خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ
١٩
وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ
٢٠
لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ
٢١
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ
٢٢
إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ
٢٣
وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ
٢٤
-النمل

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقولُه تَعَالَى: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّنْ قَولِهَا} التبسمُ هو ضِحْكُ الأنبيَاءِ في غالِبِ أمْرهم؛ لا يَليقُ بهم سِوَاهُ، وكان تَبَسُّمُه سروراً بنعمَةِ اللّه تَعالى عَلَيهِ في إسماعِهِ وتفهيمهِ. وفي قول النملة: {وهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} ثناءٌ على سليمانَ وجنودِه يتضمنُ تنزيهِهم عن تعمدِ القبيحِ. ثم دعا سليمانُ عليه السلام ربَّه أنْ يُعينَه ويُفَرِّغَهُ لشُكرِ نعمتهِ، وهذا معنى إيزاعِ الشُّكرِ، وقال الثعلبيُّ وغيرَه: «أوزِعْنِي» معناه: ألهِمْنِي، وكذلك قال العِرَاقِيَّ: {أَوزِعْنِي} ألهِمْني، انتهى.

وقوله تعالى: {وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ...} الآية، قالت فرقةٌ: ذلك بحسْبِ ما تقتَضِيه العنايةُ بالمَمْلَكَةِ والتَّهمُّمِ بكل جُزْءٍ منها، وهذا ظاهر الآيةِ أنَّه تَفَقَّدَ جميعَ الطيرِ، وقالت فِرقةٌ: بل تَفَقَّدَ الطيرَ؛ لأَنَّ الشَّمْسَ دَخَلَتْ مِنْ مَوضِعِ الهُدْهُدِ؛ فكان ذلك سببَ تفقدِ الطيرِ؛ ليَبِينَ مِنْ أين دَخَلَتِ الشمسُ، وقال عبدُ اللّهِ بن سلاَم: إنما طلبَ الهدهدَ؛ لأنه احتاجَ إلى معرفةِ الماءِ؛ على كَم هو مِنْ وَجهِ الأرضِ؛ لأنه كانَ نَزَلَ في مفازةٍ عَدِمَ فيها الماءَ، وأن الهُدْهُدَ كان يَرَى بَاطِنَ الأرضِ وظاهرَها؛ فكان يخبرُ سليمانَ بموضع الماءِ، ثم كانتِ الجنُّ تُخْرجُه في ساعةٍ، وقيل غير هذا؛ واللّه أعلم بما صح من ذلك. ثم توعد ـــ عليه السلام ـــ الهدهدَ بالعذابِ، فروي عن ابن عباس وغيره: أن تعذيبَه للطير كانَ بنتفِ ريشِه. والسلطانُ: الحجةُ؛ حيث وقع في القرآن العظيم؛ قاله ابن عباس. وفعلَ سليمانُ هذا بالهدهدِ إغلاظاً على العاصينَ؛ وعِقَاباً على إخلاله بنبوته ورتبته، والضميرُ في {مكث} يحتملُ أن يكونَ لسليمانَ أو للهدهدِ، وفي قراءة ابن مسعود «فتمكث ثم جاء فقال» وفي قراءة أُبَيِّ «فتمكث ثم قال أحطت».

* ت *: وهاتان القراءتان تُبَيِّنَانِ أن الضميرَ في «مكث» للهدهدِ؛ وهو الظاهرُ أيضاً في قراءة الجماعة، ومعنى {مكثَ}: أقامَ.

وقوله: {غَيْرَ بَعِيدٍ} يعني: في الزمن.

وقوله: {أَحَطتُ} أي: عَلِمْتُ.

وقرأ الجمهورُ «سبأٍ» بالصرف على أنه اسمُ رجلٍ؛ وبه جاء الحديثِ عن النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ من حديث فروةَ بن مسيك وغيره، سُئِلَ عليه السلامُ عَنْ سَبَإٍ فَقَالَ: "كَانَ رَجُلاً لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الْوَلَدِ تَيَامَنَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ وَتَشَاءَمَ أرْبَعَة" . ورواه الترمذي من طريقِ فروة بن مُسَيْك. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «سَبَأَ» ـــ بفتح الهَمْزَةِ وتَرْكِ الصَّرْف؛ ـــ على أنه اسمُ بَلْدَةِ؛ وقاله الحسن وقتادة.

وقوله: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} أي: مما تحتاجُه المملكةُ، قال الحسن: من كل أمر الدنيا، وهذه المرأةُ هي «بلقيس»، وَوَصَفَ عرشَها بالعِظَم في الهيئةِ ورتبةِ المُلْكِ، وأكثَرَ بَعضِ النَّاسِ في قصَصها بما رأيتُ اختصارَه؛ لعدَمِ صحَّتِه، وإنما اللازم من الآية: أنها امرأةٌ مَلِكَةٌ عَلى مدائنَ اليمن، ذاتُ مُلْكٍ عظِيم، وكانتْ كافرةً من قومٍ كفارٍ.