويروى أنهم هموا برجمها {فأشارت إليه} أي أن عيسى هو الذي يحكم. وبم عرفت ذلك؟ إما بأن كلمها في الطريق أو بالإلهام أو بالوحي إلى زكريا أو بقول جبريل على أن أمرها بالسكوت بعد ما سبق من البشارة قيل: كان المستنطق لعيسى زكريا. وعن السدي. لما أشارت إليه غضبوا وقالوا لسخريتها بنا أشد علينا من زناهم ثم {قالوا كيف نكلم من كان في المهد} قال جار الله: "كان" لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماضٍ مبهم يصلح للقريب والبعيد، وههنا للزمان القريب عن الحال بدلالة الحال، أو هو حكاية حال ماضية أي كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس {صبياً} في المهد حتى تكلم هذا، ويحتمل أن يقال: "كان" زائدة نظراً إلى أصل المعنى وإن كان يفيد زيادة ارتباط مع رعاية الفاصلة، أو هي تامة {صبياً} حال مؤكدة. ويرى أنه كان يرضع فلما سمع مقالتهم ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه وتكلم مع جاره وأشار بسبابته قائلا: {إني عبد الله} فكان فيه أوّلاً رد قول النصارى: {آتاني الكتاب} هو الإنجيل والتوراة أي فهمها. وقيل: أكمل الله عقله واستنبأه طفلاً بل في بطن أمه. وقيل: أراد أنه سبق في قضائه، أو جعل الآتي لا محالة كأنه قد وجد والأول أظهر وصغر الجسم لا مدح في كمال العقل وخرق العادة فيه أكذا قالوا إن كمال عقله في ذلك الوقت خارق للعادة. فيكون المعجز متقدماً على التحدي وهو غير جائز ولو كان نبياً في ذلك الوقت وجب أن يشتغل ببيان الشرائع والأحكام ولو وقع ذلك لاشتهر ونقل. والجواب أن بعض معجزات النبي لا بد أن يكون مقروناً بالتحدي، أما الكل فممنوع، وبعبارة أخرى لا بد أن يكون مقروناً بفعل خارق عن العادة، ولكن كل فعل خارق للعادة فإنه لا يلزم اقترانه بالتحدي، وكذا الكلام في بيان الشرائع فإن بعض أوقات النبي لا بد أن يقترن به التحدي دون كل أوقاته وحالاته، على أنه أشار إلى بعض التكاليف بقوله: {وأوصاني بالصلاة والزكاة} كما يجيء. وعن بعضهم أنه كان نبياً لقوله: {وجعلني نبياً} ولكنه ما كان رسولاً لأنه ما جاء بالشريعة في ذلك الوقت ومعنى كونه نبياً أنه رفيع القدر عليّ الدرجة، وضعف بأن النبي في عرف الشرع أخص من ذلك. ومعنى قوله: {مباركاً أينما كنت} نفاعاً حيثما كنت روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل معلماً للخير، وضلال كثير من أهل الكتاب باختلافهم فيه لا يقدح في منصبه كما قيل:

عليّ نحت القوافي من معادنها وما عليّ إذا لم تفهم البقر

وهذه سنة الله في أنبيائه ورسله كلهم { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً } [الفرقان: 31] يروى أن مريم سلمت عيسى إلى المكتب فقالت للمعلم. أدفعه إليك على أن لا تضربه فقال له: اكتب. فقال له: أي شيء أكتب؟ فقال: اكتب "أبجد" فقال: لا أكتب شيئاً لا أدري. ثم قال: إن لم تعلم ما هو فأنا أعلمك. الألف من آلاء الله، والباء من بهاء الله والجيم من جمال الله، والدال من أداء الحق إلى الله. وقيل: البركة أصلها من بروك البعير والمعنى جعلني ثابتاً في دين الله مستقراً فيه. وقيل: البركة هي الزيادة والعلو فكأنه قال: جعلني في جميع الأشياء غالباً منجحاً إلى أن يكرمني الله بالرفع إلى السماء عن قتادة أنه رأته امرأة وهو يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص فقالت: طوبى لبطن حملتك وثدي أرضعت به. فقال عيسى عليه السلام مجيباً لها: طوبى لمن تلا كتاب الله واتبع ما فيه ولم يك جباراً شقياً.
{وأوصاني بالصلاة والزكاة} أي بأدائهما إما في وقتهما المعين وهو وقت البلوغ، وإما في الحال بناء على أنه كان مع صغره كامل العقل تام التركيب بحيث يقوى على أداء التكاليف ويؤيده قوله {ما دمت حياً} وقيل: الزكاة ههنا صدقة الفطر. وقيل: تطهير البدن من دنس الآثام. وقيل: أوصاني بأن آمركم بهما. وفي قوله: {وبراً بوالدتي} دلالة وإشارة إلى تبرئة أمه من الزنا وإلا لم يكن الرسول المعصوم مأموراً بالبر بها. قال بعض العلماء: لا تجد العاق إلا جباراً شقياً وتلا قوله: {وبراً بوالدتي} {ولم يجعلني جباراً شقياً} ولا تجد سيىء الملكة إلا مختالاً فخوراً. وقرأ
{ وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً } [النساء: 36] وإنما نفى عن عيسى الشقاوة ولم ينف عنه المعصية كما نفى عن يحيى لما جاء في الخبر "ما أحد من بني آدم إلا أذنب أو هم بذنب إلا يحيى بن زكريا" ومن عقائد أهل السنة أن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر. قوله: {والسلام عليّ} قالت العلماء: إنما عرف السلام ههنا بعد تنكيره في قصة يحيى لأن النكرة إذا تكررت تعرفت على أن تعريف الجنس قريب من تنكيره. وقيل: إن الأول من الله والقليل عنه كثير.

قليل منك يكفيني قليلك لا يقال له قليل
وإني لأرضى منك يا هند بالذي لو أبصره الواشي لقرت بلابله
بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى وبالوعد حتى يسأم الوعد آمله

والثاني من عيسى والكثير منه لا يبلغ معشار سلام الله. عن بعضهم أن عيسى عليه السلام قال ليحيى: أنت خير مني سلم الله عليك وسلمت على نفسي. وأجاب الحسن بأن تسليمه على نفسه هو تسليم الله عليه. وقال جار الله: في هذا التعريف تعريض باللعنة على متهمي مريم وأعدائها من اليهود لأنه إذا زعم أن جنس السلام خاصته فقد عرض بأن ضده عليهم نظيره في قصة موسى { والسلام على من اتبع الهدى } [طه: 47] يعني أن العذاب على من كذب وتولى. يروى أنه كلمهم بهذه الكلمات ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان. وعن اليهود والنصارى أنهم أنكروا تكلم عيسى في المهد قائلين إن هذه الواقعة مما يتوفر الدواعي على نقلها، فلو وجدت لاشتهرت وتواترت مع شدة غلو النصارى فيه وفي مناقبه. وأيضاً إن اليهود مع شدة عداوتهم له لو سمعوا كلامه في المهد بالغوا في قتله ودفعه في طفوليته. وأجاب المسلمون من حيث العقل بأنه لولا كلامه الذي دلهم على براءتها من الذي قذفوها به لأقاموا عليها الحد ولم يتركوها، ولعل حاضري يشتغلوا وقتئذ بدفعه والله أعلم. {ذلك} الموصوف بالصفات المذكورة من قوله: {إني عبد الله} إلى آخره هو {عيسى ابن مريم} وفي كونه ابن لهذه المرأة نفى كونه ابناً على ما زعمت الضالة وأكد هذا المعنى بقوله: {قول الحق} فإن كان الحق هو اسم الله فهو كقوله: "كلمة الله" وانتصابه على المدح، وإن كان بمعنى الثابت والصدق فانتصابه على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة كقولك "هو عبد الله الحق" و {قول الحق} من إضافة الموصوف إلى الصفة مثل { حق اليقين } [الواقعة: 95] قد مر آنفاً. وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر، أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف. ومعنى {تمترون} تشكون من المرية الشك، أو المراد يتمارون من المراء اللجاج وذلك أن اليهود قالوا: ساحر كذاب، وقالت النصارى ابن الله وثالث ثلاثة.
ثم صرح ببطلان معتقدم فقال: {ما كان الله} ما صح له وما استقام {أن يتخذ من ولد} كما لا يستقيم أن يكون له شريك، وقد مر مثل هذه الآية في سورة البقرة. والذي نزيده ههنا أن بعضهم قال: معنى الآية ما كان لله أن يقول لأحد إنه ولدي لأن هذا الخبر كذب والكذب لا يليق بحكمته تعالى. وزعم الجبائي بناء على هذا التفسير أنه ليس لله أن يفعل كل شيء لأن قوله: {ما كان لله أن يتخذ من ولد} كقولنا "ما كان لله أن يظلم" فلا يليق شيء منها بحكمته وكمال إلهيته. وأجيب بأن الكذب على الله محال، والظلم تصرف في ملك الغير فلا يتصوّر في حقه. فإن أردتم هذا المعنى فلا نزاع، وإن أردتم شيئاً آخر فما الدليل على استحالته؟! احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم كلام الله لأن قوله: {كن} إن كان قديماً فهو المطلوب، وإن كان محدثاً احتاج في حدوثه إلى قوله آخر وتسلسل. واستدلت المعتزلة بها على حدوث كلامه قالوا: إن قوله: {إذا قضى} للاستقبال وذلك القول متأخر عن القضاء المحدث، والمتأخر عن المحدث محدث. وأيضاً الفاء في {فيكون} للتعقيب والقول متقدم عليه بلا فصل، والمتقدم على المحدث بزمان قليل محدث، وكلا الاستدلالين ضعيف لأنه لا نزاع في حدوث الحروف وإنما النزاع في كلام النفس. وأيضاً قوله: {كن} عبارة عن نفاذ قدرته ومشيئته وإلا فليس ثم قول لأن الخطاب مع المعدوم عبث ومع الموجود تحصيل الحاصل. ومن الناس من زعم أن المراد من قوله: {كن} هو صفة التكوين فإنها زائدة على صفة القدرة لأنه قادر على عوالم أخر سوى هذا وغير مكون لها، ولعل هذا الزاعم سمى تعلق القدرة بالمقدور تكويناً. ومن قرأ {وأن الله} بالفتح فمعناه ولأن الله {ربي وربكم فاعبدون} وفيه أن الربوبية هي سبب العبادة فمن لم تصح ربوبيته لم يستحق أن يعبد، ولا رب بالحقيقة إلا الله لانتهاء جميع الوسائط والأسباب إليه، فلا يستحق العبادة إلا هو. وههنا نكتة هي أن الله تعالى لا يصح أن يقول: {إن الله ربي وربكم فاعبدوه} فالتقدير قل: يا محمد بعد إظهار البراهين الباهرة على أن عيسى عبد الله {إن الله ربي وربكم} قال أبو مسلم الأصفهاني: إنه من تتمة كلام عيسى وما بينهما اعتراض. وعن وهب بن منبه: عهد إليهم حين أخبرهم عن حاله وصفته أن كلنا عبيد الله تعالى {فاختلف الأحزاب من بينهم} أي من بين أهل الكتاب. قال الكلبي: هم اليهود والنصارى. وقيل: النصارى اختلفوا ثم اتفقوا على أن يرجعوا إلى علماء زمانهم وهم يعقوب ونسطور وملكا فقيل للأول: ما تقول في عيسى؟ فقال: هو الله هبط إلى الأرض فخلق وأحيا ثم صعد إلى السماء فتبعه على ذلك خلق كثير وهم اليعقوبية. وسئل الثاني فقال: هو ابن الله فتابعه جم غفير وهم النسطورية، وسئل الثالث فقال: كذبوا وإنما كان عبداً مخلوقاً نبياً يطعم وينام فصارا خصمه وهو المؤمن المسلم. وقيل: كانوا أربعة والرابع اسمه إسرائيل فقال: هو إله وأمه إله والثلاثة أقانيم والروح واحد. واعلم أن بحث الحلول والاتحاد فيه طول وقد ينجر الكلام فيه إلى مقامات يصعب الترقي إليها، فلذلك ضل فيه من ضل وزل عنه من زل والله سبحانه أعلى من جميع ذلك وأجل {فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم} أي من شهودهم هذا الجزاء والحساب في ذلك اليوم، أو من زمان شهودهم، أو من مكان شهودهم فيه وهو الموقف. ويحتمل أن يكون المشهد ومن الشهادة أي من يشهد عليهم الملائكة والأنبياء أو جوارحهم فيه بالكفر والقبائح، أو من مكان الشهادة أو وقتها. وقيل: هو ما قالوه وشهدوا به في عيسى وأمه يوم ولادته. ومعنى"من" التعليل أي الويل لهم من أجل المشهد وبسببه قال أهل البرهان: إنما قال ههنا {فويل للذين كفروا} وفي حم الزخرف
{ فويل للذين ظلموا } [الآية: 65] لأن الكفر أبلغ من الظلم، وقصة عيسى في هذه السورة مشروحة وفيها ذكر نسبتهم إياه إلى الله حتى قال: {ما كان لله أن يتخذ من ولد} فذكر بلفظ الكفر، وقصتهم في الزخرف مهملة فوصفهم بلفظ دونه وهوالظلم. قلت: ويحتمل أن يقال: الظلم إذا أريد به الشرك كان أخص من الكفر فعمم أولاً ثم خصص لأن البيان بالمقام الثاني أليق {أسمع بهم وأبصر} صيغتان للتعجب والمراد أن هاتين الحاستين منهم جديران بتعجب منهما في ذلك اليوم بعد ما كانوا صماً وعمياً في الدنيا، وذلك لكشف الغطاء ولحاق العيان بالخبر. والتعجب استعظام الشيء بسبب عظمه، ثم جوز استعمال لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من غير سبب. قال سفيان: قرأت عند شريح { بل عجبت ويسخرون } [الصافات: 12] فقال: إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم. فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: إن شريحاً شاعر يعجبه علمه وعبد الله أعلم بذلك منه. والمعنى أنه صدر من الله فعل لو صدر مثله عن الخلق لدل على حصول التعجب في قلوبهم. وقيل: معنى الآية التهدد بما سيسمعون وسيبصرون مما يسوءهم. وقيل: أراد أسمع بهؤلاء وأبصر أي عرفهم مآل القوم الذين يأتوننا ليعتبروا وينزجروا عن الإتيان بمثل فعلهم. وقال الجبائي أن يراد أسمع الناس بهؤلاء وأبصرهم ليعتبروا بسوء عاقبتهم والوجه هو الأول يؤيده قوله: {لكن الظالمون} أي لكنهم فوضع المظهر موضع المضمر. {اليوم} وهو يوم التكليف {في ضلال مبين} حيث أغفلوا النظر والاستماع وتركوا الجد والاجتهاد في تحصيل الزاد للمعاد وهو {يوم الحسرة} لتحسر أهل النار فيه. وقيل: أهل الجنة أيضاً إذا رأى الأدنى مقام الأعلى، والأول أصح لأن هذه الخواطر لا توجد في الجنة لأنها دار السرور. و{إذ} بدل من يوم الحسرة أو منصوص بالحسرة. ومعنى {قضي الأمر} فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عنه فقال: "يؤتى بالموت فيذبح كما يذبح الكبش والفريقان ينظران فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرح وأهل النار غماً إلى غم" قال أرباب المعقول: إن الموت عرض فلا يمكن أن يصير حيواناً فالمراد أنه لا موت بعد ذلك. عن الحسن {وهم في غفلة} متعلق بقوله: {في ضلال مبين} وقوله: {وأنذرهم} اعتراض. ويحتمل أن يتعلق بـ {أنذرهم} أي أنذرهم على هذه الحال غافلين غير مؤمنين. ويحتمل أن يكون "إذ" ظرفاً لـ{أنذر} أي أنذرهم حين قضي الأمر ببيان الدلائل وشرح أمر الثواب والعقاب. ثم أخبر عنهم أنهم في غفلة {وهم لا يؤمنون} ثم قرر بقوله: {إنا نحن نرث} أن أمور الدنيا كلها تزول وأن الخلق كلهم يرجعون إلى حيث لا يملك الحكم إلا الله وفيه من التخويف والإنذار ما فيه.
التأويل: {واذكر في الكتاب} الأزلي {مريم} القلب {إذا انتبذت من أهلها} تفردت من أهل الدنيا متوجهاً إلى جانب شروق النور الإلهي {فاتخذت من دونهم} حجاب الخلوة والعزلة {فأرسلنا إليها روحنا} وهو نور الإلهام الرباني والخاطر الرحماني كقوله:
{ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا } [الشورى: 52] {فتمثل لها بشراً سوياً} كما تمثل روح التوحيد بحروف "لا إله إلا الله" لانتفاع الخلق به. و{قالت إني أعوذ بالرحمن منك} ظناً منها أنه يشغلها عن الله. {قال إنما أنا رسول} الوارد الرباني {لأهب لك غلاماً زكياً} طاهراً عن لوث الظلمة الأنسية وهو النفس المطمئنة القدسية. {ولم يمسسني بشر} خاطر من عالم البشرية {ولم أك بغياً} أطلب غير ما خلقت لأجله وهو التوجه إلى عالم الروح المجرد {فحملته} بالقوة القريبة من الفعل {فانتبذت به مكاناً قصياً} لافتقاره إلى العبور على منازل الشريعة والطريقة {فأجاءها} مخاض الطلب والتعب {إلى جذع النخلة} وهي كلمة "لا إله إلا الله" التي كان أصلها ثابتاً في أرض نفسها {قالت يا ليتني مت قبل هذا} قال بعض أهل التحقيق: هذه كلمة يذكرها الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم. قال عليّ عليه السلام يوم الجمل: يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. وعن بلال: ليت بلالاً لم تلده أمه. وقيل: إن مريم قالت ذلك لعلمها بأن الله تعالى يدخل النار خلقاً كثيراً بسبب تهمتها وبسبب الغلو والتقصير في حق ابنها قلت: إن مريم القلب قالت يا ليتني مت عن اللذات الجسمية قبل هذا الوقت الذي فزت باللذات الحقيقية وكنت نسياً منسياً، لإإن الخمول راحة والشهرة آفة {فناداها} بلسان الحال من تحت تصرفها من آلات القوى {أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك} أي تحت تصرفك {سرياً} هو الغلام الموعود أو جدول الكشوف والعلوم الدينية {وهزي إليك بجذع النخلة} بالمداومة على الذكر {تساقط عليك رطباً جنياً} من المشاهدات والمكاشفات حالاً فحالاً {فكلي واشربي} من خوان الأفضال وبحر النوال من مادته "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" {وقري عينا} بأنوار الجمال في حجرة الوصال {فأما ترين} من السوانح البشرية {أحداً فقولي إني نذرت للرحمن صوماً} كما قيل الدنيا يوم ولنا فيه صوم أي الالتفات لغير الله. {فأتت به قومها} من عادة الجهال إنكار أحوال أهل الكمال. {يا أخت هرون} النفس المطمئنة أو الأمارة بناء على أن هارون كان صالحاً أو طالحاً {وكان أبوك} وهو الروح المفارق {إمرأ سوء وما كانت أمك} وهي القالب {بغياً} تستأنس إلى غير عالم الطبيعة التي خلقت لأجلها {فأشارت إليه} فيه أن هذا القوم هم أهل الإشارات {في المهد} مهد السر وذلك المتولد من نفخ الروح في مريم القالب ليس ابناً لله ولا محلاً له ولا نفسه. {فاختلف الأحزاب} فقوم عبدوا الله لأجله، وقوم عبدوه طمعاً في جنته، وقوم عبدوا الهوى وذلك قوله: {فويل للذين كفروا} {أسمع بهم} أي بأهل الله {وأبصر يوم يأتوننا} فإنهم بالله يسمعون وبه يبصرون.