خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ
١٤
وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
١٥
يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ
١٦
يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ
١٧
وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ
١٨
وَٱقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ
١٩
أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ
٢٠
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ
٢١
-لقمان

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ بِوٰلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ} هاتان الآيتان اعتراض أثناء وصية لقمان و {وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ} معناه ضعفاً على ضعف، كأنه قال: حملته أمه والضَّعْفُ يتزيد بعد الضَّعْفِ إلى أن ينقضي أمده.

وقال * ص *: {وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ} حالٌ من أمه أي شدة بعد شدة، أَوْ جَهْداً على جَهْدِ، وقيل {وَهْناً} نطفةٌ، ثم علقةٌ، فيكونُ حالاً من الضميرِ المنصوبِ في {حَمَلَتْهُ}. انتهى.

وقوله تعالى: {أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوٰلِدَيْكَ}.

قال سفيان بن عُيَيْنَةَ: من صلى الصلواتِ الخمسَ فقد شكر اللّه تعالى، ومن دعا لوالديه في إدبار الصلوات فقد شكرهما.

وقوله سبحانه: {وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي} رُوِي أنَّ هاتين الآيتين نزلتا في شأن سَعْدِ بن أبي وقاص وأمه حَمْنَة بنْتِ أبي سفيانَ، على ما تقدم بيانُه، وجملةُ هذا البابِ؛ أن طاعةَ الأبوين لا تُراعى في ركوب كبيرةٍ، ولا في ترك فريضةٍ على الأعيان، وتلزم طاعتُهما في المباحاتِ وتستحسن في ترك الطاعات الندب.

وقوله سبحانه: {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} وصيةٌ لجميع العالم. وهذه سبيل الأنبياء والصالحين.

وقوله تعالى ـــ حاكياً عن لقمان {يَٰبُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ...} الآية: ذكرَ كثيرٌ من المفسرين: إنه أراد مثقال حبة من أعمال المعاصي والطاعات، وبهذا المعنى يتحصل في الموعظة ترجيةٌ وتَخْويفٌ منضاف إلى تَبْيِينِ قدرة اللّه تعالى.

وقوله: {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ} يَقْتَضِي حضاً على تغيير المنكر وإن نال ضرراً، فهو إشعارٌ بأن المغيِّر يؤذي أحياناً.

وقوله: {إِنَّ ذَٰلِكَ مِن عَزْمِ ٱلأُمُورِ} يحتمل أن يُرِيْدَ مما عزمه اللّهُ وأمَرَ بهِ، قاله ابن جريج: ويحتمل أن يريدَ أنَّ ذلك من مكارم الأخلاق، وعزائم أهل الحزم السالكينَ طريقَ النجاةِ؛ قاله جماعة. والصَّعَرُ: الميْل، فمعنى الآية: ولا تُمِلْ خَدَّك للناس كِبْراً عليهم وإعجاباً واحتقاراً لهم؛ قاله ابن عباس وجماعة. وعبارة البخاري: ولا تُصَاعِر، أي: لا تعرض والتَّصَاعُر: الإعْرَاضُ بالوجه؛ انتهى. والمَرَحُ: النَّشَاط، والمشي مَرَحَا: هو في غير شُغْل، ولغير حاجة، وأهل هذه الخُلُقِ ملازمون للفخر والخُيَلاَءِ، فالمَرِحُ مختالُ في مَشيه، وقد ورد من صحيح الأحاديث في جميع ذلك وعيدٌ شديدٌ يطول بنا سردَهُ.

قال عيَاضٌ: كان أبو إسحاقَ الجبنياني قَلَّ ما يتركُ ثَلاَثَ كَلِماتٍ؛ وفيهن الخيرُ كلُّه: اتَّبِعْ وَلاَ تَبْتَدِعْ. ٱتَّضِعْ وَلاَ تَرْتَفِعْ، مَنْ وَرِعَ لا يَتَّسِعْ, انتهى. وغضُّ الصوتِ أوقرُ للمتكلم وأبسطُ لنفس السامع وفهمِه، ثم عَارَضَ ممثلاً بصوت الحَمِير على جهة التشبيه، أي: تلك هي التي بَعُدت عن الغَض فهِي أنكَرُ الأصوات، فكذلك ما بعُد عن الغَضِّ من أصوات البشر؛ فهو في طريقِ تلك، وفي الحديث: "إذَا سِمِعْتُمْ نَهِيقَ الحَمِيرِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَإنَّهَا رَأَتْ شَيْطاناً" .

وقال سفيانُ الثوري: صياح كل شيءٍ تسبيحٌ إلا صياحُ الحمير.

* ت *: ولفظ الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ـــ: "إذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فاسألوا اللّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإنَّهَا رَأَتْ مَلَكاً، وَإذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَأَنَّهُ رَأَىٰ شَيْطَاناً" رواه الجماعَة إلا ابن ماجَهْ. وفي لفظ النسائي: "إذَا سَمِعْتُمْ الدِّيَكَةَ تَصِيحُ بِاللَّيْلِ" ، وعن جابرٍ قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "إذَا سَمِعْتُمْ نِبَاحَ الْكِلاَبِ وَنَهِيقَ الْحمِيرِ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ؛ فَإنَّهَا تَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ، وَأَقِلُّوا الخُرُوجَ إذَا جَدَّتْ؛ فَإنَّ اللّهَ يَبُثُّ في لَيْلِهِ مِنْ خَلْقِهِ مَا يَشَاءُ" . رواه أبو داود النسائي والحاكم في «المستدرك». واللفظ له، وقال صحيح على شرط مسلم؛ انتهى، من «السلاح».

وقوله تعالى: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَـٰهِرَةً وَبَاطِنَةً}.

قال المُحَاسبيُّ ـــ رحمه اللّه ـــ الظاهرة: نعم الدنيا، والباطنةُ: نعم العقبى. والظاهر عندي التعميمُ. ثم وقف تعالى الكفَرَة على اتِّبَاعهِم دين آبائِهم أيكونُ وهم بحالِ من يصير إلى عذاب السعير، فكأنّ القائل منهم يقول: هم يتبعون دين آبائهم ولو كان مصيرهم إلى السعير. فدخلت ألف التوقيف على حرف العطف؛ كما كان اتّساقُ الكلام فيه؛ فتأملْه.